الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العراق الجديد : القوى الديمقراطية وإتجاهات التغيير

عبد الرحمن دارا سليمان

2010 / 12 / 2
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


لم يعد هنالك أدنى شكّ لدى المراقبين لتطورات الأحداث السياسية في العراق خلال السنوات الماضية، في أنّ الخطابين القومي والإسلامي ـ السياسي، المهيمنان على الرأي العام والساحة السياسية معا، لا يمكن أن يتمّثلا مفردات الديمقراطية وإستيعاب أبعادها الإنسانية والأخلاقية المطلوبة، بالسهولة والسرعة التي تتطلبها الضرورات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والأمنية الملحّة في البلاد، كما لا يمكن لصراعاتها العقيمة المستمرّة والدائرة حول تقاسم السلطة والنفوذ، سوى أن تعيد إنتاج صراعات جديدة أكثر عقما ولا ينتصر فيها الاّ الأكثر قدرة على التلاعب والمناورات السرّية في الغرف المغلقة، والأكثر قدرة على التفاهم مع القوى الخارجية وتمثيل توازناتها المؤقتة، والأكثر طاعة وولاءأ في خدمة المصالح والأجندات الإقليمية والدولية المتصارعة بعنف وهمجية على وراثة الحكم الديكتاتوري السابق وتعزيز مواقعها في الميادين والفضاءات السياسية الجديدة والمستحدثة والتي باتت مفتوحة على مصراعيها أمام أمراء الطوائف والعشائر السياسية وزعماء المليشيات السرية والعلنية وأمام نخبة معدودة من المحازبين والحواشي والتوابع، ومغلقة في الوقت ذاته بإحكام "توافقي" شديد أمام تمثيل الإرادة الشعبية الحقيقية وطموحات الجمهور الواسع الذي يعاني الأمرين منذ سبع سنوات، وتطلعاته لحياة سياسية مستقرة والعمل على توفيرالأمن وفرص العمل ومحاربة الفساد وتحسين مستوى الخدمات العامة .

بل ولا يوجد أكثر من هذين الخطابين جدارة كما يبدو في الإساءة البالغة للفكرة الديمقراطية الوليدة وتصويرها عمليا كفكرة مرادفة للفوضى والفساد والتفكك وتسويقها على هذا المنوال في الوعي الجمعي وتشكيك المجتمع في قدراته الذاتية يوما بعد يوم، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل المرير الذي لا مهرب منه وهو : كم سيكون العمل السياسي من أجل الديمقراطية الحقيقية صعبا في المستقبل بعد هذه السنوات العجاف من التشويه المقصود والمنّظم ؟ .

فهما، إذ يسيئان عمليا لمفهوم الديمقراطية بإعتبارها آليات ووسائل وممارسات ومؤسسات تتيح للفرقاء سبل التوصل الى التفاهم وتضمن المشاركة السياسية الواسعة وإدارة الحوار والنزاعات وتنظيم المصالح الإجتماعية المتنوعة والمتباينة والسيطرة الداخلية عليها، ويعتقدان عن وهم أو قصد، أنهما يخدمان الدين والعرق، يتناسيان أو يجهلان، أنّ وراء تشكيك مجتمعاتنا في قدراتها على الإستيعاب والتكيف مع الديمقراطية وقيّمها الأساسية كمخرج وكحلّ وحيد لأزماتها العديدة، تكمن أكثر النظريات السياسية الغربية إنحطاطا وخسّة وعنصرية في التعالي على العرب والمسلمين والنظر اليهم من زاوية خاصة وإستثنائية بإعتبارهم أمّة عصّية على فهم الحداثة السياسية والإجتماعية والثقافية والعلمية، وعاجزة عن الدخول في العصر وتقبّل مفاهيمه ومفرداته ومبادئه المعروفة في العدالة والحرية والمساواة وإحترام حقوق الإنسان .

وإذا كانت اللحظة السياسية الراهنة بالمعنى التاريخي، توحي للقوى المتنفذة في العراق بنهاية المطاف، فهي واهمة مرة أخرى بسبب أنّ الأوضاع السياسية الشاذة، والتي يراد تأبيد أسسها ودعائمها في التقاسم والمحاصصة وتوزيع المغانم وإستحداث المناصب العليا من أجل التراضي فيما بينها وتحت مسمّيات شكلية ورمزية عديدة ليس لها سوى معنى حقيقي واحد، لا يمكن لها إطلاقا أن تصل بالبلاد الى الإستقرار السياسي المنشود، وهي تفرز بشكل متزايد من قوى الرفض والإحتجاج الإجتماعي والسياسي أكثر ممّا يمكن لها أن تتصوره إزاء الواقع اليومي المأساوي الذي تعيشه وتعاني منه الكتل الجماهيرية العريضة والمحرومة والمهمشّة والمستبعدة من السلطة والقرار .

كما لم يعد هنالك أي شكّ أيضا، في أنّ المناورات السياسية المعبّرة عن هذين الخطابين ، بما شهدناه من تلوّن في المواقف والتحالفات والتصريحات المتناقضة والإحتماء بالدعم الخارجي، لا يمكن لها أن ترتقي الى مستوى السياسة كخلاصة وتمثيل لمصالح وطنية وإجتماعية متنوعة ومتباينة، بقدر ما هي تعكس إرادات وطموحات فردية في الزعامة والتسلط والعجز التّام للخروج عن الصورة النمطية الموروثة" للمستبدـ العادل" حسبما يعتقدان في أحسن الأحوال .

