الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مشهد الثورة و إيتيقا الصورة

سمير الزغبي
كاتب و ناقد سينمائي

(Samir Zoghbi)

2011 / 2 / 25
الادب والفن


لن أكتب، و لم يكن لي قلم لكي أكتب إلاّ ضمن رحم الثورة العظيمة و التي سبقت التاريخ، بل وتجاوزت إستشرافات أكبر منظري السياسة، لم يكن في بال أكبر الأكاديميين و الذين تبجحوا بما أقاموه من ندوات "فكرية"، لم يكن يخطر ببال هؤلاء أن الدكتاتوريّة زائلة مهما عمّرت. لكن الطامحين في إعتلاء المناصب لن تكون لهم القدرة على التوقّع بما سيحدث فقد فاق ولاؤهم للنظام البائد كل التوقعات، كثيرا ما قدموا الولائم عبر ندواتهم إلى سلطة نوفمبر الزائلة إلى الأبد. لم يكن يخطر ببال هؤلاء يوما أن الثورة آتية لا ريب فيها، لكنّها قامت فرمت بهم خارج التاريخ و خارج المشهد. كثيرا ما تغنّى طلبة الجامعة في جيل مضى بالثورة "بالثورة الوطنية الديمقراطية" وأعتبروها هي على الأقلّ أمل لا يمكن التفريط فيه. لكنّ بعد زمن كأنّ بالوقائع دفعت إلى تأجيل "الحلم الجميل" بفعل الإنخراط في معترك الحياة والإستسلام للواقع الأليم الذي كان ينادي به كلّ مناصري النظم الديكتاتورية. لقد ظنّ هِؤلاء أن عصر الثورات قد ولّى و إنتهى، و أنّ القبضة الأمنية الحديدية قادرة على إجهاض كلّ نفس تحرّري ثوري، لكنّ هذه النبوؤات باطلة ولا أساس لها من الصحّة، فروح الثورة كانت تسكن كل القوى الحية التي هبت مستبشرة يوم إندلاع شرارة الثورة في سيدي بوزيد المناضلة.
إنّ التفكير ضمن هذه المداخلة لا يتعلّق بتوصيف أو تشخيص و تحليل ما حدث يوم 14 جانفي 2011، فذلك أمر يمكن أن ينشغل به المختصّون في مجال السياسة و الإستراتيجيات. و لا يتعلق الأمر كذلك بحديث تأمّلي يغادر الواقعة وينشغل بتفاعلات لغوية و مجازية، إنّما المقصود الذي أرنو إليه ضمن هذه المداخلة هو إبراز علاقة مشهد الثورة بالصورة المنشأة وفقا للتقنية المعلوماتية و التي أصبحت من أكثر الآليات إستعمالا و تداولا في معيش البشر، إلى حدّ أنّها أصبحت آلية من آليات الثورة و الإطاحة بأكثر النظم دكتاتورية وهو ما حدث بالفعل أوّلا في تونس ثم في ما بعد في مصر، وقد يحدث في أكثر من مكان تظن القوى الدكتاتورية أنها في منأى عنه و مأمن من هبّة جماهير الأحرار القادرة على الإطاحة بهم.
لقد فاقت الصورة المعلوماتية توقّّعات كلّ نظام تصوّر أنّه قادر على التكتم على عوراته أو حتى على تجمليها بإستعمال أنجع أدوات الماكياج. لقد سعت الأنظمة الديكتاتورية إلى تجميل المظهر في كلّ مستوياته الخاصة والعامة مستندة إلى آخر منتجات التقنية التجميلية ولكنها أغفلت أمرا هاما وخطيرا وهو أنّ الصورة المعلوماتية لها قدرة فائقة على كشف المخفي والمسكوت عنه و إختراق كل الحواجز و كل الأسوار، فلقد تمكنت من تشخيص ما يحدث داخل معتقلات و سجون محصنة بحراسة إلكترونية- مثل ما حدث في سجن أبو غريب بالعراق-
إنّ ثورة تونس هي ثورة المشهد، حيث لم تحبك فصولها و مجرياتها في الكواليس و في إجتماعات مغلقة، بل كانت تجسيدا مرئيا جسديا.
مشهد الثورة إحتوى على فصول مشهدية مرئية، و كلّ فصل تجسّد ضمن وقائع أحدثت تراكما كميا أفضى إلى تحول نوعي. فصول مشهد الثورة كأنها حلقات مترابطة و محبكة، رغم أنّه لم تكن نتاجا لإستراتيجية محددة لقد كانت ثورة تلقائية رحمها مطلب الحرية و الكرامة. لكن الأمر الذي قد يكون هو أساس التراكمية التي شهدها فعل الثورة هو الصورة التي كانت تبثّ في كل حلقة من حلقات المشهد.
