الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما لم يقله السارد .قراءة في رواية -ارابسك-لعلي عبد الامير صالح

علي متعب جاسم

2011 / 4 / 17
الادب والفن


لم يكن من الممكن التغاضي عن توصيف النص الأدبي اجناسيا لما له من قدرة في استكمال القراءة، وتنميطها بحسب الموجه الأول "الاجناسي" ....وإزاء رواية (ارابسك ) للكاتب القصصي ،والروائي علي عبد الامير صالح التي صدرت عن دار(أزمنة) في(عَمّان)-2009- متزامنة مع صدور روايته الأخرى (خميلة الأجنّة) عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت يلتقي القارئ بكلمة "رواية" تصدح فوق ثريا الكتاب ما يحفز، او يستثير فيه نباهة القراءة السردية واستحضار آلياتها .
أولا: التجنيس وبنية العنوان:
يلاحظ ان هذه الرواية تستقي من موارد عدة في ارفاد بنيتها الفنية ابتداء من انتمائها إلى رواية المذكرات فنحن إزاء راو عليم يسرد حكايات ومواقف مرت به على امتداد زمن معين وهي تقنية سبق وان قراناها موظفة في روايات عالمية وعربية وعراقية عديدة يمكن ان تكون رواية "ذكريات من بيت الموتى "لدستوفسكي من اهمها .
ان تقنية المذكرات تستثير اكثر من سؤال عند القارئ لعل من اهمها ان الاحداث تتسلسل زمنيا ولكن بانتقائية مقصودة اعتمادا على الذاكرة، هذا يعني ان هناك فاصلا بين زمنين، زمن الحدث وزمن الحكي ،والفسحة الزمنية لاشك لها دور في انتاج الاحداث ومنتجتها وفقا لما يقتضيه منطق الحكي /السرد فضلا عن توافر القدرة التحليلية واعادة ارتباطها ببعض .
فضلا عن ان رواية المذكرات تستدعي اعادة انتاج الذات المتحركة على فضاء زمني ماضوي ما يعني اعادة استدراج بنى الماضي واراقتها في اقبية الحاضر "زمكان الحكي"عن طريق البوح الذي يرتبط به بنائيا انشغال السارد بضمير المتكلم بدرجة اعلى من ضمير المخاطب او المتكلم .
ومن جانب اخر اننا نلتقي من خلال السرد بمصهر زمكاني تنصهر فيه الذكريات التي تنتمي _ على الاغلب _ الى اماكن وازمان مختلفة ويبقى السؤال الاهم الى أي مدى يلتقي السارد مع الكاتب في هكذا روايات ؟ ..
يقول الدكتور عبدالله ابراهيم "والسيرة الروائية هي "نوع" من السرد الكثيف الذي يتقابل فيه الراوي والروائي، ويندرجان معا في تداخل مستمر ولا نهائي، يكون الروائي مصدرا لتخيلات الراوي، الكيان الجسدي والنفسي والذهني للروائي يشرح، ويعاد تركيبه، التجربة الذاتية تشحن بالتخيل" وهذا يعني ان لا امكانية لفصل الراوي عن السارد في هذه الروايات على اقل تقدير بشكل اقل مما يبدو في الروايات الاخرى ما يشكل انعطافا جديدا لقراءتها .
وقد تنبه الدكتور فاضل التميمي الى هذا اذ ذكر في معرض قراءته لهذه الرواية ما نصه ((اذا كان السارد ليس بالضرورة المؤلف نفسه لانه بحسب ادبيات السرد كائن من ورق اوكائن مصوغ في ذاكرة المؤلف فان سارد ارابسك لم يكن غريبا عن المؤلف لانه امتهن مهنة طب الاسنان منذ السبعينيات من القرن الماضي لتصل العلاقة بينهما حد التطابق،والتفارق معا ، التطابق في امتهان الطب والتفارق في طبيعة السيرة )) ينظر: جريدة الزمان الطبعة الدولية في 8/4/2009

واذا انتقلنا الى بنية العنوان تستوقفنا اختيار كلمة "ارابسك "التي تعني النقوش الفنية التي تزين بها الجدران والافرشة وغيرها وهي فن دقيق يحتاج الى مهارة عالية ومعرفة اصيلة وموهبة اكيدة . ما العلاقة اذن بين فن النقش وسرد المذكرات ؟.

