الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مخاطبات البستاني تنقّح الخطيئة

خالدة خليل

2011 / 5 / 13
الادب والفن


ظل موضوع الخطيئة والتفاحة مصدرا مهما من مصادر الشعر العالمي وخاصة العربي لان الشرق هو مهد الحضارات البشرية الاولى ومصدر الاديان السماوية التي منها تشكلت نظريات الكون وقصة ادم وحواء وارتباط حواء بالخطيئة الاولى التي جعلتها في منزلة أدنى مما يحتمه دورها الحقيقي بل كفاعل مشارك للرجل مناصفة.
لقد ادى هذا التمييز بين المرأة والرجل الى تولي الأخير كتابة التاريخ عبر مسيرته التي حاول من خلالها اقصاء المرأة وحصر وجودها بين قوسي الحياة السطحية، الأمر الذي حدا بالمرأة أن تناضل على مر التاريخ من أجل إثبات ذاتها الفاعل من خلال ما يسميه بارت بالمشغل الثقافي لابراز دورها في انتاج قيمة معادلة، لا سيما في ميدان الادب .
وهنا لابد من الاشارة الى ان دراسة نص مكتوب بيد امرأة وتقرأه امرأة تحاول ممارسة النقد من شأنه أن يكون له اهداف عديدة، كما حددت ذلك الكاتبة ليزا توتلا وكما ورد في ( الموسوعة الالمانية الحرة ) حين اشارت الى اهمية دراسة الادب الذي تكتبه المرأة على يد امرأة ناقدة وذلك على اساس انه:
1.تطوير ارث الكتابة النسوية والكشف عنه .
2.تأول الاتجاه الرمزي في الكتابة النسوية بما يقيها من الضياع او التجاهل من وجهة النظر الذكورية .
3.اعادة اكتشاف النصوص القديمة .
4.تحليل الكاتبات الرمزيات وكتابتهن وفق منظور انثوي .
5.مقاومة التحيز الجنسي في الادب .
6.زيادة الوعي تجاه التسيس الجنسي في اللغة والاسلوب .

تطرح بشرى البستاني ذاتها الفاعل من خلال نص يحمل عنوان (مخاطبات حواء) عبر معضلة الخلق الاولى التي بقيت لقرون طويلة تميل لصالح الرجل .
واذا مااتفقنا على ان كتابة الشعر تمثل اصلا عودا إلى بداية الخلق وعصر التلقي البريء فسندرك مكامن خصب هذه القصيدة التي تدعو في اساسها الى اعادة التكوين.
يمكننا ان نتكهن من خلال عتبة النص، عنوانه بما ستنطوي عليه فكرة هذه الحوارات او المخاطبات كما تطلق عليها الشاعرة اذ يحمل العنوان دلالة شعرية موزعة تحت طبقات القصيدة, لتشي بعلاقة جوهرية مع الكون, تتأسس على مبدأي الذكورة والانوثة, اللذين يتضمنان مدلولات تضادية، فالمخاطبات تدل على وجود خطاب متبادل، يتبادل كلا الطرفين دور البث والتلقي في تفاعل، كما أن حواء تحمل دلالتها التضادية فوجودها بالاسم الصريح يستدعي بالضرورة وجود ادم.
من هنا يكتسب العنوان اهمية لأنه يشهد مفاوضات- بين نص وقارئ- تتيح الولوج الى عالم النص.

