الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العراق الجديد : تجفيف منابع الوطنية

عبد الرحمن دارا سليمان

2010 / 12 / 27
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


لم تكن سنوات الحكم الديكتاتوري في العراق، سوى تجسيدا حقيقيا، للفصل الختامي لما كنّا نسمّيه في الأدبيات السياسية بالمرحلة الوطنية ، وبدون أدنى شكّ فقد مهّدت تلك السنوات وما صاحبها من سياسات تدميرية، للتفكيك التدريجي والمنظمّ، لكل ما تضمنته مرحلة الإستقلال، من مشاريع وإنجازات وطموحات سياسية وإقتصادية وثقافية وتنموية كبيرة وصغيرة، صحيحة وخاطئة، لسنا بصدد تقييمها في هذا المقال، ولكنها كانت تستهدف على وجه العموم، إستكمال الإستقلال الوطني والخروج من دائرة السيطرة الغربية وسياساتها الموجّهة نحو المنطقة عموما . ولم تكن تلك المشاريع التي إستثمرت فيها القوى الوطنية والديمقراطية العراقية الكثير من جهودها ودفعت أثمانها الباهضة أجيال الشعب العراقي، فارغة من المعنى السياسي كما يعتقد الكثيرون هذا اليوم، وإنّما إندرجت تلك المحاولات الوطنية الجادّة في سياق تاريخي تميّز بتراجع الهيمنة الغربية المباشرة، وفتح الأبواب على الآمال الشعبية الواسعة في التحرّر والإنعتاق من خلال محاولات تبنّي النظم السياسية والإجتماعية والإقتصادية الجديدة التي ترتضيها أو إعتقدت أنها تلبّي طموحاتها وتنسجم مع ثقافتها المحلية وتساعدها على الدخول في العصر وتقبّل مبادئه وقيمه الحديثة، غير أنها وكما عايشناها، كانت تصطدم على الدوام، بواقع قوى داخلية لم تهزم تماما، ولم تيأس يوما، في سبيل إستعادة إمتيازاتها ومواقعها السياسية والإقتصادية التي خسرتها في حقبة الإستقلال .

ومع الإحتلال الإمريكي للعراق عام 2003، والذي نجح الى حدّ كبير، في تمرير وتسويق فكرة المحرّر من الديكتاتورية في أوساط الرأي العام، تكشّف أمام المراقبين، ضعف وهشاشة الأسس التي قام عليها التوازن السياسي والإجتماعي في البلاد كنتيجة طبيعية لسياسة التفرّد بالسلطة وملاحقة وتصفية المعارضين لها من جهة، وإنحطاط السياسة ذاتها ومصادرتها وإنفصالها التام وبالمعنى المطلق عن المجتمع وعن تمثيل القواعد الإجتماعية التي يمكن أن تشارك وتدافع وتساهم في تطويرها نتيجة غياب الحرّيات العامّة من جهة أخرى .

وبطبيعة الحال، لم يكن هنالك من هو أفضل من الديكتاتور العراقي القادم الى السياسة من قاع المؤامرات والدسائس، والممتلئ بالغرور الجامح وعقد النقص الشخصية، قدرة على تجييروتشويه ومن ثم تدمير كل إنجازات المرحلة الوطنية السابقة وإخراج الجمهور الواسع وقواه الوطنية الحقيقية من ساحة السياسة، وهو أقصى ما كانت السياسة الغربية تحلم به، تمهيدا لزجّه في حروبه العبثية اللاحقة، وهو ما يفسّّر الصمت السياسي الغربي المتواطئ خلال عقود طويلة على القمع والطغيان الداخلي الذي كان يمارسه، لا وبل دعمها وإسنادها وتزويدها له بكل أنواع الأسلحة الفتّاكة والمعلومات اللوجستية اللازمة التي تحافظ على ديمومة قوته التدميرية الداخلية، للقيام بدلا عنها بالمهمّات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط والخليج وهو ماكانت تعجز عن القيام به بنفسها ومباشرة، منذ بداية عهد الإستقلال الوطني .

