الحوار المتمدن - موبايل


ألقذافي الذي شنق المختار ثانية

فريد الحبوب

2011 / 2 / 21
العولمة وتطورات العالم المعاصر


في صبيحة إحدى هذه الأيام التي تهتز فيها صولجانات السلطة وتنكفئ نصب الزعماء المزيفين، تأملت البلد الذي يعرف بكساده الحياتي وقلة أمطاره التي لا ينمو منها سوى حشائش قليلة تذبل وتموت بعد فترة قصيرة كما جرفتني قاحلية بيئتها لرئيسها ألغولي والغريب الأطوار، وهو يصف نفسه بملك الملوك وإمام المسلمين وأخر العرفاء، والأبله على الدوام في خطاباته المملة والساذجة التي يماحك فيها بكل وقاحة والذي لا يرتضي أن تكون هناك محاكم لآلاف السجناء سوى قصاص المشانق.. أفكر في ليبيا وأنا مضطرب مشوش تسوقني الأنباء من خبر إلى خبر أخر وهي تصف المجازر في بنغازي وغيرها من المدن، حيث تقصف المدن بالأسلحة الثقيلة وتواجه صدور الشباب الثائر بالرصاص الحي، والأرقام تتصاعد بعجلة وتزداد أعداد الموتى والجرحى المتمرغين بالأوجاع والألم دون وجود الدواء الكافي الذي يخفف عنهم أذى الجراح .
تأملت وقد استولى عليَ الفرح والحزن مرة واحدة كيف حلق وحي الإلهام للثورة من النيل إلى الجبل الأخضر، وكيف هبت رياح رطبة من البحر المتوسط تعبق بكلمات عمر المختار وهو يقول في أخر لحظاته إن عمري أطول من عمر شانقي.
أريد هنا أن استقراء هذه العبارة "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية... بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي."
عمري أطول من عمر شانقي !!! هنا بالتأكيد لا يشير إلى العمر في الاعتبارات الزمنية، وليس الاستفهام حول الحيرة إزاء بث الحياة في بدء مجيء الإنسان ومن ثم الموت، عمر المختار تحدث بغير هذا، فالعمر الذي يختزل التجارب ذات الأثر الغني بالخير والنوايا الطيبة والأفكار التي تضيء حياة الشعوب بالنور ويسعى لحياة تسودها العدالة الاجتماعية لا يقاس بالسنين واللحظات، أنه عمر طويل متقد بالحس الإنساني متخطياً عتبات الفناء والتلاشي،إنها الومضات التي تتخطى كل حدود المقاييس والحسابات لتبقى نابضة باعثه على الحياة، أما الشعوب في حركتها ومتغيراتها بالتأكيد ستختزل هذا العمر ليكون جزء من مسيرتها فهناك أعمار تحولت إلى قناديل وضاءة مستديمة لا يعتريها التغير والزوال.
بلى عمرك أطول يا مختار في ظل هذه الموجة العاتية من ردة الفعل التي بخرت بلمح البصر الأنظمة الاحتكارية الفاسدة. لقد كرست زمنك وعمرك من أجل الحرية وأنت على شفا لحظات الرحيل والحبل يترنح حول عنقك ذكرت أجيال وأجيال ستساند وتشد بعضها البعض وهي تحارب وضعها المهلك والمتشرذم لعقود من غطرسة الدكتاتورية، سيحاربون بوعي تجذر في أزماتهم التي عانوها طويلاً لكسر هذه النزق والاستهزاء بالإنسان فلا عجب أن يتجلى عمر المختار كمظهر للوعي والحرية وبركان يفيض بغضب التغير.
الشعب الليبي يثور اليوم ضد الرجعية والتشتت في كل جوانب الحياة، يقاتلون من أجل تجربة جديدة يعمر فيها مصير البلد كوطن طوعهُ ألقذافي بكل وسائل الفشل والسقوط ليكون جافاً قاحلاً كصحاريه الشاسعة، ألقذافي الذي شنق المختار ثانيةً ليقل عمرة ويزيد ما عند المشنوق من عمر حين اغتال البلاد وأورثه لسنين جميع مظاهر الجهل والتخلف كي يموت في حضارة الإنسان الجديدة، ولا يخرج من بوتقة الضياع. لقد تحدى المختار وسرق نظارته وراهن أن الشعب سيستسلم ويخنع له وفي ضني خسر الرهان.
القذافي الذي لم يكن يعلم أسرار وقوانين الشعوب في ديمومتها كان الجاهل الأكبر في بلده بعكس ما كان يدعي أنه أحكم الحكماء، ومثلما اهتز وارتعب غراتسياني وهو يطالع وجه المختار مقيداً يتحدث عن النصر وان الثورة قائمة لا تموت وستنتصر في الأخير، يرتعد ألقذافي هلعاً في أحدى ضواحي طرابلس متمنياً لو أنه لم يسرق النظارة ويتحدى عمر الشعب الذي هو أطول من عمر شانقيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -ثورة الأيام الأربعة-.. رواية عن تمرد مارس 1973 ضد الحسن الث


.. مدغشقر: أمل من سراب


.. الأردن.. مظاهرات قرب الحدود مع إسرائيل وقرب سفارتها بعمّان




.. -وفاة الملكة-.. مذيع بريطاني يقع في خطأ محرج على الهواء | #م


.. شجار وطوابير طويلة على الوقود أميركا | #منصات