الحوار المتمدن - موبايل


الإنسان مازال قادراً على مقاومة الطغيان

خالد طاهر جلالة

2011 / 6 / 16
الحركة العمالية والنقابية



الإنسان مازال قادراً على مقاومة الطغيان

“Please, sir, I want some more soup .”
من فضلك سيدى :أريد مزيد من الطعام ..أشهرصيحة إحتجاج فى تاريخ أدب الروايات العالمية جاءت على لسان أوليفر تويست الطفل اليتيم وألقاها فى وجه طاهى ملجأ الأيتام فنال عقابه بالضرب والسجن والطرد من الملجأ فى الرواية الخالدة التى تحمل إسم الطفل اليتيم الثائر "أوليفر تويست "فى رائعة الكاتب الأنجليزى الشهير "تشارلز ديكنز"
والإحتجاج هو البداية الطبيعية والشرارة الأولى للرفض والرغبة فى تغيير كل ماهو ظالم ومجحف ونتاج التسلط والقهر يليه مسلسل طويل من التمرد والإحتقان و الغليان الذى يبدأ بالإضراب السلمى والإعتصام والمظاهرات والعصيان المدنى حتى نصل إلى نقطة الذروة بالإنفجار والثورة ضد كل ماهو ظالم وجائر ومجحف ومتعسف وفاسد ومتسلط وباطش بأبسط حقوق المواطن وبما أقرته الثورة الفرنسية فى ميثاق حقوق الإنسان من حرية وإخاء و مساواة ..
وتاريخياً يرجع حق الاضراب الى زمن الفراعنة في مصر وروما القديمة منذعام 943 ق.م لكن اهمية حركة الاضراب ازدادت في العصور الاخيرة مع تطور الآلة الصناعية الحديثة وما واكبها من الثورة الصناعية وماشهدته من جشع وإستغلال رب العمل ورأس المال فى سبيل الثراء بدون سبب مقابل عدم إعترافه بأى من حقوق العمال والخلل الصارخ بين حق العامل وحق صاحب المصنع ..
وقد كانت التجمعات العمالية في بداياتها مُحرمة وممنوعة ويعاقب عليها القانون ولكنها تطورت لاحقا لتصبح وقائع اجتماعية تقرها القوانين... وبما فى ذلك الاضراب عن العمل الذى كان يعد من وسائل عرقلة الإنتاج واستمر على هذا الحال حتى منتصف القرن التاسع عشر الذي شهد نصفه الثاني الاعتراف بحق الطبقة العاملة في حرية العمل وفي التجمع والإضراب لمقاومة الظلم الواقع عليهم وتعسف أصحاب العمل ولحماية أنفسهم في العمل والعيش بكرامة وإكتفاء .
وعلى ذلك فقد تم الاقرار بمشروعية حق الاضراب الذى بدأ في فرنسا مع الثورة الفرنسية عام 1864 ثم تلاه في بريطانيا في عام 1875و بلجيكا عام 1866 والمانيا عام 1869 وإيطاليا عام 1890.
أما فى مصر فقد شهدت تأخراً صارخاً فى تطور ومواكبت المناخ العالمى لميثاق حقوق الإنسان فكان الإضراب عن العمل يُعد جريمة جنائية وفقاً لنص المادتين 124 ، 374 من قانون العقوبات رغم أن الحكومة المصرية إنضمت إلى الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتى وقعت عليها مصر فى 4/8/1976 والتى تنص فى المادة الثامنة فيها بند (د) بالحق فى ممارسة الاضراب ولكن الدولة المصرية تلكأت فى الموافقة الإجرائية لتفعيل نصوصها عن عمد, فلم يتم عرض الإكتفاقية على مجلس الشعب الا فى عام 1981 ثم صدق عليها رئيس الجمهورية فى 1 أكتوبر 1981 وصدر قرار بموافقة رئيس الجمهورية على بنود الأتفاقية رقم 537 لسنة 1981 وتم نشرها فى الجريدة الرسمية فى 8 إبريل 1982. ومع ذلك فأن الإضراب ظل مُجرماً طبقا لقانون العقوبات المصرية حتى صدر الحكم التاريخى رقم 4190 لسنة 86 الازبكية (121 كُلى شمال) محكمة أمن الدولة العليا طوارىء بالقاهرة الصادر فى 16/4/1987.
ولكن عندما قام عمال السكة الحديد بالاضراب عن العمل فى عام 1986 تمت إحالتهم إلى محكمة أمن دولة عليا طوارىء بتهمة مخالفة نص المادتين 124 ، و374 من قانون العقوبات ! .. ولما كان هناك تعارضاً بين نصوص الاتفاقية ونصوص قانون العقوبات انتهت المحكمة إلى أن نص الاتفاقية الدولية نسخ نصوص قانون العقوبات لأنه النص الأحدث، وأورد فى الحكم : ( وحيث أنه متى كان ذلك فإن الاتفاقية المذكورة وقد نشرت فى الجريدة الرسمية فى الثامن من ابريل 1982 بعد أن وافق عليها مجلس الشعب تعتبر قانونا من قوانين الدولة ومادامت لاحقه لقانون العقوبات فإنه يتعين اعتبار المادة 124 قد ألغيت ضمنا بالمادة 8 فقرة (د) من الاتفاقية عملاً بنص المادة الثانية من القانون المدنى التي تنص على أنه لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع، ولا يقدح في ذلك أن المادة 124 من قانون العقوبات قد عُدلت – برفع الغرامة بالقانون رقم 92 لسنه 82 بعد نشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية لأنه إذا كان من المقرر فقهاً وقضاءاً أن الساقط لا يعود فإنه بالتالي ومن باب أولى لا يعدل لأن التعديل لا يمكن أن يرد على معدوم أو مادام الثابت أن المادة 124 قد ألغيت ضمناً بالاتفاقية السابق الإشارة إليها فإنه لا يجوز بأي حال من الأحوال إجراء أي تعديل في تلك المادة لأنها ألغيت ولم يعد لها وجود، مما تكون معه تهمة الامتناع عن العمل قد بنيت على غير أساس من القانون)
ومع ذلك فأن الدولة تفنت فى عرقلة نصوص الأتفاقية والتى تنص المادة 151 من الدستور المصري الصادر عام 1971على أن الاتفاقيات الدولية التي تصدق عليها مصر تصبح جزءا من التشريع المصري..
وفى عام 1989أحيل مجموعة من عمال الجمعية التعاونية للصناعات المنزلية بالمحلة إلى المحكمة التأديبية بتهمة الامتناع عن العمل وانتهت المحكمة فى حكمها إلى براءة العمال من تهمة الاضراب لأنه لم يعد جريمة وأسست حكمها على نفس أسانيد حكم أمن الدولة طوارىء السالف بيانه، ولكن خلال هذه القضية تقدمت الدولة بدفع جديد وهو أن الدولة لم تضع حتى الآن القواعد المنظمة لممارسة حق الاضراب وبالتالى تصبح نصوص قانون العقوبات هى الواجبة التطبيق لحين اصدار الدولة لقانون ينظم ممارسة هذا الحق فردت المحكمة بأن الامتناع عن العمل ( الإضراب) قد أصبح منذ سريان الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي وقعت عليها جمهورية مصر العربية وذلك على النحو سالف البيان اعتبارا من 8/4/1982 حقا من الحقوق المكفولة للعاملين بالدولة (عاملين مدنيين وقطاع عام) ومن ثم فان هذا السلوك لا يعد خروجاً من جانبهم على مقتضى الواجب الوظيفي وخاصة انه لم يثبت من الأوراق انه عند ممارستهم لهذا الحق لم يقع منهم ما يخالف المحافظة على ممتلكات وأموال الشركة التي يعملون بها ولا ينال من ذلك أن المشرع في جمهورية مصر العربية حتى الآن لم يُصدر التشريعات المنظمة لممارسة حق الإضراب لأنه لا يسوغ أن يكون الموقف السلبي مبرراً للعصف بهذا الحق والتحلل من أحد الالتزامات الهامة التي قبل أن يكفلها من قبل المجتمع الدولي وخاصة أن هذا الحق يعد من أهم مظاهر ممارسة الديمقراطية وهو ما أكدته واعتنقته معظم التشريعات في العالم...." ( راجع الحكم رقم 1120 لسنة 17 قضائية تأديبية طنطا الصادر فى 10/3/1991).

