الحوار المتمدن - موبايل


كفى محاصصة

هاشم نعمة

2011 / 3 / 15
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


لا يخامرنا أدنى شك بأن عملية بناء نظام ديمقراطي في أي بلد لا يمكن أن تتم إلا عبر عملية تراكم تطوري كمي ونوعي تشمل آليات الممارسة الديمقراطية ذاتها وبناء المؤسسات الدستورية للدولة وحدوث تطور نوعي وعميق في البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع حيث هناك دائما ترابط وتأثير متبادل بين هذا المكونات في الـتأثير في مسيرة تعميق التحول الديمقراطي.
إن الديمقراطية كما هو معروف ليست وصفة جاهزة يمكن تطبيقها في هذا البلد أو ذاك بمعزل عن تاريخه السياسي وبنيته الاجتماعية - الاقتصادية. فما بالك في بلد مثل العراق الذي تعاقبت عليه لعقود أنظمة متسلطة ودكتاتورية ذات عقلية متخلفة لا تؤمن بالقيم الإنسانية وبأي فكر حر ومجتمع عانى من انعدام مؤسسات المجتمع المدني التي هي أحد الروافد الأساسية في بنية أي نظام ديمقراطي وعانى عزلة عن مسارات التطور والتحديث في العالم المتحضر.
بعد سقوط النظام السابق البغيض عام 2003 والذي جاء عن طريق الاحتلال وكنا نتمنى أن يتم ذلك على يد الشعب وقواه الوطنية. أرسيت اللبنة الأولى للعملية السياسية على أساس المحاصصة الطائفية والقومية من خلال تشكيل مجلس الحكم وكان الغرض من ذلك هو أضعاف وتفكيك وحدة المجتمع العراقي وجعل كل المكونات الطائفية والقومية بحاجة دائماً إلى الدعم الخارجي المتمثل في الولايات المتحدة أي أن تبقى الخيوط بيدها والكل يحتاجها. لكن بعد تسلم العراقيين السلطة وأجراء عدة انتخابات يفترض الخروج من نهج المحاصصة المقيت لا تكريسه. حيث توصل الكثير من قادة الأحزاب والكتل المتنفذة على الأقل لفظا إلى نتيجة فحواها بأن المحاصصة هي السبب الرئيس في إعاقة تطور العملية السياسية واندلاع العنف الطائفي وهي المعرقل في طريق إيجاد الحلول للمشكلات الكثيرة التي يعاني منها المواطنون على كل المستويات المعيشية والخدمية والأمنية. لكن مجرى الأمور يؤكد للمتتبع أن هناك نهجا ثابتا في تعميق وترسيخ نهج المحاصصة لا التخلص منه وإلا ماذا نفسر مثلا التعديل الذي أجراه مجلس النواب بجعل نواب رئيس الجمهورية ثلاثة ومطالبة السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني لمجلس النواب بنائب رابع كي يكون من حصة التركمان. وإذا سرنا على هذا النهج فيفترض أن يكون لكل مكون من مكونات الشعب العراقي نائبا وهنا ينبغي أن لا نفكر في الأكثرية والأقلية لأن المواطنة لا علاقة لها بالكم. تقول المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان "يولد الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا جميعاً عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء". ثم لماذا تفكر الكتل المتنفذة بهذه العقلية؟ أليس رئيس الجمهورية مواطنا عراقيا مهما كان انحداره القومي أو الديني وفي منصبه يمثل كل العراقيين بشتى مشاربهم ثم إلا يكفي أن مجلس النواب وهو الممثل الحقيقى لسلطة الشعب أن تمثل فيه كل مكونات الشعب علما أن نظامنا برلماني حيث يتمتع المجلس بالسلطات التشريعية والرقابية. ثم ما هي الجدوى التي يجنيها العراق من أن يكون هناك ثلاث نواب لرئيس الوزراء؟ واحد منهم للطاقة وهو مجال عمل كل من وزارة النفط والكهرباء. ثم ما مغزى استحداث مجلس السياسات الاستراتيجية الذي لم يرد في الدستور؟ إن كل هذه المناصب وغيرها التي ترهق كاهل الدولة ماديا لا ضرورة لها في واقع العراق الحالي حيث يجري تفصيلها بمقاسات خاصة لأفراد معينين وحسب نسب المحاصصة. أن هذا النهج الذي يوغل في المحاصصة والذي يقود في النتيجة النهائية إلى لبننة العراق بقصد أو بدونه والذي ينتج من سيادة عقلية المكاسب الطائفية والقومية والحزبية والعشائرية والشخصية الضيقة سيتحول مع الزمن إلى وبال على كل المكونات وسيجنى منه العراق المزيد من الانقسام والتحول إلى دولة إمارات غير معلنة.
نرى الأحزاب والكتل المتنفذة تعلن الاتفاق لتقاسم المنافع والامتيازات دون مراعاة لمصالح الجماهير لتعود لتختلف وتفترق. هل أن وضعنا هذا بات ينطبق علية قول علي بن أبي طالب البليغ "عهدكم شِقاق، ودينكم نفاق" و"أيها الناسُ المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم." ثم أن نهج التضييق على حرية التعبير ومحاولة منع الجماهير من التظاهر السلمي بشتى الأساليب والذرائع الممسوخة تجعل التجربة الديمقراطية في العراق ينطبق عليها قول المفكر محمد عابد الجابري "تجربة تمارسها الدولة على المجتمع لمراقبته، وليس وسيلة تمكن المجتمع من مراقبة الدولة."
إن إلغاء نهج المحاصصة المدمر وتبني آلية ديمقراطية في تطوير العملية السياسية تعتمد الأغلبية السياسية لا الطائفية أو القومية في تشكيل الحكومة والمؤسسات الدستورية هو السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق الخطر. الأحزاب المتنفذة غير قادرة بحكم بنيتها الطائفية والقومية أن تسلك ذلك غير الأحزاب والقوى التي تؤمن فكرا وممارسة بالديمقراطية وهذا الذي ينبغي أن يناضل من أجله التيار الديمقراطي في سبيل تطبيق مشروعه الوطني الديمقراطي الذي هو المنقذ الوحيد للعراق من هذا الوضع المتردي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف يمكننا تخطي مشكلة هدر الغذاء في رمضان؟ | #رمضان_اليوم


.. التكهنات مستمرة بشأن علاقة إدارة بايدن بإسرائيل


.. إقامة صلاة رمضان في آيا صوفيا لأول مرة منذ 87 عاما




.. مورينيو وتوتنهام.. هل انتهت أيام جوزيه في لندن؟


.. حروب الظل بين إسرائيل وإيران.. مواجهات غير معلنة على الشاشات