الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قصة قصيرة : خمر أم جبن؟

رغد علي

2011 / 4 / 10
الادب والفن



انتزعني صوت أحد الأصدقاء من بحر كنت أعدُّ سفينتي في محاولة للابحار ، سألني : وأنتِ أيتها الصديقة متى ستعودين الى بغداد؟
لم أعرف كيف تشكَّلت الكلمات على شفاهي لتترتب:
ماذا؟، إن الفارة ماتت!
...
عند تجوالي في المعرض الفني الذي أقامه الفنانون العراقيون بالمهجر وهو يزدحم بالمنحوتات واللوحات الفنية ذات الطابع الخاص، لا أذكر أنني رأيت أي شىء يشير إلى «فارة» أو يوحي بها! مع أن عينىَّ كانتا تغوصان عميقاً بروح الأشياء، في محاولة منى للوصول لأعماقها، أحيانا يصدنى حاجز فظيع ليعلن عجزي عن التماسك والوصول، أو حتى العودة لنقطة البداية، فأقف عند منتصف الطريق، وغالباً ما أجدُ سعادة غامرة بمتعة الطريق فقط، ولا يعنيني الهدف كثيراً، لكني، هذه المرة، لم أجد شيئاً سوى الذهول.

بعد انتهاء الافتتاح واحتفالاً بنجاح هذا المعرض، قبلت دعوة الأصدقاء على العشاء ، لعلي ألتقط بضعة من الوطن لدى كلِّ صديق منهم، مطاردةُ الوطن أمرٌ عسيرٌ جداً ، وما تزال تماثيل روما وفلورنسا راسخة، إلى اليوم، بعقلي كأنها تتحدث معي وتسليني ،لأشعرَ بانتماء غريب لها، حتى وأنا غائبة عنها أكاد اسمع صوتها يناديني، مع أني لست ذات أصول إيطالية، لكن الأمر مع هذه الدعوة له نكهة شرقية مختلفة حين تحضر شهرزاد وأسمع شهريار، لأعود إلى ألف ليلة وليلة، كل شيءٍ بهذا العالم يشكل لمحة تمسُّني ، ويصعب عليَّ جمع كلِّ تلك اللمحات بوطن واحد، كأنني متعددة الأوطان، لذا أكتفي بلقائها هنا أو هناك، وأقنع بقدري الباحث دوماً عن وطن، أيِّ وطن..

دار الحديث بتلك الجلسة الاحتفالية عن الذكريات ومعهد الفنون الجميلة الذي تخرج منه هؤلاء الأصدقاء، حدثونى عن مشروع قديم للمعهد كان يهدف لنحت وجوه أو مجسمات لكل رؤساء العراق على مدى التاريخ، لست أذكر التفاصيل لكن الأمر بدا لي شيئاً من هذا ، واسهبوا بذكر أساتذتهم وأيام شغبهم البريء، مارست من جانبي الصمت طيلة الدعوة لأنني كنت أريد التقاط قدر ما استطيع من مشاهد لأشكل أنا وطني كما أريد ...وحتى تتمكن من اعداد تلك الصورة ما عليك الا أن تأنس بالصمت لتزداد قدرتك على التركيزوالجمع أيضاً.

كانوا يتحدثون وتتعالى الضحكات بأذنيَّ ، غريب جداً أن يضحك وطنٌ يغرق اليوم بالدم و بكل أنواع الخراب والدمار، صوت قديم يأتى ويذهب، وبين الذهاب والإياب ثمة ماض عتيق يمثل تاريخاً ما، ربما هو شيءٌ من قانون حامورابي ، كلنا نكتب جزءا من هذا التاريخ وان تباينت الأدوار بيننا ، راقبت كل الأحاديث والحركات، فأبصرت ان نبراتهم تترامي لحدود معينة فتخط بالفضاء خريطة لأرض أعرفها جيدا بل وتتحرك أمامي،ثم تختفي عني كأنها تهرب ، ومع كل هذا كان السيد سهيل صامتاً سارحاً يبحلق بالسقف كأنه يقرأ سطور النمل عليه، وهي تسير بالاتجاه المعاكس لقانون الجاذبية، بقيت أراقبه عن فضول منى لاكتشاف هذه البقعة الجغرافية من وطني الموزع بكل مكان الا مكانه الحقيقي!!