ولكن لم تنتهى حالة عداء الدولة لحقوق الإنسان وحق الإضراب عند هذا الحد فقد جاء قانون العمل الجديد رقم‏12‏ لسنة‏2003 بعد أكثر من 25 عاما من المماطلة و التسويف لايؤكد مشروعية حق الإضراب السلمي للعمال ولكن ليلتف حول هذا الحق بإسم تنظيم أحكامه ويحطيه بالعديد من القيود بمقتضي المواد من‏192‏ حتي‏195‏من أحكامه من حيث أنه يفرغ حق الأضراب من معناه تماما من حيث أنه ينص على :
• لا يجوز إضراب العمال بمفردهم‏,‏ ومن تلقاء أنفسهم دون اللجوء إلي منظماتهم النقابية‏,‏ إذ يلزم الحصول علي موافقة المنظمة النقابية التي يتبعها العمال المقبلون علي الإضراب سواء من حيث الإعلان عنه أو تنظيمه
• وجوب قيام اللجنة النقابية بعد موافقة مجلس إدارة النقابة العامة المعنية بأغلبية ثلثي عدد أعضائه بإخطار كل من صاحب العمل والجهة الإدارية المختصة قبل التاريخ المحدد للإضراب بعشرة أيام علي الأقل‏,‏ وذلك بكتاب مسجل بعلم الوصول.
• يحظر الإضراب أو الدعوة إليه في المنشآت الإستراتيجية أو الحيوية التي يترتب عليها توقف العمل فيها الإخلال بالأمن القومي أو بالخدمات الأساسية التي تقدمها للمواطنين‏,‏ ويختص رئيس مجلس الوزراء بتحديد المنشآت المشار إليها.. و صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم‏1185‏ لسنة‏2003‏ بشأن تحديد المنشآت الحيوية أو الإستراتيجية التي يحظر فيها الإضطراب عن العمل أو الدعوة إليه وهي‏:‏ منشآت الأمن القومي والإنتاج الحربي والمستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات والمخابز ووسائل النقل الجامعي للركاب‏(‏ النقل البري والبحري والجوي‏)‏ وسائل نقل البضائع ومنشآت الدفاع المدني ومنشآت مياه الشرب والكهرباء والغاز والصرف الصحي ومنشآت الاتصالات ومنشآت الموانيء والمطارات والعاملين في المؤسسات التعليمية‏.‏


