الحوار المتمدن - موبايل


في ذكرى النكبة: النظام السوري وأكذوبة المقاومة

فادي عرودكي

2011 / 5 / 19
القضية الفلسطينية


مرّت علينا ذكرى النكبة هذا العام بظروف مختلفة عن كل عام، وفي ظل أحداث متسارعة في وطننا العربي بشكل عام، وفي قلب دول الطوق (وبالتحديد مصر وسورية) بشكل خاص. بل وميّز الذكرى هذا العام دعوات "فيسبوكية" تطالب اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى فلسطين المحتلة مخترقين الحدود بين الدول العربية والكيان الصهيوني. تمثّل ذكرى النكبة، بالنسبة لي على الأقل، حدثا سنويا لا بد من التوقف عنده لمراجعة ما تقدّمه الأمة العربية من جديد في خضم صراعها الأزلي مع الكيان الصهيوني. هي مناسبة لمراجعة سنين خلت لفّها الذل والهزيمة في كثير من الأحيان، ومناسبة لدعوة الأمة للنهوض وتذكّر القضية المركزية المحورية التي تجمعنا، خاصة وأن أولوية القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة تراجعت لحساب ملفات مستجدة داخلية وإقليمية، حتى كدنا أن نفرّط بالقضية ككل، ربما لأول مرة في تاريخها.
ولكن المارد العربي أصابه شيء في عام 2011 استدعى أن يستيقظ ويخرج من قمقمه أخيرا. هي إهانة شرطية للبوعزيزي، أيقظت آلام أمة بأسرها، وصور جسده الذي تأكله النيران أنار بصائر غطتها الظلمات لسنين بل عقود. صرخة رجل كانت كفيلة بإعادة الروح في الجسد العربي الميت (أو الذي حسبناه ميتا ولكن يبدو أن رمق العروبة لا ينضب) ومع هذه الصرخة كشفت الشعوب العربية عن أكاذيب كثيرة كانت تعيشها. تبيّن للعرب أن لهم صوتًا يفوق صوت الحكام وأنظمتهم المقيتة إن تحدثوا عاليا وبصوت واحد. وجد العرب أن أنظمتهم الحديدية القمعية الأمنية ما هي إلا أنظمة ورق مقوى، قد تبدو صلبة ثابتة للمشاهد من بعيد، ولكن لا تفتأ أن تنهار بمجرد النفخ عليها بقوة عن قرب. وتبيّن لهم أخيرا أن طريق حرية فلسطين لا يمرّ إلا بحرية الشعوب من أنظمتها المستبدة، على اختلاف مسميات هذه الأنظمة، سواء حُسِبت على محور الاعتدال المعتلّ كالنظام المصري السابق، أو حُسِبت على محور الممانعة المتاجر بقضايا الأمة كالنظام السوري .. أو حتى حُسِبت على مهرجي السيرك ومرضى مستشفى المجانين كالعقيد الليبي المعتوه. هي الإرادة الشعبية التي قررت أن كرامة العربي وحريته أغلى من كل شيء، فانتفضت بوجه طغاتها وعيون الجميع على فلسطين بعد ذلك.
وإحدى الأكذوبات التي عاشها المواطن العربي هي أن النظام السوري هو نظام مقاوم ممانع للكيان الصهيوني. هي أكذوبة كبرى، ربما كان حتى كاتب هذه السطور أحد ضحاياها في مرحلة من المراحل، ولكن إن كنتُ من المحظوظين الذين تبدّى لهم مبكرا حقيقة النظام السوري الذي يبرع في الكذب فيكذب ويكذب ويكذب حتى يصدّق نفسه قبل أن يصدّقه الآخرون، فإن هناك جموع كبيرة تكتشف هذه الكذبة الآن أو أنها ما زالت تعيش وهم "النظام الممانع". وإن كان هناك عشرات القرائن والدلائل التي يمكننا الاستشهاد بها من الماضي لتدعيم هذه الحقيقة، ليس أحدها هدوء جبهة الجولان وغياب أي عمل مقاوم قادم من الأراضي السورية، بل ومعاقبة من تسوّل له نفسه القيام بأعمال مقاومة انطلاقا من سورية، إلا أن ما جرى من أحداث في الأسبوع الماضي تحديدا يعتبر كافيا لنسف هذه الأكذوبة من أساساتها لكل عاقل منصف.