تؤسس البستاني قصيدتها (مخاطبات حواء) على نقطة التكوين الاولى التي بسببها عرف الانسان الشقاء. انها ثيمة الثمرة المنهي عن تناولها في الجنة، وهي ثيمة ثرة لا يبدو ممكنا ان يتجاهلها شاعر عبر مسيرته الشعرية، فالمحظور دائما يقع، والانسان دائما بالنتيجة في مواجهة الشقاء.
لكن البستاني تتعامل مع هذه الثيمة بذكاء انساني وفطنة شعرية فهي توزعها بين صوتين يمران من خلال صوتها. هي الغائب المتحدث عن كائنين، صنوين لآدم وحواء، لكنهما يتحدثان بالاستعارة لتعزيز الشعرية وتفادي سطحية الحوار العاطفي بين عاشقين:
أيهما أكبرفي لعبة الطفلِ
وابنة الجيرانْ..
الكنز...
أم الخطيئةْ..!
إنه تتبع لوجودين من لحظة براءة بدلالة المفردتين (لعبة) و(طفل) فتتكشف ابنة الجيران في السياق طفلة بالبداهة. ولكن مراد السؤال خطير، فاللعبة بين الوجودين إما كنز أو خطيئة وإذا انتبهنا لعلامة التعجب في نهاية المقطع، فإن السؤال سرعان ما سيغادر فضاء النص. إذن هو ليس سؤالا، وليس أيضا إخبارا.

يخيل إلي أن بؤرة الشعرية في هذا المقطع تتجسد عبر علامة التعجب هذه. لماذا؟ ربما لأنها توقفنا أمامها لنسأل لا لنجيب، لنتساءل لا لنتصور أو نستجيب. وهي هنا تحقق المد الانفعالي والحركي الدلالي اللازم في جسد النص لا ليتوقف مضمونها عند الكتابة بل يمتد الى المشاهدة الواقعية ولكي تحقق علامة التعجب هنا الدهشة في اقصى درجاتها .
الدهشة من تراث مبني على فكرة خاطئة اختزلت بتفاحة الخطئية التي وردت في النص في مقاطع منها :
وقلتَ ..
مطفأةٌ عيون التفاحِ
فلا تهزّي الشجر
ومحترقة ٌ جذورُ الأغنيةِ ،
فلتوقظي الجرحَ ،
قبل أن تنام السكينْ . ..
والمقطع الاخر الذي يشير الى دموع التفاح
يجمع الليل عن خطوها
دموع التفاح ِ
وعن جرحها ورد الخسائرْ ..
وكذلك نقرأ ايضا :
وقلت ..
دعي التفاح مصلوباً على الأغصانْ
كي لا نقع في حبائله
هي دعوة صريحة من الرجل ايضا على لسان الشاعرة للعودة وعدم الوقوع في الخطأ مرة اخرى . لان الخطأ وصمة في الطبيعة البشرية والا فلماذا يكون عالم اليوم مليئا بالحروب والدمار والخراب ؟
ثم تحاول البستاني ان يقرأ الرجل سفر الازل من خلال الأسود الذي ترتديه موشحا بالابيض والشال الاخضر:
وقلت..
ارتدي ثوبك الأسود
الموشح بالبياض
وضعي عليه شالك الأخضر
كي أقرأ فيهما سفر الأزلْ

تشكل هنا منظومة الالوان حركة دلالية في النص فالاسود يلمح لانعدام اللون ويدل على حداد وحزن والابيض على نقاء وطهارة وتصوف، والاخضر على خصوبة وعطاء وأمل وقد يشير الثوب الاسود هنا إلى التاريخ الذي نسج حول المرأة شرنقة سوداء لتخفي بيضاء سريرتها وخضرة خصبها: كيف لا وهي الارض والرحم!

ثم تتوالى عبر الحوار انزياحات عدة، انزياح يفضي الى انزياح، كما لو ان الشاعرة تريد ان تردم هوات مخيفة في الكلام المباح بصور لا تصلح مدلولاتها للبوح. فنحن امام (سهل الصدر) وفوق(ناصية الحرف) وقبالة (سواعد المعنى) كما لو انها اضفت صفة العاقل على النص ولان الحرف هو سنديانة الخلود ونقطة الصدق الوحيدة في هذا العالم, وحاملة ارث الامة,‏ اذ ان الشعر ما يزال ديوان العرب وهو ما تؤكده البستاني ايضا في المقطع التالي :
وقلت ..
اطرقي أبواب روحي
كي ترتعش البلابلُ بالدهشةِ
وترتبك الطيورْ
وانظري إليّ ..
كي يفتح عينيه الشعر في الدواوينْ..
لطالما بقيت المرأة الملهم الاول في الشعر والادب والفن، وها نحن أمام سلسلة استعارية متتالية أخرى، فنحن امام (أنامل نبية)
وقلت لي..
في الليالي الموحشةِ دّثريني
بورق الجنةِ
المتساقط من أناملك النبيةِ
وهي تمسح بالضوء صدري...