وقد أثبت الواقع أن شروط القواعد المنظمة للإضراب فى قانون العمل المصرى الذى إفرزه مجلس شورى و شعب المزورين و حكومة الحزب الوطنى المنحل بعد ثورة 25 يناير لم يوقف العمال فى جميع إحتجاجاتهم عند بحث الاشتراطات القانونية التى يتطلبها القانون لأنها مجحفة وتصادر بل تلغى الحق تحت مسمى التنظيم..
وقد عادت قوى الثورة المضادة لتكبح جماح جموع الشعب المصرى بعد الثورة وبأداة التضليل الإعلامى و تقنن سن قوانين جديدة ضد الإعتصام و الإضراب و المظاهرات أثناء ساعات العمل الرسمية ففرضت عقوبات بالحبس و غرامات تصل إلى نصف مليون جنيه على من يقوم بمخالفة القانون الذى يصدق عليه الحاكم العسكرى ووصفته حكومة عصام شرف بأنه قانون مؤقت أثناء فترة العمل بقانون الطوارئ وقدمته تحت غطاء القضاء على المطالب الفئوية التى روجت لها الحكومة و الأعلام الحكومى بأن ورائها القوى المتربصة بالثورة من فلول النظام البائد رغم أن المظاهرات الفئوية ظاهرة إمتدت عمرها إلى الأربعة السنوات الأخيرة و تحمل متطلبات عدالة من العمال و الموظفين سواء برفع الأجور وربطها بإرتفاع الأسعار والمساواة فى الدخول وتحسين المعيشة أو التثبيت فى العمل أو إقصاء الإدارة الفاسدة أو مأوى وسكن أو المطالبة بإيجاد فرصة عمل من الأساس لسوق العاطلين عن العمل ؟

