الحوار المتمدن - موبايل


أحمد أمين

سعيد عدنان

2011 / 1 / 30
الادب والفن


أحمد أمين (1886-1954) وزكي نجيب محمود (1905-1993)، كلاهما من أولي الفضل، والريادة الأدبية والفكرية، وكلاهما من ذوي الغزارة المقرونة بالإجادة، فلقد ألّف أحمد أمين ((فجر الإسلام)) و((ضحى الإسلام)) و((ظهر الإسلام)) مؤرخاً به حياة العرب المسلمين الفكرية منذ أن شرع النزوع العقلي بالتكوّن حتى علا نجمه، وسطع ضوؤه، ثم حار إلى خفوت. وكتب المقالة ينشرها في مجلة ((الرسالة)) وفي مجلة ((الثقافة)) وفي غيرهما، ثم كان له من ذلك ((فيض الخاطر)) الذي يكفي بعضه أن يجعل مُنشئه في طليعة أدباء عصره. وقام على ((لجنة التأليف والترجمة والنشر)) منذ نشأتها في سنة 1914. وقليل فيها أن تقول إنها ((جامعة)) بما نهضت به من التأليف والترجمة والنشر، وبما كان لها من نهج يلتقي عنده القديم بالجديد لقاء أُلفة، لا يُنكر أحدهما الآخر. وكتب في أدب السيرة فأصدر ((حياتي)) راسماً النشأة، وعناصر التكوين القائمة في نسيج المجتمع فكان له بها شيء يذكر إذا ذُكرت ((أيام)) طه حسين.
كان أحمد أمين مَعْلَماً كبيراً في الأدب، والثقافة، والفكر في النصف الأول من القرن العشرين، وكان من جيل رادة قادة في ما إليهم من أزمّة، ولم تكن به حاجة إلى ما ليس له من أجل توطيد مكانة، وإعلاء صرح!
أمّا زكي نجيب محمود فإنه من الجيل الذي نشأ بعد جيل أحمد أمين ورصفائه مؤتسياً بهم، مهتدياً بما أشترعوا من نهج أدبي ثقافي، على غير تقليد، وضياع ميسم.
كتب زكي نجيب محمود المقالة الأدبية على شريطتها التي رآها عليها في الأدب الإنكليزي وارتقى بها، وصار في طليعة من يزاولها، وهي مقالة ناقدة ساخرة، يتردد الفكر المستنير بين طياتها، ونشرها في مجلات لها الصداة يومئذٍ، وكان منذ يفاعته قد اتقن اللغة الإنكليزية، ونفد من خلالها إلى أدبها، وما دُوّن فيها من فكر. كلّ ذلك قبل أن يلتحق بجامعة لندن يدرس الفلسفة فلمّا التحق تمّ له ما أراد من زاد أدبي فكري ظلّ يمدّ قلمه بكلّ جميل نافع، إذ ضم الأدب إلى الفلسفة فصار بهما أديباً فيلسوفاً وفيلسوفاً أديباً قليل النظير. كتب، وألف، وترجم ما لا ينهض به إلاّ العصبة أولو العزم، وكانت الغزارة لديه قرينة الإجادة لا تبارحها، وكان بذلك غنياً عن أن يرتضي أشياء مما لا يحسن أن تُرتضى! كما كان أحمد أمين حرّياً أن لا ينزلق من عليا مكانته.
وجليّة الأمر أن زكي نجيب محمود ألّف قصة الفلسفة اليونانية، وألّف قصة الفلسفة الحديثة، وكلا الكتابين من إصدار لجنة التأليف والترجمة والنشر، وكلاهما من خالص قلمه، عليهما ميسمه في صياغة الجملة، وفي طرائق التأليف، لكنه جعل اسم أحمد أمين قبل اسمه على أنه شريك في التأليف! وليس بخفيٍّ التباين بين أسلوبيهما، والتفاوت في منحى الفكر عندهما، ومن قرأ فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام علم أن ليس لأحمد أمين في ((قصة الفلسفة اليونانية))، ((وقصة الفلسفة الحديثة)) شيء، فذلك منحى، وهذا منحى!
وتسأل وأنت على الغاية من التعجب لِمَ أضاف زكي نجيب محمود اِسم أحمد أمين إلى ما لم يشارك في تأليفه؟! ولِمَ قبِل أحمد أمين ذلك؟!
وتستجد الحال إذ يؤلف زكي نجيب محمود ((قصة الأدب في العالم)) ويجعل اسم أحمد أمين في صدره شريكاً مقدَّماً في التأليف. والكتاب سفر عجيب في سعة الإحاطة وحسن التأليف وفي بناء الجملة وانشاء الفقرات، وانسجام الفصول، وإيراد الشاهد والمثل والانتقال من مورد إلى آخر مما يعز على قلم عربي أن يحيط هذه الإحاطة بأدب العالم على ترامي الزمان واتساع المكان. على أنك إذ تقرأ وتعيد القراءة على تباعد ما بين القراءات لا تلمح لأحمد أمين ظلاً، ولا تشيم لهُ برقاً، وكأنّ الكتاب قد تحدّر كلّه من شق قلم واحد، واصطبغ بصبغته، وأن الآخر لم يكن له فيه شيء.
ولا تسأل عن معنى المشاركة بينهما فقد يقول لك قائل إن الكتاب من إصدار لجنة التأليف والترجمة والنشر، وإن أحمد أمين له في اللجنة موقع الصدارة وإنه وليّ الأمر فيها!
وكأنما أُريد للمشاركة بينهما أن تتصل وأن يقترن الإسمان على أغلفة الكتب، فلقد ترجم زكي نجيب محمود كتاب برتراند رسل ((تاريخ الفلسفة الغربية)) وأصدرته لجنة التأليف والترجمة والنشر أيضاً، وجاء على غلافه مراجعة أحمد أمين! ولا تدري معنى المراجعة في هذا المقام ما هو أفكان أحمد أمين أمكن من زكي نجيب محمود في الإنكليزية وهو الذي تعلمها وشدا مبادئها على كبر. أم كان أعلم بالفلسفة من المتخصص بها؟! حتى تسوغ المراجعة، ثم إنك لا تجد في صفحات الكتاب كلها أثراً من آثار المُراجع كأن يقوّم تعبيراً، أو يصحح فكرة، أو يعلق على قضية.
أتزيد ((مراجعة)) مدّعاة من رصيد أحمد أمين أم تنقص منه؟!
ربما ساغ لأحمد أمين أن يضع أسمه على كتاب لم يألفه، وعلى آخر لم يراجعه لأنه قد وجه إليه، وأتاح له أن يُنشر من خلال ((اللجنة)) التي يقوم عليها، وربما عدّ نفسه شريكاً من أجل ذلك وربما بدا له الأمر هيناً يسيراً، وحسُنَ عنده إذ عدّه ضرباً من ضروب حسن القيام على النشر حتى يتلقاه القراء بالرغبة والاقبال؛ إذ كان اسمه يومئذ أشهر من اسم زكي نجيب محمود وأسير، وربما رضي زكي نجيب محمود بذلك على مضض كالذي لا يجد بدّاً من الأمر، وربما خفّ عليه بنحو ما، وبوجه من الوجوه، غير أنّ ذلك كلّه ليس له إلاّ معنى واحد يدور في فلك التهاون بالحق، واستسهال الباطل ويمهد لما هو أدهى لدى آخرين!
قال صاحبي: أخشى ان تكون مشاركة أحمد أمين في التحقيق كمشاركته في التأليف والمراجعة؟!.
قلت: لعل بعضها كذلك، فقد شارك عبد السلام هارون في نشر ((شرح ديوان الحماسة)) للمرزوقي، وكان اسمه الأول، وكتب له تصديراً أداره على ((ديوان الحماسة)) وما له من منزلة رفيعة، وخرج منه إلى الشرح مفاضلاً بين شرح التبريزي وشرح المرزوقي، ولكنه لم يتحدث حديث من زاول التحقيق، ووقف على النسخ المخطوطة، وعانى القراءة والضبط، وكأنه ترك ذلك كلّه لمن قام به حتى إذا كاد يفرغ من التصدير قال: ((وقد اشتركت في إخراجه مع الأستاذ المحقق ((عبد السلام محمد هارون)) والحق يقال أن كان له حظ في نشره أكبر من حظي، فله الشكر على ما بذل من جهد في إخراج الكتاب، وفي نسبة ما ورد في الشرح إلى قائله، والتعريف بأعلام الشعراء وغيرهم، وتصحيح ما حصل فيه من خطأ الناسخ، ووضع فهارسه الفنيـة، فالله يجزيه عنا وعن الأدب خير الجزاء 1 : 5)).
ولو كانت الشركة على وجهها الصحيح لما قام للشكر داعٍ! أفيشكر الشريك شريكهُ وقد نهض كلّ بما عليه! إن ذلك ليس من مقامات الشكر.
ثم إذا كان الآخر قد صحح أخطاء الناسخ، وعزا الأبيات إلى قائليها، وعرّف بالأعلام، ووضع الفهارس، فماذا بقي للأول لكي يكون شريكاً في التحقيق؟!
ويتم لك اليقين بحديث عبد السلام محمد هارون فقد تحدث حديث المحقق الناشر مبيّناً عمله في الكتاب على ما عُرف عنه من منهج في التحقيق والنشر وقد اصطنع ضمير المتكلم المفرد في سياقة بيان ما عمل وكأنّه يريد أن يقول إن العمل في تحقيق الكتاب عمله وحده، ثم يختتم حديثه كله بفقرة أخيرة اقتضاها الشكر: ((وبعد فإن صاحب الفضل الأكبر في إخراج هذه النشرة الأولى من هذا الكتاب الجليل، هو أستاذنا الكبير ((الدكتور أحمد أمين بك)) فهو الذي أقترح أن ينشر هذا الكتاب... كما أقر إخراجه في لجنة التأليف والترجمة والنشر... وقد اشترك حفظه الله في وضع منهج الإخراج... كما تفضل بمراجعة ما صنعت لتحقيق هذا الكتاب مراجعة دقيقة، فله من الله ومن العلم خير الجزاء 1 : 24)).
وليس في ما أورده عبد السلام هارون ما يسوّغ أن يكون أحمد أمين شريكاً في التحقيق وأن يكون اسمه أول الإسمين بل إن كلمة شكر في مثل هذا المقام لتكفي وتغني، وتكون أحجى بهما معاً.
ولعل شركته في تحقيق العقد الفريد والإمتاع والمؤانسة من هذا القبيل.
قال صاحبي: حسبك؛ فان أبا الطيب المتنبي لم يقل بيته قبل ألف عام من دون مغزى:
ولم أرَ في عيـوب النـاس شيـئاً كنقص القـادرين علــى التمـامِ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - بصيرة نافذة
ارينا ارسلان ( 2011 / 3 / 19 - 21:42 )
صباح الورد
شكرا لك ماقدمت وتقدم من اشارات بسيطة تفتح للقارئ افاقا بلا حدود نريد ان نقرأ لك المزيد

اخر الافلام

.. الفنانة يسرا: -الله بيحبنا وبيحب مصر- |#مع_جيزال


.. صباح العربية | أربيل توثق مئة عام من الموسيقى


.. الإخواني الذى غدر به زملائه.. الفنان يوركا نجم مسلسل الاختيا




.. كيف كانت تجربة مهرجان -مالمو- للسينما العربية بنسخته الحادية


.. رمضان 2021 - الف ويلة بليلة - الفنانة ناانسي عجرم في ضيافة