إنها انامل نبية تكتب الشعر بأحرف تصبح معادلا لورق الجنة المتساقط من اناملها الملكوت. وتتلوها استعارات اختباء (في ثنايا الطوق) ولوذ (بإسورة) واشتعال (في الشناشيل)، بينما تشع استعارة أخرى تمثل الضياع في جنة الحريق الوارف:
وقلت..
لإرادتك أسلمت أمري
كي نضيع مرةً أخرى
في هذه الجنةِ الوارفة الحريق..

هي رحلة كشف اخرى ومحاولة عودة الى الفردوس كي لا تبقى الخطيئة في حدود الميثولوجيا، بل تتخطاها الى حدود الخيال الراهن من خلال الشعر والاضافة إلى الموروث القار عن سفر التكوين الاول.
وقلت..
أعيديني إلى السماءِ
مرةً أخرى
فلقد تعبت من الدوار.
لهذا المقطع في تقديري سببان الاول هو الضغط الموجود في الواقع والذي لايمكن اصلاحه الا من خلال الهرب نحو نقطة البداية الاولى التي هي سبب التشويه. وبما ان الارض لايمكن ان تكون فردوسا فليس امام الرجل الا العودة الى الفردوس الاول. والسبب الثاني يكمن في ان تاريخ الرجل يرتبط بسلسلة طويلة من المعارك والدمار التي لم ترثها الارض لولا هذه السيطرة العمياء متمثلة بالتسلط والتحكم بمقدرات الارض / المرأة. لذا فانها دعوة صريحة بالعودة بعد تعبه من الدوار.
ولكن هل سيكون القياد هذه المرة للمرأة ؟
ربما يكون ذلك فالشاعرة تطلق جرأتها عبر اعتراف ذكوري صريح:
خذي سهلَ صدري
ارفعي عليه صاريتكِ
وفوق ناصية الحرفِ
علّقي جبيني


ثمة انزياحات اخرى كثيرة تريد بها الشاعرة تبديل القوانين كي تثمر عن قدرة العودة إلى السماء والتماس مع فضائها اللامتناهي، لعل ذلك يوقف الخطيئة الكبرى التي ترسمها البستاني بالخراب الذي طال (العراق) و(أطفاله) الجائعين) و(الهديل).
وقلت..
خذي العراق بين ذراعيك،
كي يغفو أطفاله الجائعون..
وامسحي عن وجهه غبار الحرائق
كي يتواصلَ الهديلْ..
من هنا جنة البستاني كانت عراقا سمفونيا وأطفالا متعافين على ايقاع الهديل المتواصل، ولكن أهي آدم أم هي حواء في التحسر على تلك الجنة؟ أعتقد أن كفة حواء هي الراجحة هنا بعد أن صادرت الحكايات صوتها انتصارا لصوت الأب الأول.
وتبقى القصيدة في نهايتها مفتوحة على التأويل لتحمل لنا اقوالا واقوالا عديدة مضمرة يمكن للقارئ ان يملأ فجواتها للخروج بتآويل أخرى فالبستاني هنا تتجاوز الموضوع الشعري الى الفاعل الشعري في قصيدة نثر حققت خلاصا من موروث شعري له سلطة الوزن والقافية في مقابل خلاصها من استبداد الطرف الآخر في معادلة الحياة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -بين المسرح والسياسة- عنوان الحلقة الجديدة من #عشرين_30... ل


.. الرباط تستضيف مهرجان موسيقى الجاز بمشاركة فنانين عالميين




.. فيلم السرب لأحمد السقا يحصد 22.4 مليون جنيه خلال 10 أيام عرض


.. ريم بسيوني: الرواية التاريخية تحررني والصوفية ساهمت بانتشار




.. قبل انطلاق نهائيات اليوروفيجن.. الآلاف يتظاهرون ضد المشاركة