الحوار المتمدن - موبايل


عبد العزيز المقالح

سعيد عدنان

2010 / 11 / 29
الادب والفن


قلّ من الشعراء من أنشأ ديواناً في مدينة، وقلّ من قال قصيدة في مدينة محتفياً بها، مبتهجاً بالضياء المتردد في جنباتها. بل إن طليعة الشعر الحديث لم يكونوا مصطلحين معها، وما أكثر ما توجهوا إليها بالمذمّة والهجاء، حتى بدت لهم ميتة الأغاني، بلا قلب، ضيقة الدروب، تُعين الغزاة على استباحتها، منقطعة الرجاء!! وربّما كان لذلك ما يسوّغه بوجه ما، من استبداد حاكم، أو طغيان مستعمر، أو وحشة تعتري ابن الريف إذا دخل المدينة.
لم يُعن أحد بوجه المدينة الآخر، ولم ينظر إليها بمحبة، وما كان ينبغي أن تظل المدينة رهينة ذمّ، ومدعاة استيحاش، وما كان ينبغي أن يكون الشاعر فيها غريباً وكأنه ليس منها، أو كأنّها ليست منه.
وكان حقّ المدينة أن يتهيأ لها من يُزيل الغبار عن وجهها، وأن يرى روحها الحيّة وهي تتدفق في حجارتها، وشجرها، وأزقتها، وعيون أطفالها، وفي سمائها أيضاً، وليس ذلك سهلاً ميسوراً، فلا بد من عينين تريان مواقع الضوء والظل، وتحسنان اقتفاء مساربهما، وتريان تحولات اللون بين الحجر والشجر، ولا بد من سمع رهيف يلتقط حكاية النبع وهو يتفجر من بين الصخر، ويصغي إلى همس التاريخ، ونجواه، وهو يجري بين تدفّق وتعثّر. ولا بد من روح يلتقي إيقاعها بإيقاع روح المدينة، وينفذ إليها الخفي منه، ولا بد من قلم مبين يجلو ذلك، ويُسكنه نظيره من اللفظ.
وقد تّم ذلك في ((كتاب صنعاء))، الذي كتبه عبد العزيز المقالح.
والمقالح أديب بأوسع ما للكلمة من معنى، زاول الشعر يتوخّى به جديد الرؤى والصياغة، وزاول النقد يتحرى به مواطن الأصالة والجمال، وكان إلى ذلك أكاديمياً رفيع القدر، مارس الشأن الجامعي تدريساً وبحثاً وإدارةً على أتم ما تكون الممارسة، وهو في ذلك كلّه يلتقي عنده الأمران: الفردي والجماعي، من غير أن يستبد أحدهما، أو يطغى، وينفذ منهما إلى قضية البلاد في حريتها، وتقدّمها وتحقيق شرطها الإنساني في مدارها العربي.
ويقول من اتصلت أسبابه به إن له سمتاً من الهدوء، والوثاقة، وأريحية المجلس، وإن شغفه بصنعاء لا ينقضي، ومن تجلي هذا الشغف أن وضع فيها ديواناً ثرياً هو ((كتاب صنعاء)).
جاء الكتاب في سِت وخمسين قصيدة، تقدمها إهداء هو كالضياء يُلقى على القصائد فيضيء جنباتها.
يقول: ((إليها كما رسمتها مخيلة الطفولة والكهولة)) وهي صنعاء وقد نشأ فيها ونشأت فيه.
ثم تأتي كلمات قبل القصائد تلتقي مع الإهداء، وتنبثق عنه وتكون إطاراً يحيط بالقصائد كلها وينشر عليها ظله:

كانت امرأةً
هبطت في ثياب
الندى
ثم صارت
مدينة

وإذا كان الشعراء من قبل قد قرنوا المدينة بالمرأة فلكي يحققوا واقعة استباحتها، أما المقالح فإنه إذ يقرن بينهما فمن أجل أن يُلقي على المدينة أشياء من بهاء المرأة وقد احتواهما الندى معاً.
وصنعاء لديه حجر، وبشر، وتاريخ يصل بينهما، وهي أيضاً ندى، وخرير ماء، وشجر. وهي قبل ذلك وبعده معنى يملأ الروح:

هي عاصمة
الروح
أبوابها سبعةٌ
- والفراديس
أبوابها سبـعةٌ-
كل باب يحقق أمنيةً
للغريـب
ومن أيّ بـاب دخلــت
ســلام عـليـك،
ســلام علـى بلدةٍ
طيب ماؤهـا طيـب
في الشتاءات صحـو أليف
وفي الصيف قيظ خفيــف
على وابل الضوء
تصحو
وتخرج من غسق الوقت
سيدةً
في اكتمال الأنوثةِ
هل هطلت من كتاب الأساطير؟
أم طلعت من غناء البنفسج؟
أم حملتها المواويل
من نبع حلم
قديم؟! (15، 16، 17)