ولقد بات من الواضح تماما بأننا نمضي نحو بنية إجتماعية ـ سياسية تفصل الأقلية النخبوية المستفيدة ومن يلتحق بها ويعتاش على فتاتها، عن الأغلبية الإجتماعية المسحوقة والمهددة دائما في أمنها وأمانها ومفردات بطاقتها التموينية على بؤسها ، ويمضي هذا البون شاسعا في صمت سياسي متواطئ في ظل الأوضاع الإستثنائية التي تمر بها البلاد وأولويات المطالب الشعبية الآنية في البحث عن الأمن وسبل المعيشة قبل أي شيء آخر . هكذا يستكمل" الوطنيون" متمثلين بالقوى المتنفذة الثلاث، مهام الإحتلال في تفتيت عرى المجتمع بعد الدولة وتكريس إنفراط العقد الوطني نهائيا وبالتالي تقديم البلاد على طبق من ذهب وجعله رهينة في خدمة السوق العالمية ومصالح الليبرالية الجديدة والشركات الكبرى .

وأمام هذه الحقائق والإنسدادات السياسية الدورية وطبيعة المأزق الذي حشرت فيه القوى المتنفذة مصير العراق والعراقيين، تأتي خطوة التيار الديمقراطي مؤخرا، في تنظيم صفوفه في الإتجاه الصحيح والمطلوب، ولا ينبغي لنشاطه أن يتوقف عند حدود اللقاءات والمؤتمرات وعقد الندوات الموسمية على أهميتها بطبيعة الحال، وإنّما تتطلب الأوضاع السياسية العامة جملة من الخطوات العملية الهامّة التي لا غنى عنها من أجل توحيد الجهود ورصّ الصفوف وتجاوز الخلافات والإستفادة من إخفاقاتها السابقة في هذا الإطار لما تستدعيه تلك الأوضاع من إرتفاع الى مستوى المسؤولية الوطنية ومن إدراك عميق لأهمية وراهنية المهام الملقاة على عاتق رموزه وشخصياته، ومن هذه الخطوات :

1. العمل الجدّي على دراسة مستفيضة للواقع الإجتماعي والسياسي العراقي الجديد وهو ما يشكل في تقديري،التحدّي الأول والأكبر أمام رجال الفكر والسياسة والإقتصاد والإجتماع هذا اليوم، في سبيل التوصل الى صياغة برنامج ومشروع عملي واضح يمكن أن تستوعبه وتتبناه القواعد الإجتماعية الواسعة والتي يوحّدها في هذه المرحلة ،الضرّر والحرمان والإفقار، ويتربص بها مشاريع النهب والسرقة والفساد لمواردها الوطنية، وينجم هذا التحدّي من صعوبة توحيد وتوجيه فئات إجتماعية عريضة وواسعة ومتنافرة ومحرومة ومهمشة ومستبعدة من السلطة والقرار تميل الى الإتحاد والوحدة الشكلية خارجيا بدوافع دينية ومذهبية وأثنية أكثر ممّا يوحّدها ويحركها داخليا مشاريع البناء والإنخراط في المستقبل . بيد أنّ السياسة لا تعرف المستحيل، فهي فنّ الممكن كما يقولون .

2. توسيع قاعدة الديمقراطية لتشمل جميع القوى والتيارات والشخصيات الوطنية القومية والدينية وكل المدافعين عن بناء دولة القانون والمؤسسات وفكرة المواطنة وإحترام حقوق الإنسان حيث لا فائدة ترجى مالم يتّم تبنيها إجتماعيا والتوّصل الى قناعة داخلية بالنظم التي تصلح للمجتمع وبالتالي الدفاع عنها . ولتصبح معركة الديمقراطية هي معركة الدفاع عن الحقّ والعدالة والإنسان والكرامة والعقل ومحاربة الفساد والرشوة والتزوير وخيانة الضمير ونهب المال العام . فرغم الريادة التاريخية والدور الذي لا يمكن إنكاره للشيوعيين وأصدقائهم في الدفاع عن قضية الديمقراطية ، فإنّ الحجم النوعي لهذه المعركة وأهميتها القصوى يتطلب من الكثيرين عدم الخلط بين المهام الفكرية والمهام العملية والإدراك العميق لطبيعة التناقض الأساسي في الصراع الدائر هذا اليوم في العراق، فهي ليست مواجهة بين العلمانيين والإسلاميين أو غيرهم بل هي معركة جميع هؤلاء ضد مخططات الهيمنة والسيطرة الخارجية الإقليمية والدولية ووكلاءهم المحليين في الداخل وضد مشاريع الإفقار المادي والثقافي المنظم والمبرمج، وكل أشكال الإحتكار والظلم والدجل ونهب الثروات .

3. إزالة الأوهام السياسية وعدم إضاعة الجهود في الركض وراء المناصب الحكوميةالعليا والإعتقاد بإمكانية التأثير والتغيير ضمن أوضاع غير متكافئة في قمة السلطة كما هي قائمة حاليا وإنمّا الضغط الدائم والعمل الدؤوب وسط الجمهور الساخط من أجل تغيير القوانين التي تحمي القوى المتنفذة وتضمن إستمراريتها في الحيازة على السلطة . فمن الواضح أنّ التشريعات الراهنة لن تفرز سوى هذه القوى في الدورات الإنتخابية القادمة ومن العبث محاولة تخليها عن مكاسبها ومواقعها الحصينة الحالية بدون ضغوط جماهيرية واسعة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لخفض التصعيد بالمنطقة وزير الخارجية الأميركي يستهل جولته الإ


.. شاب من غزة يكتب بأنفه ويصارع من دون ذراعين ويخاطب الآلاف | #




.. إميل أمين: خطاب ترامب كان مليئاً بالغضب والتهديد للمؤسسة الأ


.. سوناك يقيل رئيس حزب المحافظين ناظم الزهاوي من منصبه في الحكو




.. خبير الشؤون السياسية خالد عبيد: نسب المشاركة المرتفعة بالانت