وفى 6 إبريل عام 2007 شهدت مصر اكبر موجة إحتجاجات حين نظم عمال المحلة أكبر إضراب شهدته مصر في تاريخ الطبقة العاملة المصرية وساندتهم فيه حركة كفاية و مجموعة من الشباب (يقودهما أحمد ماهر و إسراء عبد الفتاح العضوين السابقين فى حزب الغد ) على الموقع الإجتماعى الإلكترونى الفيسبوك وقد إطلقوا على أنفسهم فيما بعد حركة 6إبريل وأنشئوا صفحة تؤازر إضراب عامل المحلة ووصل عدد المشتركين المتعاطفين مع عمال المحلة إلى حوالى 75 ألف مشترك ، مما أثار رعب و قلق وزارة الداخلية و أركان نظام المخلوع فإعتقالوا منسق عام كفاية السابق جورج إسحاق وإسراء عبد الفتاح و أحمد ماهر لمدد مختلفة وإعتدى أمن الدولة على الأخير بالضرب و السحل وبدأ النظام يترنج فأعلن صفوت الشريف أمين الحزب الوطنى مع نجاح الإضراب إتهام جماعة الأخوان المسلمين بإرتكاب أحداث العنف التى شهدتها مدينة المحلة أثناء الإضراب ...
لقد كان إضراب 6 إبريل بداية جديدة لإندلاع مظاهرات و إحتجاجات و إعتصامات وإضرابات فئوية عديدة فى أنحاء مصر إستمرت حتى 25 يناير 2011 وزدات أثناءها مما كان مؤشرا أن مصر فى طريقها إلى إضراب عام شامل و عصيان مدنى حسم الأمر لإرادة المتظاهرين المعتصمين فى ميدان التحرير فى رحيل رأس النظام الفساد الذى ناور بكافة أسلحته لفض وتحجيم أثر مليونيات ميدان التحرير و لكن تفشى المظاهرات و الإضرابات والإعتصامات الفئوية عجلت بسقوط النظام ..وتهدد ذيوله..
لقد ثبت للجميع فى 25 يناير 2011 فى ميدان التحرير و كل ميادين مصر أن ميلاد وطن حر جديد قد ينتج فى أشد لحظات اليأس والإحباط من سيطرة الأنظمة الشمولية والمستبدة الفاسدة و آلة أمنها و تضليل جيوش إعلامها التى إنتهكت كافة حقوق الأنسان وعطلت الحريات السياسية و المدنية الإحتماعية و السياسية وزورت إرادة الأمة لقد ثبت للجميع فى 25 يناير 2011أن مصر تحتاج فى كل الميادين إلى مفاهيم مختلفة فى كافة المجالات تكون نقطة تحول ووقفة و..أن مصر جديدة تتشكل بشبابها و تاريخها وثوارها تعلن فيها إضرب عن كافة ممارسات ثلاثة عقود من فساد الدولة والحكومة و حزب المخلوع وكل عهود الطغيان
لقد ثبت للجميع فى 25 يناير 2011 أن الإنسان مازال قادر أن يرفص و يثور و يحتج وأن الأنسان مازال قادر أن يدفع ضريبة إستشهده حتى يواجه الطغيان والقهر.. أن الإنسان مازال قادر أن يوقف عقارب ساعة أحلام الطغاة ويضرب عن الطعام و عن العمل و عن الخوف والذل والقهر والمهانة ليصنع بإرادته التغيير صوب حلم ووطن تعيش فيه الروح وتتنفس مع الطيور نسائم الحرية ....
لقد ثبت للجميع فى 25 يناير 2011 أن الإنسان مازال قادر أن يدافع عن حقوقه و يطالب بالعمل والمأوى و السكن والتأمين و التعليم والرعاية الصحية والتكافل ومزيد من أرغفة الخبز لأطفاله لأنه شريك و فاعل ويملك فى ثروات وخيرات وطنه كمايملكه الحاكم والأمن والعسكر و القضاة و اللصوص من أثرياء الفساد..
لقد ثبت للجميع فى 25 يناير 2011 أن الإنسان مازال قادر أن يعبر عن رأيه و يقول للجلادين و السفاحين و أنصاف الألهة و أكلة لحوم البشر وأكلة أموال الأنبياء ..أنا مضرب حتى ترحلوا مع أفكاركم ومع بطانتكم و ذيولكم وأذنابكم للجحيم وإلى الأبد ولهذا فالثورة مستمرة ضد التضليل و كل ورثة فاسدى نظام مبارك ..
خالد طاهر جلالة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاقم أزمة البطالة في الأردن مع امتداد جائحة كورونا


.. إضراب للأطباء في لبنان بعد حكم قضائي في قضية طفلة فقدت أطراف


.. الغلاء والحرب يفاقمان معاناة أهالي اليمن في العيد




.. شاهد: مظاهرات في جنوب إفريقيا احتجاجا على مقتل فلسطينيين في


.. الفريق أسامة ربيع: يوم 29 مارس سيظل محفورا بحروف من نور في ع