الحوار المتمدن - موبايل


قراءة في كتاب -انهيار الرأسمالية...أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود-(2)

هاشم نعمة

2011 / 5 / 21
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


الخلفية النظرية

انتشرت، منذ منصف السبعينات، أفكار فريدمان وهايك في كثير من بلدان العالم. وطبقت تاتشر نظرياتهما عندما أصبحت رئيسة وزراء بريطانيا. كما تبني ريغان أفكار ما يسمى "صبيان شيكاغو" حينما أصبح رئيساً للولايات المتحدة عام 1981. وطبق كثير من الاقتصاديات الناشئة أفكار منظري الليبرالية المحدثة وتعاليم ثورتهم المضادة. وهكذا جسد ممثلو مدرسة شيكاغو في الثمانينات والتسعينات الصورة الدقيقة لليبرالي المحدث الذي لا يعرف الرحمة ولا يكن العطف للضعفاء. فهم لا يرفضون وجود الدولة القوية فقط، بل يطالبون بضرورة أن تصبح الدولة بلا أهمية أصلاً. إن نظريات فريدمان وهايك وأفكار أنصارهما ما عادت لها علاقة وثيقة بالنظريات والأفكار التي نوقشت عام 1938. وبدلاً من هذا، تراهم يعودون إلى الليبرالية التقليدية الكلاسيكية، التي صاغ أسسها آدم سميث الذي وضع أسس علم الاقتصاد في القرن الثامن عشر والتي ظلت تهيمن على الساحة حتى القرن التاسع عشر.

الأمر الذي لا يمكن تجاهله هو أن نظرية الليبرالية التي تُعلي من دور السوق قد قادت، في عقود الزمن الماضية، إلى كارثة عظيمة فعلاً. فالدولة الضعيفة ما كانت تتوفر لها الوسائل الضرورية لمواجهة القوة الضخمة التي باتت الشركات والصناعات تتمتع بها، وقد تحولت السياسة إلى فريسة تتلقفها أيادي مجموعات تدافع عن مصالحها الخاصة بما تمتلك من نفوذ وجبروت عظيمين، كانت قد تحولت إلى دمية تحركها السوق على النحو الذي يروق لها. بهذا المعنى، فإن نظرية "دعه يعمل، دعه يمر"، أي نظرية النشاط الاقتصادي المحرر من التدخل الحكومي، قد بان بطلانها على نحو لا مجال فيه للاختلاف.

استمر عصر ازدهار الرأسمالية أكثر من عقد ونصف، والأمر البيِّن هو أن المستثمرين الماليين ومصارف الاستثمار والبورصات وأسواق رأس المال قد غيروا نمط عمل الاقتصاد وأدخلوا تغييرات مهمة على بنية المجتمعات. وتزامن هذا التحول مع تحول تاريخي، تمثل بنهاية الاشتراكية وتفكك الإتحاد السوفييتي وإفلاس الاقتصاد المخطط. وكان أنصار اقتصاد السوق الحرة قد هللوا لهذه التحولات ورأوا فيها الدليل القاطع على صواب عقيدتهم، وراحوا يتصرفون وكأن الرأسمالية خالية من العيوب، وكأن قواعدها سليمة تتفق تماماً مع روح العصر الجديد. وبعد مضي ما يقرب من العامين على انهيار جدار برلين راح الكاتب الأمريكي فوكوياما يعلن، في كتابه له واسع الشهرة، "نهاية التاريخ". وقد تنبأ، بشيء من الإسراف، "بنهاية تطور الإنسانية أيديولوجيا، وأن الديمقراطية الليبرالية المتعارف عليها في العالم الغربي ستكون صيغة الحكم النهائية على مستوى العالم أجمع".

