الحوار المتمدن - موبايل


القرين

عبد الستار العاني

2011 / 5 / 30
الادب والفن




رن جرس الباب فجأة ، أعقبتها طرقات كف همجية ، عربات مكشوفة مشحونة بأجساد من غبار، لهاث ولهفة ،بنادق مشرعة ، ووجوه وحشية كالحة أحاطت بالدار مثل حيوانات استفزتها فريسة في عتمة غابة ، صوت خوار:
- افتحوا الباب ..... طرقات متتالية.....
:- هل هذا بيت السيد مسلم....؟
:- نعم .....
:- ادعوه حالا .....
تحركت ظلفة الباب بأنين مسموع ، بعد لحظات اطل عليهم وجه كانت تطفو عليه الوداعة ،متوسط القامة ، من عينيه يطل عمره ،لا يتجاوز العقد الرابع او أكثر بقليل ،وبصوت شفيف :- نعم تفضلوا......
وبنبرة مبحوحة
:-انت السيد مسلم....؟
:- نعم .... ولكن من انتم رجاء ...
اصعد الى السيارة ، حشروه بين أجساد تفوح منها رائحة العرق بنكهة حريقه بناية سورتها ثلة من الحراس وقد بدوا مثل كلاب حراسة تريد ان تنقض، اقتادوه انعطفوا يمينا ، يسارا ، طالعته غرفة بمكتب فاره لكنها توحي بالخوف، اطل من خلف المكتب وجه منفر،توسطه انف ضخم ، تدلت شعيرات من منخريه مثل شعر خنزير بري ، وعيون جاحظة تلتمع بالقسوة والوحشية ، وبنبرة ساخرة :- أخيرا .... هل أنتَ فلان .....؟
صمت قليلا ثم قال :
:- كم أتعبتنا .....هل تحلمون ان تغيروا نواميس الكون وتستبدلون انظمه ...ها ؟
:- صدقني أرجوك انا لا استطيع ان اسحق نملة ..... وبلهجة ساخرة قال : واضح ذلك .
رفع كفه وهو يصفع وجه المكتب وبصرخة حادة :-
خذوه الى الغرفة رقم 6 .
وضعوا رباطا فوق عينيه اقتادوه في ممر طويل توزعت على جانبيه غرف عديدة ،
عرف ذلك من خلال ذلك العواء البشري ، صرخات وآلام كانت تنز دما وهي تنساب من تحت أعقاب الأبواب لتصفعه بعنف ثم تتكسر على الجدران .رفعوا الرباط عن عينيه ، تملى ما حوله ، حبال مدلاة من السقف ، وآلات جفت الدماء
عليها وقد علاها صدأ مال نحو السواد، صوت واجد منهم :
:- هل ستعترف الآن ...... ؟ سوف ننزع جلدك أتدري .....؟
:- لاشيء عندي حتى اعترف عليه .... صدقوني .....
ضربة سريعة من الخلف على رقبته أسقطته أرضاً ، ثم انهالت عليه السياط
تاركة آثارها على جسمه بخطوط زرقاء وحمراء ، لشهور عديدة
صاحبته حفلات التعذيب ، لكنه لم ينهار ، بل ظل يردد بعناد :
:- انا لا اعرف غير اسمي.......
وحين عجز الجلادون ، قرروا ان يطلقوا سراحه ، لكن واحدا منهم أثار
انتباهه فقد كان أكثرهم قسوة ووحشية ، قرر ان يسأله :
كنت أكثرهم قسوة هل أنت سادي.؟
اقترب منه وهو يهمس :
:- لأنك كنت معلمي ..... كاد ان يتهاوى لولا انه استجمع قواه ، وهو يتملاه لم يصدق ما يسمع لكنه رد عليه بصوت واهن وخفيض :
:- وا أسفاه........


في الخارج وجد نفسه متكوما ، توقف قليلا ، أغمض عينيه ، راح يدعكهما ، هاجمه الضوء مثل دبابيس راحت تنغرز في عينيه ، التقط أنفاسه ، توسل ساقيه ، تعكز عليهما ، جسد واهن رقطته الكدمات ببقع زرقاء وحمراء وصل الى البيت ، تهاوى الى الأرض، تلقفته الأيدي محتضنة إياه بصراخ مكتوم ودموع ساخنة ، هو الآخر الدموع تنهال من عينيه، ظل قعيد البيت لفترة وهو ينظر بحزن لأولاده مثل حزمة زهور تركها ، كادت ان تجف أوراقها قال مع نفسه :
(كلا ستعود الزهور بعطرها وألوانها )


، أرخى عضلات رقبته ، ترك رأسه يتدلى فوق صدره ، إغفاءة سريعة ، داهمه أحساس غريب ، أصوات أجراس تقرع ، تململ وهو يصيخ السمع، نهض مسرعا ، لحظتها قرر ان يمارس مهنة مصور جوال ، ذهب الى صديقه دونما تردد ، استعار منه آلة تصوير ، تركها مدلاة وهي تتأرجح مثل وسام يأتلق فوق صدره ، منحه ذلك إحساسا بالزهو والكبرياء ،ظل يتنقل من رصيف الى رصيف باحثا عن لقمة عيشه .
صبيحة يوم مشرق رائق، أطلت الشمس من مخدعها بحلتها الجميلة ترخي جدائلها ،أسراب النوارس تحلق بخطوط سمفونية بيضاء وهي ترسم ظلالها فوق مياه الشط ،
فجأة انتصب أمامه رجل ، تقدم مسرعا مثل صقر ينقض على فريسته ، احتواه بين ذراعيه ،ضمه الى صدره ، انهال عليه بالقبل ، أغرقته الدهشة لكنه أسرع قائلا :
:- استاذي الفاضل .... ألم تعرفني ....؟ انا الدكتور احمد .... بصماتك الوردية لا زالت قابعة في أعماقي ولن أنساها أبدا .... أنت معلمي ايها الفاضل الكبير .......
انثالت عليه الكلمات، يحاول ان يتذكر، لكن الرجل ودعه ، تركه يعوم في لحظتي فرح وذهول ملذين ، دمعتان انزلقتا فوق خديه ، استرجع نبرتين رددهما مع نفسه :
:- انت معلمي ....... الله .............
كنت معلمي ......... وا أسفاه ......
تأبط ذراع صاحبه وعادا الى البيت ...... ،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان حمادة هلال


.. تفاعلكم | الفنان خالد الشاعر غير راض عن مارغريت ويدافع عن دف


.. تفاعلكم | الفنانة هبة الحسين: البطولة من نصيبي وهذا ردي على




.. جناية وحكاية.. شاهد مسرح جريمة مقتل المخرج نيازى مصطفى وكيف


.. مسرحية جورج خبّاز: بكونوا عم يبكوا بس يخلقوا، ونحن عم نضخك ف