إن الصورة تبدو كأنها الرابط الضامن للتواصل أوّلا و بالأساس لكن الصورة هي كذلك عامل من عوامل إنسجام المشهد و تراكمه بخلق أكثر من بؤرة من بؤر الثورة، حيث أنّ المشهد في سيدي بوزيد مدينة الحرية لم يكن ليختلف عن المشهد الذي برز في بقية مدن الثورة، الصورة حفظت تاريخ الثورة الفتيّ و قصير المدى وهو الأمر، الذي جسّد شحنة معنوية غذّت فعل الثورة لكي تجعل منه تراكميا و بشكل إستمراري و لكأنّه منظم بشكل مسبق.
لقد مكّنتنا الصورة من أن نعايش فعاليات الثورة في كلّ ردهاتها، من حيث أصبح الفعل الثوري كونيا، و لم يكن بقدرة أيّ كان التحفّظ عليه و طمس مشهده، لأنّ الصورة كانت حاضرا حضورا فعاّلا تشخيصيّا و أركيولوجيا، فأطاحت بكل أحلام الدكتاتورية. و التي دوما تشغّل آلياتها القمعية عبر الإخفاء و التمويه ، و عدم ترك آثار ظاهرة للعيان لمخلفات جرائمها،/ لكن الصورة اليوم و بفضل ما بلغته من تقنيات جدّ متطورة كشفت و سفّهت كل طموحات ترغب في إخفاء المشهد، لأن الحضارة المعاصرة هي حضارة المرئي و الإنكشاف على القوى المشهدية، الإخفاء و التعتيم و غلق سبل التواصل و تأجيل تدفق المعلومات ميّز حقبة سابقة في تاريخ البشر، لكنّ اليوم لم يعد بالإمكان تعطيل التواصل أو حتى تأجيله.
لقد منحت الصورة الثورة إمكانية أن تتحول إلى مشهد كوني، و منحتها حرية و إنتشارا أكثرّ،حيث لم يعد يشعر الثوار أنهم معزولون عن العالم و ماكثون في جهة ما، يمكن لقوات الأمن أن تفعل بهم ما تريد أن تفعل، فلقد مارست دور الكشف و التشخيص و الفضح، فضح الممارسات الدكتاتورية التي ليس لها قيم في وجودها سوى التنكيل بالشعوب. لقد كسّرت الصورة كل الحواجز التي يمكن أن تقام أمام الثورة و تعزلها، إخترقت كل الحواجز الأمنية لتكشف مشهدية الثورة في كل تفاصيلها و جزئياتها. و بذلك تحوّل مشهد الثورة إلى اثر فني غاية في الجمال بفعل آلية الصورة، أثر فني يمكن تذوقه في كل زمان و مكان. و بذلك ترفع الصورة مشهد الثورة إلى ما بعد التاريخ حيث أن المشهد لم يعد مرتبطا بزمان أو مكان محدد بل من الممكن إستعادة فصوله بشخوصه العينية في كل زمان و مكان. الثورة اصبحت بفضل الصورة حاضرا لا يمكن تغييبه، و بذلك تحوّلت إلى ميتافيزيقا لا سلطة للبشر عليها، لا يمكن أن يمحيها التاريخ، لأنّها متحصنة داخل الصورة.
لقد شخصت الصورة و من كل الجهات و عبر أنماط مختلقة لضروب الإلتقاط بطولات الثوار و صمودهم أمام بطش الأجهزة الأمنية. و كل ذلك إضافة للفعل الثوري الذي لم يعد متمركزا في مكان الثورة فحسب بل حتى خارج ميدانها ، لأن الصورة توسع من رقعة و جمهور الثورة و تضيف من أصوات الثوار، فالمشاهد يتحول بذاته إلى عنصر من عناصر الثورة بفعل آلية المشهد، تتوسع بذلك دائرة الصراع و تصعب إن لم تكن تستحيل محاصرة الثورة، لأنّ مفاعيلها لم تعد مختزلة في ميدان محدد يمكن محاصرته بل أصبحت مشهدا متسعا لكل الأبعاد الكونية.
إنطلاقا من كل هذه المعطيات التي كشفت عن قيمة الصورة في تجديد مشهد الثورة و التوسيع من مجاله إلى أكثر من أفق، يمكن إعتبار أن العالم اليوم يعيش زخم تراكم الصورة، و المشهدية التي أصبح يتحدد من خلالها أفق ما هو إنساني، إيتيقا الصورة هي الفضاء الجديد الذي يمكن أن يكون الفضاء الأنسب لكل تفكير يرنو عمق النظر في مجالات الإنساني، و هذا التفكير هو بذاته يسترشد بكل آليات التحليل الفلسفية المتاحة من جينيالوجيا و اركيولوجيا و هرمونيتيكا، و جماليات تعنى بالنظر إلى مكونات الصورة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عام على رحيل مصطفى درويش.. آخر ما قاله الفنان الراحل


.. أفلام رسوم متحركة للأطفال بمخيمات النزوح في قطاع غزة




.. أبطال السرب يشاهدون الفيلم مع أسرهم بعد طرحه فى السينمات


.. تفاعلكم | أغاني وحوار مع الفنانة كنزة مرسلي




.. مرضي الخَمعلي: سباقات الهجن تدعم السياحة الثقافية سواء بشكل