فقبل أكثر من أسبوعين، بدأ الجيش بالقيام بعملية عسكرية في درعا (وقيل أن الفرقة الرابعة تحت إمرة ماهر الأسد هي المسؤولة عن هذه الأعمال) مستخدما كمًّا من الدبابات والمدرعات لم يشاهده السوريون من قبل! المناظر التي شاهدناها في ملفات الفيديو والصور، والأخبار التي نُقِلت إلينا من قلب درعا تعطي تصوّرا أن النظام السوري في صدد دخول حرب، وليس تخليص أهل درعا من "العصابات المسلحة" كما يدعي. اكتشف السوريون أخيرا أن جيشهم يستطيع أن يحارب ويستطيع القيام بعمليات عسكرية بعدما كانوا يتجرّعون مرارة الإهانات الصهيونية المستمرة والمتكررة للوطن والتي يقابلها النظام برده المشهور: "نحتفظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين". ولكن اكتشف السوريون أخيرا أن درعا ودوما وتلبيسة وحمص وبانياس واللاذقية وتلكلخ وغيرها من مدن سورية هي المكان المناسب لرد الجيش السوري، وأنه الوقت الذي يطالب السوريون فيه بالحرية بشكل سلمي هو الزمان المناسب للرد. المخجل حقا، حسب ما وردني من أكثر من مصدر، هو أن كم العدة والعتاد العسكري الذي أُدخِل درعا من قبل النظام، ونتيجة للقرب الشديد لدرعا جغرافيًا من الجولان المحتل، فإنه كان على النظام أن يخطر الحكومة الصهيونية بطبيعة هذه التحركات العسكرية لكي يطمئن الجانب الصهيوني .. فأنعِم به من نظام ممانعة!
وتلا عار استخدام الجيش ضد الشعب السوري الأعزل، بعد أن ظل الجيش هامدا لا يتدخل في الجولان لقرابة الأربعة عقود، أن قام رامي مخلوف – ابن خال الرئيس بشار الأسد وأخطبوط الاقتصاد السوري – بإجراء مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، قال فيها بكل وضوح وصلافة ما ملخّصه: "إن أمن إسرائيل من أمن سورية" و "لا أضمن ما قد يحدث لإسرائيل في حالة سقوط النظام السوري" و"سوف يقاتل النظام السوري حتى النهاية". المشكلة بتصريحات رامي مخلوف أنها أعطت صورة بأن البلد محكوم وفق مافيا العائلة، وتكلّم مخلوف – الذي لا يحمل أي منصب رسمي في النظام سوى أنه ابن خال الرئيس – وكأنه يشارك بالقرار في سورية، وطبعا جميعا نعرف أن هذه الصورة دقيقة جدا للوضع في سورية. والمشكلة بتصريحاته أنه ظهر مثل سيف الإسلام القذافي الذي صرّح تماما بمثل هذه العبارات متعهدا بالقتال حتى النهاية والمحافظة على أمن إسرائيل، فسمى البعض رامي مخلوف بـ"سيف الإسلام مخلوف" تندرا. والمشكلة بتصريحاته أنه كشف أن النظام السوري هو المسؤول عن حماية الكيان الصهيوني، بل وقدّم لنا تفسيرا لهدوء الجبهة الشمالية للكيان الصهيوني طوال فترة حكم الأسد وحتى الآن. والمشكلة بتصريحاته أنه هدد باستخدام ورقة الأمن الإسرائيلي في حال استمرت الضغوط الغربية على النظام السوري.
سارع النظام السوري على لسان السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى ووزير الإعلام عدنان محمود إلى تدارك هذه التصريحات (بعد خراب مالطة) معتبرا ما قاله رامي مخلوف آراء شخصية تعكس رأي مواطن سوري ولا تعبّر عن رأي النظام. والمشكلة أنهم بذلك أدانوا أنفسهم بأنفسهم! فهل يُسْمَح لأي مواطن سوري التكلم نيابة عن النظام بهذا الشكل؟ ولماذا لا يتم اعتقال رامي مخلوف بتهم "إيهان الشعور القومي" و"إضعاف الروح المعنوية" و"النيل من هيبة الدولة" و"نشر أخبار كاذبة"، خاصة وأن سورية تمر الآن بمرحلة عصيبة، أسوة باعتقال شخصيات سورية وطنية معارضة لم تصرّح حتى بمعشار ما صرّح به مخلوف ومع ذلك اعتُقِلَت بهذه التهم، ومنها من هو ما زال في المعتقل كمهند الحسني، وعلي العبد الله، ومنها من أُفْرِج عنه مثل هيثم المالح وفايز سارة وغيرهم. إذاً هو التناقض عينه والكذب عينه وكله في سبيل الإبقاء على النظام ومكتسبات العائلة الحاكمة والمنتفعين من حولهم مهما تطلّب الأمر من إراقة دماء واختلاق أكاذيب لم يعد يصدّقها إلا مغفّل.
ولتكتمل فصول المهزلة، ويكتمل نسف أكذوبة الممانعة، تم السماح لمئات الفلسطينيين بالوصول إلى الجولان المحتل، والدخول إلى قرية مجدل شمس المحتلة، فيما يبدو أنه تنفيذ لتهديد رامي مخلوف بأن غياب النظام يعني عدم استقرار الكيان الصهيوني. ولكن المشكلة أيضا أن هذا الحدث، كغيره من أفعال النظام السوري، عادت عليه سلبا! فقد أثبت هذا الحدث بما ليس فيه شك أن النظام السوري هو فعلا الحامي للحدود الشمالية للكيان الصهيوني! وأنه عندما غاب الجيش السوري، تم الوصول إلى الجولان، وأن اقتحام الجولان هو من السهولة بمكان، ولكن النظام السوري كان الحامي لهذه الحدود والمانع لإزعاج إسرائيل ولو بأقل عمل مقاوم. وأثبت هذا الحدث أيضا مدى خسة النظام السوري الذي حاول استثمار دماء الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا بالرصاص الإسرائيلي ليروّج مجددا لأكذوبة المقاومة، متناسيا أنه ترك هؤلاء المدنيين العزّل دون أدنى غطاء عسكري سوري (فالجيش السوري كان يقصف بلدة تلكلخ السورية!) وأن المروحيات الصهيونية صالت وجالت في سماء سورية على مقربة من الجولان دونما رد فعل سوري!
إن أكذوبة النظام الممانع لهي وهم كبير عاشه السوريون طوال العقود الماضية، استثمره النظام السوري للإبقاء على السلطة من خلال لعبة توازن داخلية-خارجية، راح ضحيتها شرفاء كثيرون أخصلوا للقضية الفلسطينية، منهم من ظنّ حقا أن هذا نظام مقاوم، ومنهم من اكتشف زيف ذلك لاحقا. ولكن، كشفت الثورة السورية قبح هذا النظام الكاذب، وكشفت لنا أنه لا يمكن أن نحلم بتحرير فلسطين، وقبل ذلك استعادة الجولان، إلا بعد زوال هذا النظام. أختم هذا المقال بشهادة للدكتور عبد الرحمن الأكتع، وزير الصحة إبان حرب النكسة، وهي شهادة واحدة ضمن عدة شهادات لعدة أشخاص تحمل نفس الفحوى. يقول: "كنت في مستشفى القنيطرة عند إذاعة بيان سقوط القنيطرة (البلاغ رقم 66) وظننت أن خطأً قد حدث، فاتصلت بوزير الدفاع حافظ الأسد وأخبرته أن القنيطرة لم تسقط ولم يقترب منها جندي واحد من العدو وأنني أتحدث الآن من القنيطرة، ودهشت حقاً حين راح وزير الدفاع يشتمني شتائم مقذعة ويهددني إن تدخلت فيما لا يعنيني" وعند عودة الأكتع إلى دمشق قدم استقالته في اجتماع لمجلس الوزراء وغادر إلى ألمانيا. هذه هي، يا سادتي الكرام، خلاصة أكذوبة نظام الممانعة!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات في عدة دول عربية ضد القصف الإسرئيلي لغزة ودعما للفلس


.. هل ما يحدث بين الفلسطينيين وإسرائيل أولوية للعرب؟ باحث سياسي


.. المبعوث الأميركي يبحث في تل أبيب سبل التوصل للتهدئة




.. مقتل 10 فلسطينيين من عائلة واحدة في غارة على غزة


.. غارات إسرائيلية تستهدف بنوكا تابعة لحركة حماس