الحوار المتمدن - موبايل


من أجل حفنة من الدنانير

فريد الحبوب

2011 / 5 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


تأملت حفنة دنانير كانت في قبضة يدي وتبادر إلى ذهني تعريف لنيال فيرغسون للمال كان قد وصفه "بالثقة المنقوشة على الورق أو المعدن"، وحسب معرفتي البسيطة فأن أول من اكتشف العملة هم الإغريق التي سهلت حياتهم أكثر ووفرت عليهم عناء خزن المحاصيل والأدوات التي كانوا يصنعونها للمقايضة، ولا تتخلق تلك الثقة والقيمة بالنسبة للورق (العملة) ألا حين تعلن الحكومات الاعتراف أنها العملة الرسمية للبلد والتي تمثل السلعة المراد منها التبادل مع السلع ألأخرى. لكن تلك الثقة الاقتصادية التبادلية نقشت في ضمير ألإنسان شيئاً أخر لتصبح من منتجي كل أشكال الحروب والصراعات الدموية والتشوه والإفساد لسائر شؤون الحياة . وفي السنوات ألأخيرة من عمر العراق هاجمتنا حمى المال بشكل قوي وفاجع لتكشف عن الجشع القابع في ذات الإنسان وتترك أثرها العميق في حياتنا التي أضحت مسرحاً للهلاك والدمار، العالم كله ذلك المسرح وليس العراق فقط تعرض لآذى المال ففي إفريقيا بلغت كمية ألأموال المحولة من داخل دولها إلى الخارج ما يقارب 187 مليار دولار خلال خمسة وعشرون عام من نهاية الربع ألأخير من القرن الماضي والتي خلفت عدم ألاستقرار وضياع الشعوب والفقر وافتقار كل عناصر الحياة، وفي نهضة الثورة الصناعية في أوربا تدرجت طبقات من المجتمع إلى أعلى مراتب الترف والاستحواذ على المال مستغلة أبشع استغلال تاركتاً الفقراء والمحرومين يموتون داخل المصانع، ولا تكاد تخلو دولة من تلك السرقات عبر رؤسائها وحكامها وما أكثر فضائحهم وما أقبحها، ولعل الفوارق التي يتركها المال بين طبقات المجتمع هي ألأكثر إيلاما وأبشع من جحيم ففيما تنعم طبقة الأغنياء بالثروات والمال والملذات الوفيرة تنهار وتجوع الطبقة ألأخرى التي صنعت المال لكن ليس لنفسها بل للآخذين . لقد انغمست البشرية في حبر المال ليتغير اللون الأصيل للذات وتتجرد من فطرتها الطبيعية في الحياة، حتى اختلط على الناس حب المال وتصوروه حالة أصيلة متجذرة في النفس بعكس حقيقة ما هي عليه من حالة اكتسابية تتراكم أكثر فأكثر كلما ضعفت القناعة وتشرست الأنانية، لتسوق غايات ونوايا ألإنسان في امتلاك المال متنكرة لأي قيم أو أعتبار.
لقد تأثر مجتمعنا العراقي بشدة عبر تاريخه الطويل باسترقاق المال وقد ترتب على هذا التأثير أبعاد كارثية التهمت اليابس وألاخضر ونشرت الجوع والحرمان والانكسار في كل شيء، كما لعب دوراً حيوياً في انحراف سلوكيات الفرد لينتهج طريق الكذب والنفاق والاحتيال والخيانة حتى انتهوا إلى سحق العراقيين. واليوم لا يصدق مدى فورة مثل هذه الصفة عندنا وتميزها بالقباحة والضمير الميت فلا يمكن تصوير العنجهية والغطرسة في جمع المال لدى المتنفذين والأحزاب السياسية والدينية ورجال السلطة وهم يقترفون أبشع ملاحم هتك الحقوق، فالجميع مندفع بتبجح مبالغ وجنوني في استغلال وسرقة أموال الشعب بغض النظر إلى ماذا ستؤول إليه أمور المجتمع نحو الغرق في الظلم وألازمات وعدم ألاستقرار ولا يتوقف الجشع عند حد معين لدى هؤلاء الرقيق في جني وكسب مئات الملايين والمليارات، فمن ملك جبل من المال لا يكتفي ومن ملك الدنيا لا يكتفي ولا تشبع أو تستوفي مطامعه المستبدة أنهم يريدون حتى يريدهم اجل الرحيل،
وفي أول تغير شهدناه نحو دولة حديثة صور لنا أنها ستكون عادلة لاسيما وإن الدينيون جزءاً منها ويا للسذاجة، فيما تمنى فقر الناس إن يبقى الجميع بسطاء، شفقاء وأمينين، ولكن للأسف نسى الكثير منهم زهدهم وماضيهم واحتضر في عيونهم شرف الحياة وأذعنوا وسلموا لسلطة المال بشكل منقطع النظير وراحوا ينظرون لهموم الناس بعين منافعهم ليقامرون بمصائر الناس وينهبون ويسرقون حتى فلس الفقراء. وليس هذا ألأمر فقط بل تطاولوا أكثر حتى تحول القتل ومصادرة الحياة أحدى وسائل جني المال ناهيك عن الفوضى والخراب والجوع والسمعة السيئة التي لطخوا بها العراق. لقد اجبرونا رقيق المال إن ننام دونما أحلام وبدون تمنيات تموج بمتغيرات حسنة تطال كل مفاصل حياتنا. وشتان بينهم وبين سوهارتو وياليتهم كانوا مثله فقد سرق عن طريق الارتشاء ومطالبته بحصص من المشاريع والاستثمارات الكثير من المال وجمع ثروة طائلة، ولكن في نفس الوقت أتى بالاستثمار والأموال الخارجية وعصفت التنمية في كافة المدن وازدهر بلدة في ظل ذلك الإجراء المنقوص الاحترام لحقوق وأموال شعبة فيما لم يفعل السياسيون لا هذا ولا ذاك بل اعتبروا كل مال العراق حصتهم وهدموا بنيته حتى تحول إلى رفات تطبع على صمته وألمه إحصائيات تخطت حدود المعقول وتجاوزت المقاييس العالمية لسرقة المال. لقد بات هناك انفصال واضح بين عراقي وعراقي أخر......هناك رفاه وثراء لدى ألأول وحسرة وغصة فقرٍ مدقع لدى الثاني، ولابد من زمن نعيد فيه الثقة في نوايا وغايات الإنسان بقدر الثقة التي منحناها لأوراق المال وحفنة الدنانير التي كانت بيدي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأردن: مظاهرات داعمة للفلسطينيين ودعوات لفتح الحدود


.. ما هي آخر مستجدات القصف الإسرائيلي على قطاع غزة الآن؟


.. قطاع غزة.. مليوني نسمة وأكثر المناطق كثافة سكانية في العالم




.. إسرائيل - حماس: من يبدو كمنتصر لحد الآن؟


.. -عرب إسرائيل-.. المتغير الجديد الذي قلب المعادلة؟