نظارة السيد سهيل كانت تميل حيناً نحو أحد جانبي أنفه، فيقوم بتعديلها لتتضح الرؤية ، والا كيف ننظر للعالم بغية اكتشافه بنظارة مائلة؟ لا يجوز هذا، فبالتأكيد ستكون الصورة مائلة أيضا...دائما خلف كل صورة ثمة زاوية ما..الزاوية وحدها هي التي تحدد لصورتك وقعها!
في مراقبتي له كنت بين خيارين، هل أتابع حركاته هو أم أتابع مسيرة النمل بنظام دقيق في السقف؟، لكني شعرت أن هناك أمراً محيراً في عقله أو فكره ، كانت ترتسم على محياه علامات الطيبة والبراءة، أصحاب الكروش يمتازون بالطيبة ونقاء النفس غالباً، ربما لأنه كان كبير السنِّ، وللسن هيبة وحكمة ، لم يحتمل فضولي الطفولي، هذه الصورة، حتى سألته:
يا سيد سهيل لماذا انت صامت ولا تشارك بحديث الذكريات هذا؟ هل يشدك أمر النمل إلى هذا الحد ؟
- ليس النمل بحد ذاته إنما لأنه يذكرني ببعض الأحداث حين تضع تساؤلات كثيرة؟
- هلا أشركتني معك؟ وحدثتنى عما يحيرك فعلاً؟
- إنها قصة حدثت لصديق لي، هل ترغبين بسماعها حقا؟
- بالتأكيد.
- اسمعي إذن، كان لي صديق يعمل محرراً بإحدى الصحف المحلية في العراق، اعتاد أن يسهر كل ليلة في صحيفته ليقوم بانجاز عمله، فكما تعلمين ان الصحف غالباً ما تعمل بالليل، لكنه كان وحيداً دائما ، وليس ما يسليه سوى صوت المولدة الكهربائية، وفي أحد الأيام سمع صوت حركة ضعيفة وخشخشة، فتصور انه يتخيل لانه كان يشرب الخمر ،قد يكون هذا من تأثير الشرب على عقله ، لكنه فجاة رأى بأم عينيه فارة صغيرة تتحرك بسرعة من مكان لآخر كأنها تبحث عن شىء ما ، وبقى يتابعها بنظراته حتى خطرت له فكرة مجنونة ، فوضع اناءً فيه خمر لتشرب هذه الفارة معه وتشاركه ليلته كرفيق، وبالفعل حين وضع الاناء بإحدى الزوايا، جاءت تلك الفارة الصغيرة لتشرب الخمر، ويبدو ان مذاقه طاب لها، وصارت تأتي وتذهب نحو الإناء ، تأخذ منه رشفة ثم تغيب وتعود بعد حين ، وتصور صديقي تلك الفارة وهي تترنح كأنها ترقص وتتباطأ بسيرها، شبهها لي بحسناء راقصة على أنغام المولدة ، نعم فللمولدات الكهربائية بالعراق عزف تعرفه حتى الفئران !،وهو كان سعيدا للغاية بوجود الفارة معه، وهكذا استمر كل يوم على المنوال نفسه، وهو يضع حصة الفارة من الخمر بإناء عند الزاوية عينها، فيشرب وهو بانتظار ظهورها، لدرجة أنه صار يستلهم من ظهورها شيئاً من القوة الغريبة فينجز أكثر مما يتوقع، وأحيانا يضحك ويتحدث معها ويبثها شجن روحه، لكنه في أحد الأيام الماطرة الباردة في بغداد، وما أن ظهرت الفارة قريبة من اناء الخمر حتى خلع فردة حذائه ورماها مباشرة عليها، فسقطت المسكينة صريعة الرقص، ولأنها كانت صغيرة الحجم لا تحتمل تلك الضربة القاضية ولأن مفعول الخمر كان كبيراً عليها، لم تسعفها قدرتها على الهرب سريعاً كما هو معروف عن الفئران... فما كان من صاحبي الا ان هب من كرسيه وجلس أرضاً قبالتها باكياً من كل قلبه وصدف بتلك الاثناء مرورى عليه بجريدته فحدثنى بكل القصة وحين سألته:
لماذا تبكي عليها يا صديقي هل جننت كي تبكي لموت فارة؟
فأجابني بطريقة عاتبة وهو غارق بانكسار دموعه: كانت تحتويني، وتجمل أوقاتي، إنها رفيقتي المسالمة الوحيدة هنا.
وراح يواصل بكاءه فلم أعرف كيف أهدئ من خاطره حتى لمحت بالزواية الأخرى فارة جديدة تظهر فقلت له : هيا انظر فهناك واحدة أخرى؟
فحدق فيها هو وقال لها : ايتها الحسناء الجميلة وأنت يا ترى ما الذي تريدينه بالضبط؟ أتريدين خمراً أم تبحثين عن الجُبن؟
وهنا صمت السيد سهيل عن قصته، وبقيت أنا افكر بتلك الفارة الميتة و الفارة الجديدة واحترت أيهم ستفضل الفارة الخمر أم الجبن؟؟!.
قلت للسيد سهيل : نعم انها لمحة أخرى.. ورحت أدخل في عالم السيد سهيل وأراقب معه النمل الذي كان مستمراً بالسير على السقف كأرتال عسكرية دون أن يبالي بحديثنا.
التفت إلى جانبيَّ، فوجدتُ الأصدقاء من حولي، كلهم يخططون للعودة إلى بغداد ، كان ثمة من يحدد مواعيدا لذلك، فيعلو الهرج والمرج ، فتتزاحم بنفسي الصور ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فاق من الغيبوية.. تطورات الحالة الصحية للفنان جلال الزكي


.. شاهد: دار شوبارد تنظم حفل عشاء لنجوم مهرجان كان السينمائي




.. ربنا سترها.. إصابة المخرج ماندو العدل بـ-جلطة فى القلب-


.. فعاليات المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية في الجزاي?ر




.. سامر أبو طالب: خايف من تجربة الغناء حاليا.. ولحنت لعمرو دياب