لاشك ان في ذلك بعدا رمزيا قصد اليه الكاتب ،فهو على الرغم من انه يورد لفظة ارابسك مرة واحدة في ثنايا الرواية "هي ذي تقوم باستدارة ثم استدارة ثانية وثالثة وسابعة وهي ذي تؤدي الارابسك"71 وعلى الرغم ايضا من ان متابعة الحكي تشف عن ان السارد يمتلك ذائقة فنية رفيعة في الموسيقى والتشكيل والمسر ح الا ان هذ ا لا يكفي في تصورنا .
اننا نميل الى ان رمزية العنوان جاءت متوافقة مع تطلع الكاتب في مذكراته . ان النساء اللواتي تعرف اليهن او تعرفن اليه ووددنه ، كل واحدة منهن نقش متمايز عن الاخرى ولها طعم خاص بها فكن في عرفه ما شكل ارابسك حياته ، او من حولن حياته الى لوحة فنية مبدعة .
ان قراءة العنوان وفق هذا التصور يسهل الدخول الى عوالم السرد واستكناه بعض ما خفي منه ، او مالم يقله السارد .
ثانيا : النص الخفي :
جاء في متن الرواية:((ان المرء كما يقول توماس مان لايحيا فقط حياته الشخصية كونه فردا ولكنه ايضا بصورة واعية اولا واعية يحيا حياة عهده ومعاصريه)) هذه العبارة ترد في الصفحات الاولى للرواية وهي تشير بوضوح الى مجموعة من الاحداث التي ترافق عملية السرد اذ ان الاحداث في سيرورتها الطبيعية في الحياة لابد ان تتداخل او تتقاطع وليس من السهل ان تحفظ الذكريات جميعها كما ان ليس من الحكمة ان يروى جميع ما يحفظ "ان ادمغتنا هي التي تختار من دون ارادة منا ما تريد ان تحفظه , وهذا الامر دفعه لان يواري او يستبعد "مذكرات "لها اهمية في نسيج الاحداث المتوالية او على الاقل الاشارة لها من دون الوقوف عندها بتحليل او وصف معمق .
وتقف في مقدمة ذلك ما وصفه بواعية الزمن الذي وقعت فيه الاحداث "حياة النصف الثاني من القرن العشرين والعامين الاولين من القرن الذي تلاه ...حياة شاقة وعسيرة ....الا انها لم تخل من لحظات من السعادة والمرح والسلام والطمانينة .. "اني اتساءل كم هي الحروب او الفواجع البشرية التي كان بالامكان تجنبها لو اخذ الناس عبرة من الاموات " .
بهذه الكلمات يختصر السارد مسافة من القلق والتوتر الذي انتابه بوصفه فردا ضمن منظومة اجتماعية تخضع لمؤثرات واحدة . ان هذه المؤثرات - السياسية بالذات - تشكل مفصلا مهما من سياقات الاحداث التي لم يروها وهي متزامنة في فعلها التاثيري ، بمعنى ان هناك نصوصا اخرى يدركها القارئ من دون ان يسردها السارد وهذه النصوص مقموعة في لاوعيه ولها اثر في تشكلات القص .
وقد يتحاشا السارد كثيرا من الوقائع فلا يسردها لانه يدرك جيدا ((ان ماتكتبه وتحفره او تنقشه على الورق هو الشيء المخيف نعم فكثيرا ما افزعت القصائدُ الطغاة واقضت مضاجعهم وكثيرا ما اورثتهم القصص والمقالات والاراء الجريئةالكابة والارق)) .

ان القلم ذو مؤثرات فاعلة في الجو السياسي مايثير في تصوري تحفظا عند السارد ولهذا اعلن منذ البداية نأيه عن الاجواء الساخنة : ((انا رجل عاطفي اهوى ثلاثا :الموسيقى والايس كريم والنساء))، وان المقموع السياسي لم يتجذر كثيرا في هذه الرواية فبحسب وصف السارد لنفسه ،ولهذا اعطى المجال لقلمه لان ينتقل بذكرياته مع المراة كثيراوعلى حساب اشياء كثيرة،والسارد الطبيب كان يمارس مهنته على مستويين :
الاول :مهني وهو واضح وصريح فكل زائراته كن في الاغلب يتطببن عنده .
الثاني : يتمثل بما كان يقدمه من علاج نفسي وعاطفي كما يقول السارد .
لكن الحياة السرية للبطل عاشها بوصفه معالجا نفسيا وعاطفيا . انها تاريخ مسراته وهو يمارس اقصى تفاعله مع الحياة .
ان لمحات جزئية من ذلك التاريخ يتسرب من بين اصابعه فيلمح الى تلوينات تستفز مخيلة قارئه ليبحث عن نص جديد مواز للنص المكتوب .
لقد دارت هذه الرواية ضمن نسق دائري اذ يكون مفتتحها مشهد سكوني تنبثق به صورة "برقية ، قلم , مرايا" مايبدو ان هذه الاشياء هي المحك الاساس في الرواية اذ تحتل "البرقية "موقع المحفز للكتابة وتكون "المرايا" المسيطرة على دينامية القول ليبق دور الفعل التاثيري مناطا بالقلم الذي لم يقل كل شيئ بمعنى لم يكتب تفوهات السارد جميعها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مليون و600 ألف جنيه يحققها فيلم السرب فى اول يوم عرض


.. أفقد السقا السمع 3 أيام.. أخطر مشهد فى فيلم السرب




.. في ذكرى رحيله.. أهم أعمال الفنان الراحل وائل نور رحمة الله ع


.. كل الزوايا - الفنان يحيى الفخراني يقترح تدريس القانون كمادة




.. فلاشلايت... ما الفرق بين المسرح والسينما والستاند أب؟