ولم يكن ساكس، وغيره من أساتذة الجامعات، في بلدان مختلفة، هم فقط الذين تنقلوا بين البلدان بغية التبشير بالرأسمالية، فالاقتصاديون العاملون في صندوق النقد الدولي صاروا، أيضاً، مبشرين يجوبون دول المعسكر الشرقي، سابقاً، وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لنشر الرأسمالية. فصندوق النقد الدولي، تلك المؤسسة التي جرى تكليفها، سابقاً، بصيانة أسواق المال من التعرض للأزمات، تحول، في السبعينات والثمانينات، إلى داعية من دعاة اقتصاد السوق المحررة من القيود. وكان الصندوق يغري الدول بالمال وبالقروض الميسرة، زاعماً أنه يمنح هذه الأموال حباً في مساعدتها. بيد أن الواقع يشهد أن الصندوق كان يريد من هذه المساعدات أن تكون سبيلاً للوصاية على هذه الدول، فالدول المدينة تحصل على المليارات، فقط، في حال انصياعها لشروط صارمة، تلزمها بتحقيق التوازن في موازنتها الحكومية وخصخصة مشروعاتها وتحرير تجارتها الخارجية وخفض المعدلات الضريبية. ويسري الأمر على أولئك الاقتصاديين الذين يعملون لدى البنك العالمي أيضاً، هذا البنك الذي يقع مقره مقابل مقر صندوق النقد الدولي. ويتحدث منتقدو المؤسستين عن "اتفاق واشنطن"، أي عن تلك السياسة التي تملي على الدول تنفيذ إصلاحات غاية في التطرف، ولا تعير أي اهتمام لما يعانيه المواطنون من أعباء ترتبط بهذه الإصلاحات.

وعلى خلفية هذه الحقيقة، راحت دول النمور في جنوب شرقي آسيا- تايلاند وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وهونغ كونغ- وبلدان أمريكا الجنوبية أيضا (المكسيك مثلاً وليس على سبيل الحصر) تفتح أسواقها لمواجهة المافيا العالمية.

أعطى السياسيون الانطباع بأنهم يريدون، فعلاً، إخضاع الرأسمالية لقواعد جديدة بعد أن بدأت مؤشرات الأزمة. ففي حين راح المحافظون يؤكدون، بلا كلل، أن الواجب يقتضي خلق نظام جديد للاقتصاد العالمي، تحدث السياسيون المؤمنون بالاشتراكية الديمقراطية، من قبيل شرودر وبلير، عن ضرورة انتهاج طريق ثالث، بين الرأسمالية والاشتراكية. بيد أن هذه الكلمات لم تتبعها سوى أفعال ضئيلة.

لم يبذل أحد جهداً لترويض الرأسمالية المطلقة العنان؛ لم يجرؤ أحد على التشكيك بصواب المبادئ السائدة. إن عدم المبالاة، التي سيطرت على السياسيين وقادة الاقتصاد في البلدان الصناعية، كانت وخيمة حقاً. فهؤلاء ظلوا، بعد مضي ما يقرب من عشر سنوات على انهيار الاشتراكية، مستسلمين لمشاعر انتصار النظام الرأسمالي على النظام الاشتراكي. وهكذا، سار العالم، في نهاية الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة، بخطى حثيثة صوب الأزمة التالية.

ينشأ الانهيار، الذي عاشه العالم في خريف 2008، في نهاية كل ازدهار يمر به العالم. هكذا كان الحال في الأعوام 1929 و1987 و2000. فجميع النظريات الجميلة عن السوق التامة الكمال، أي جميع النظريات الاقتصادية التي انطلق الاقتصاديون منها، في الماضي، لشرح ما يدور في العالم من ظواهر ومعاملات اقتصادية، أمست بين ليلة وضحاها، زيفاً لا طائل منه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وفد ليبي رفيع المستوى برئاسة عبد الحميد دبيبة يقوم بزيارة إل


.. لافروف: الاتحاد الافريقي يجب أن يحل أزمة سد النهضة


.. احتجاجات بمينيابوليس بعد قتل الشرطة لشاب من أصل إفريقي




.. سد النهضة.. مواقف الأطراف الفاعلة


.. الخارجية الأميركية: مفاوضات سد النهضة هي السبيل الوحيد لحل ا