هو مأخوذ بها، مفتون بحجارتها فتنته بمائها، وسمائها، وكلِّ ما فيها يصل إليه محمولاً على سرر لا منتهى لجمالها. يمتزج في صورتها عنده الواقع بالخيال وينسجان كياناً يظل يتراءى له على أنحاء شتى.
يقول في جبل من جبالها:

هو ((غيمان))
كان اسمه هكذا
تستريح الغيومُ
على كتفيه
العواصف في سفحه
تتكسر
وهو الحبيب
وحارسها الأزلي
يداعبها حين تصحو
يقبلها حين تغفو
يصير مخدتها إذ تنام
ولكنّهم ظلموه،
فقالوا له ((نُقمٌ)) وهو ((غيمان))
هل يسترد هويته
واسمه
يرى الناس ظل ابتسامته
حين تومي إليه أصابعهم
ذاك ((غيمان))
يضرب عمق الفضاء بهامتهِ
والقصائد تحرس أحلام طفلته
الرائعة. (19، 20)

وإذ ينظر إلى صنعاء يستعيد نظر الطفل إليها، وما بدا له منها، وما بقي حياً من ذلك النظر القديم، يقول:

هي عاصمة الروح
مغمورة بالضحى والتعاويذ
تومض أشجار ذاكرتي حين أدخُلها
وأراها بأطمارها تتوهج عارية
تحت جمر الظهيرة
أذكرها...
كنت طفلاً بعينين ذاهلتين
رأيت مفاتنها
وبقايا ((البرود))
وتابعت فيض خطاها
شربت الشذى
واستحمت جفوني بماء الظلال (27، 28)

ويقول وهو يتأمل شتاءها:
متعباً وضعيفاً
هو البرد في شهر ((كانون))
تهزأ منه النوافذ
تفزعه الثرثرات على عتبات
البيوت
وساعة يغلبه النوم
يأوى إلى جبل للنبي شعيب به مسكن
وضريح
وقبل انبلاج الصباح
يغادر صنعاء خوفاً من الشمس
صنعاء نائمة في سرير من الدفء
تحرسها سبعة من جبال ((الطيال))
وسبعون مئذنة
أيها البرد لملم خطاك (169، 170)

وليست صنعاء فرحاً خالصاً، ولن تكون، وأيّة مدينة خلصت له مما يشوب ويكدر، ولا يريد الشاعر أن يجتزئ بصفحة من التاريخ دون غيرها وهو يسعى إلى تكامل الرؤية، وإلى وضوح عناصرها، وإلى أن يأخذ كلٌّ منها مداه.
يقول وهو في سياقه ذلك:

امسحي دمع قلبك
دمع النوافذ والشرفات
اخرجي من ثياب الحداد
ومن نار هذا الشحوب
غداً تورق الكلمات
ويخرج من مائها الشهداء
وفي دمهم تتبرعم وردة أحلامنا
وتفيض على الناس عدلاً وخيراً (209، 210)

وفي السياقة نفسها:

لا تخافي،
ولا تحزني،
سرق الليلُ يومَك
واقتنص الخائنون بأهوائهم
كلّ ضوء المصابيح
لكنّه آخر الليل
لا تحزني
فالزمان الجميل سيأتي غداً
والمصابيح تخرج زاهية في ثياب
التلاميذ (217، 218)

ولا يريد أن يمضي بعيداً مع الأمل، ولا يريد أن يوغل فيه، وأن ينسى ما هو قائم:

آه،
كل الدروب تؤدي لصنعاء
لكن صنعاء – منذ السنين العجاف –
محاصرة ببنيها.. بعشاقها الكاذبين
ومن أجلهم فهي تنسى سريعاً
وجوه المحبين
تكتم أسرارها
وتخبئ في حانة الخوف أطفالها
كلما قلت إني وصلت إليهــا
نأت
وإذا ما رأتني رفعتُ
أصابع خوفي
وأطلقت حزن القصائد للريح
مستفسراً:
هل يخون الحبيب
وهل يخدع العشق أبطاله
ويختال ورد الكلام
أم أن النساء – المدائن
ينزعن للهجر
يُلهمن جمر الهوى
بافتعال الجفاء (229، 230)

إنه تاريخ مدينة، واستشراف مستقبل، لا أقول تاريخ حوادثها التي وقعت، بل تاريخ ما وراءها من روح حّي حافز وقد صيغ بلغة طريفة طرية من دون لين يفضي بها إلى ضعف، وفصيحةٍ راقية من دون أن تسرقها الغرابة.
وهو من قبل ومن بعد حجة نادرة بيد من لا يرى ((الوزن)) شرطاً في الشعر!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما