الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عار النظام المصري المحتضر

شريف مليكة

2011 / 2 / 4
الادب والفن


عار النظام المصري المحتضر
(مسرحية)
شريف مليكة
يرتفع الستار ونشهد خطاب الرئيس مبارك وهو يتحدث بصوت متهدج وبوجه شاحب وعينين زائغتين تتقلب بين صفحات موضوعة أمامه وبيننا، والذي قدم خلاله تنازلات جديدة ـ وإن أصر على أن يهون من شأنها بدافع من الغرور السلطوي ـ أهمها إعلانه على عدم نيته إعادة الترشح لفترة رئاسية قادمة (بقوله إنه لم يكن ينوي ذلك من قبل)، وتعديل المادتين 76 و77 من الدستور، مع بقائه لبضعة أشهر ليضمن انتقال سلمي للسلطة في مصر، بغض النظر في كونه لم يسمع أو يستجب لنفس هذه المطالب منذ أشهر قليلة. ولكن، ومن وراء الكواليس نسمع تممتمات. ومع بداية المشهد الثاني أطلق النظام حملة إعلامية شعواء عبر التليفزيون الرسمي للدولة مع تقييد وسائل الإعلام العربي والدولي، ليصبح صوت الدولة هو الوحيد على الساحة. إلى جانب ذلك غاب رجال الأمن والشرطة بزيهم الرسمي من شوارع القاهرة والاسكندرية من جديد، بعد أن كان قد أُعلن قبلا عن مؤامرة ـ وكأن النظام لم يكن غير مسئول عنها ـ تسببت في الغياب الأمني في الشارع التي أعقبت مظاهرات "جمعة الغضب" وفتح زنازين السجون وحرق أقسام الشرطة، وسيطرة المجرمين والبلطجية على الشارع.
ولكن ها هو الجهاز الأمني (المعدَّل) يعيد خلال الفصل الثاني من المسرحية نزول رجال أمن متخفي في ثياب مدنية (لزوم الحضور المسرحي) ولكن هذه المرة فوق ظهور الخيل والجمال والبغال وتتجه صوب المتظاهرين من الشباب في ميدان التحرير. أقول هنا أن كاتب المسرحية تنقصه الحرفية، فالجمهور المتابع حول العالم لا يمكن أن يصدق أن مؤيدي الرئيس مبارك من أبناء الشعب المصري قد سحبوا خيولهم وجمالهم من الجاراجات أسفل منازلهم بمدينة القاهرة، وعبوا زجاجات قنابل المولوتوف من محال البقالات أحيائهم، ثم سحبوا ما يمتلكون من قنابل مسيلة للدموع من أرصدتهم بمراكز الشرطة، ثم هبوا بعزم رجل واحد واتجهوا إلى ميدان التحرير بالذات للتعبير عن حبهم وتأييدهم لمبارك، وكأن القاهرة خلت من شوارع وميادين أخرى تتسع لجموعهم. ولكن مخرج المسرحية قام بعمله كأفضل ما يكون ـ مع مراعاة نقص الإمكانيات ـ وتحول المشهد أمامي وكأنه كوميديا سوداء موجهة لإعادة تنشيط السياحة التي ماتت في مصر بفعل الثورة.
من المحزن والمؤلم أن يشهد العالم كيف انحاز النظام وجهازه الأمني لرئيس يحتضر ويدفع بمصريين لقتل وترويع إخوة مصريين يتظاهرون ويطالبون بحقهم الطبيعي والمنصوص عليه بقوانين دولية ومصرية تكفل لهم اختيار من يحكمهم. ومن المزري أيضا رفض النظام لتوجيه أصابع الإتهام نحوه من قبل الأمم المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودول أخرى وحتى تركيا. ثم وقف رئيس الوزراء الجديد ليعلن أسفه عما بدر من أجهزة الدولة ويعلن أن ما جرى كان بغياب عن علمه ووعد بعدم تكرار ما حدث، فلو كان ما حدث جرى من وراء رئيس الحكومة فكيف يستمد مصداقيته. ولكنه طالب بخروج غير مزري للرئيس، وليس كما حدث في تونس. ثم طالعنا الإعلام المصري بقرار من النائب العام بمنع سفر والتحفظ على أرصدة حسابات بنوك كل من حبيب العادلي وزير الداخلية وأحمد عز أمين عام التنظيم للحزب الوطني ومحمد زهير جرانة وزير السياحة والمغربي وزير الإسكان السابقين في ضوء ما حدث من تخريب ونهب وسرقات. بينما بدا ذلك منطقيا بعد كل ما شهدناه من أحداث، لم نفهم دور وزير السياحة أو وزير الإسكان في التخريب، ولم نر أسماء كبار رجال أعمال وأعضاء بمجلس الشعب المصري ظهرت أسماؤها كممولين للبلطجية والمخربين على فضائيات عربية. وما يزال حتى الآن الإعلام المصري مستمرا في حوار الطرشان الداعي لانتفاضة أمنية لتأييد النظام، في حين يخلع عن المعارضين وطنيتهم ويختزلهم إلى جماعة الإخوان المسلمين وعملاء لجهات خارجية وخونة يسعون لدمار مصر.
والآن يرتفع الستار عن الفصل الثالث للمسرحية. يعم الظلام فيما عدا حزمة ضوئية مسلطة نحو وسط خشبة المسرح. أرى الرئيس الكهل متمددا فوق سرير الموت محاطا بعائلته والمقربين منه الواقفين حوله. هو يتعافى أحيانا فيحاول أن ينطق بآخر كلماته، ولكن وجهه يزداد شحوبا واصفرارا ويبقى صامتا تتناقل نظراته نحو المحيطين به. الجميع متحفز ويبقى الحذر يشوب المشهد المصري. فمن جانب المحتجين وقيادات المعارضة فقد أُعلن عن مظاهرة "يوم الرحيل" بعد صلاة الجمعة، وهي من المفترض كونها مسيرة مليونية جديدة تتجه إلى قصر الرئاسة بمصر الجديدة. ولست أدري ماذا لو كان المتظاهرون سيتخلون لأول مرة منذ اندلعت التظاهرات يوم 25 يناير عن ميدان التحرير. ومازال يحيرني دور جماعة الإخوان المسلمين ومحمد البرادعي فيما سنتابع أحداث خلال الساعات والأيام القليلة المقبلة. لست أدري، فلكوني أتابع شاشات التليفزيون فأنا أنظر للمشهد بعيون كاميراتهم هم، حتى إنني بت أشعر بغربة من نوع ما عندما أرى مشاهد الشوارع والميادين المصرية التي كانت حتى الأيام القليلة الماضية تعد جزئا لا يتجزأ من تكويني، ولكني أحس اليوم إنها مختلفة عما كانت، وتبدلت جحافل السيارات والمارة التي عهدتها بميدان التحرير، بالدبابات والعربات المدرعة ومتاريس تقام وحجارة وقنابل من نار وطلقات رشاشات تملأ الشاشة أمامي. من هم هؤلاء المصريون الذين أبصرهم يتماوجون أمامي ولماذا يتراشقون ويتقاتلون بعضهم البعض؟ كيف سيتعامل النظام المحتضر معهم؟ ها هو الكهل الضعيف يرفع رأسه ويستند على مرفقيه فتسارع زوجته بوضع وسادة خلف ظهره. نسمع صوته يصلنا ضعيفاً واهناً ويعلن إنه لم يعد بمقدوره الكلام من جديد، وينظر نحو السيد عمر سليمان ويشير نحوه ثم يريح جفنيه فوق عينيه، ويسود الصمت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفلسطينيين بيستعملوا المياه خمس مرات ! فيلم حقيقي -إعادة تد


.. تفتح الشباك ترجع 100 سنة لورا?? فيلم قرابين من مشروع رشيد مش




.. 22 فيلم من داخل غزة?? بالفن رشيد مشهراوي وصل الصوت??


.. فيلم كارتون لأطفال غزة معجزة صنعت تحت القصف??




.. فنانة تشكيلية فلسطينية قصفولها المرسم??