وكما ظهر، لم تعد المعارضة العراقية السابقة والمعروفة لوحدها الى الساحة السياسية ، إذ لم يكن من السهل أيضا على الكثيرين منهم، أن يدركوا طبيعة القوى القديمة المتوارية خلف قناع "المحرّر الأمريكي" والتي عادت بثياب جديدة على هيئة ساسة ومستشارين وزعماء أحزاب وتكتلات سياسية ملفقة، إذ عاد الإقطاعيون القدامى وسراكيلهم في صورة رجال المال والأعمال والمدراء والمحافظين والمحازبين وأمراء الطوائف والمليشيات وأصحاب الفضائيات والصحف ورؤساء منظمات المجتمع المدني، وعاد الملاكون الكبار في صورة نواب ووزراء ووكلاء وسفراء للمرحلة الجديدة ، مرحلة مابعد الوطنية أو مرحلة ما قبل الدولة، وعادت معهم ما يليق بمقامهم الجديد من ألقاب الفخامة والعظمة التي فقدت اليوم كل إعتبار في عالمنا المعاصر، وأغدقت عليهم من الإمتيازات والرواتب الخيالية التي لا مثيل لها، وفي مزيد من الإمعان في الإهانة والتعالي والإنفصال عن المجتمع ، قسّمت العاصمة بغداد الى منطقة خضراء محصّنة للنخبة الجديدة ومنطقة حمراء للعامّة والرعية والمهمشين ، وقود الحروب والمجاعات والحصار والنضال السياسي الطويل، وإنطلت اللعبة على الجميع ووقعت أطراف كثيرة من المعارضة السياسية السابقة في الفخ المرسوم، وبدت وكأنها لا حيلة لها أمام الأمر الواقع ولا يد لها إطلاقا في أوسخ وأوسع عملية بيع وشراء أشلاء وطن تجري في التاريخ الحديث .

وفي هذه الغفلة التاريخية الكبرى، حلّت الصراعات الدينية والمذهبية والأثنية وما يختفي وراءها من تمايزات شكلية ورمزية ومصالح ضيّقة، محل الصراع السياسي الحقيقي، وكان من الواضح تماما، أنّ المرحلة الجديدة لا يمكن أن تتمخض عن نتائج إيجابية وفي مستوى تضحيات الشعب العراقي بدون التقييم الموضوعي والتجاوز الحقيقي للحقبة الديكتاتورية السابقة، وإظهار الأسس العميقة للإنهيار في الدولة والمجتمع والتنظيم السياسي كخطوة أولية وضرورية للبدء بأية ممارسة سياسية وإعادة تكوين الحركة الوطنية التي في غيابها وإنفراط عقدها لن يكون هناك سوى التدهور المتواصل والمستمر في الأوضاع العامّة، وبدون الكشف عن ركاكة وضعف المنظومة الفكرية والنفسية وما إرتبط بها قيم ومعايير وسلوكيات قائمة على التفرّد والإحتكار والإستثار لن يكون هناك سوى الإجترار التاريخي وإعادة إنتاج الماضي، سواءا طال الزمن أم قصر .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - ما قل ودل
سرسبيندار السندي ( 2010 / 12 / 27 - 21:04 )
بداية تحياتي لك يا عزيزي عبد الرحمن ، فمن المؤسف حقا أن يؤل ألأمر في بلداننا إلى مأساة بهذا الحجمفي غزل غير برئ بين قوى شريرة إستغلت الديمقراطية كمطية للتسلق على رقاب المساكين والضعفاء .... كما إستغلت الدين كمطية لإحتلال البلدان وتحجيم الفكر وتكفير ألإنسان...بإسم إله ونبي أكل الدهر عليهما من زمان ... سلام

اخر الافلام

.. هاجس مشترك يؤرقهم.. كيف تحارب الصومال تهديدات حركة الشباب؟


.. طائرة بوينغ 747.. بعد أن أحدثت ثورة في عالم الطيران تتخلى عن




.. مقاتلات إسرائيلية تشن غارتين استهدفتا مواقع للمقاومة الفلسطي


.. هل طوقت القوات الروسية باخموت بالفعل؟




.. موجز الأخبار – الثالثة صباحا 02/02/2023