الحوار المتمدن - موبايل


مقدمة لفينومينولوجيا الموسيقى

الاخضر القرمطي
(William Outa)

2011 / 6 / 18
الادب والفن



ترجمة: الاخضر القرمطي
النص الاصلي:
Introduction a une phenomenologie de la musique
http://ehvi.ens-lyon.fr/IMG/pdf/Introduction_a_une_phenomenologie_de_la_musique.pdf
تجربة موسيقية وفينومينولوجية
ما يراد به هنا هو القيام بنوع من الكشف عن بعض المشاكل المصاحبة لوصف الظاهرة الموسيقية.ولكن،باعتبار ان الواقع الصوتي يبدو لنا بمنزلة الصيرورة (وليس شيئًا حاضرًا هناك امامنا كرسم)،لا يتحقق بالفعل الا بادراكنا له،وفي حين نمتثل له ونساهم باعطائه بشكل خاص معنىً موسيقيًا (اي معنى جمالي في النسق الموسيقي)،يبدو لنا ان استعادة فينومينولوجية لتجربة كهذه ما يسمح لنا بأن نقارب اكثر ما امكن "الشيء الموسيقي بذاته".
في الحقيقة،فينمومينولوجيًا، يمكن ان نعتبر ان كل تجربة تُبنى وفق شكل معيّن يرتد الى خاصية الموضوع الذي يكون من شانها. حينئذٍ،كل نمطٍ جوهري للموضوع يحدد اسلوبه في المعطيات الادراكية، والذي بدوره يكون مؤسِسا لهذا الموضوع عينه بمقدار ما يكون من الآن فصاعدًا خاليًا من المعنى. هكذا،وفيما يخص عملاً جماليًا وبالاخص موسيقيًا،علينا ان نبقى اوفياء للتجربة التي نخضع لها لدى استماعنا، وان نتجنب كل اسقاط غير مناسب، افهوميًا كان (كأن نسقط مسبقًا مقولات موسيقية عامة على كل مقطوعة بينما تكون هذه متفردة بطبيعتها) أو سيكولوجيًا (كتلك الافكار والتمثلات التي تستحوذ ذهننا بتلك اللحظة،ولكن التي لا تتصل بثة على الارجح مع ما نستمع اليه).
كذلك لا يجب النظر كما لو ان "الذات المستمعة مجرد متلقٍ بسيط سلبي، بل كواحدة من السلطات (مع المؤلف والمفسّر) التي تشارك في بناء معنى العمل الموسيقي كظاهرة موسيقية، كما أن في التنظيم المتفرد للعمل (الذي ينتمي ايضًا الى اللغة الموسيقية لعصره) الذي يتطلب في البداية نوع من التفهم يمكن ان نمتلكه والذي يمكن ان يوجه المعيوش باتجاه نوع معين من الاشتغال.
ان كل ترتيب سمعي يوصف بالـ"موسيقي" يعيّن علاوة على كيفية الاستماع التي يقدمها على انها ليست مجرد تتابع للنوتات،اي تراكم صوتي،ولكن كهذا الذي يسمى بحق "مقطوعة"، اي كنتيجة مسموعة لتحضير معقد وفريد لمادة صوتية كـ"كلية موسيقية".
هكذا،يبدو من الضروري تتبع انبساط عملٍ كهذا، وذلك في ما يكونه بالضبط منتظمًا كإحكامٍ صوتي مقصود، بغية الاستحواذ على المعنى.
ولكن بالتحديد، باعتبار ان الاقتضاء الخاص بإصغاء يبغي ان يصبح في نهاية المطاف "موسيقيًا" يتطلب بعض الجهد، فان الذات تشترك بالمقابل بجعل المعنى الخاص بتلك المقطوعة او هذه نافذًا، والا سيبقى-اي الاصغاء- مفتقرًا للشرح او سيختلط مع تنظيم العمل نفسه .
هكذا،يجيز التحليل والاستماع، بمقدار خضوعهما للعمل، "العبور نحو الموسيقي".
في موضع آخر، تتسبب الاعمال الفنية بالتجارب الجمالية،وهذه الاعمال بطبيعتها المتفردة (الفذة والاصيلة) لا يمكن تناولها كمجرد مثل يشكل تغيّرًا جوهريًا يتيح استخلاص شكل جوهري للتجربة.
ذلك ان المشكلة تكمن في ان اساليب ظهور الاعمال الفنية هي بحد ذاتها متفردة بمقدار ما تعيّن هذا العمل او ذاك وليس آخرًا: فالانتاج البشري لا يمكن وصفه بانه عملاً فنياً الا عندما يُظهر في جانبه الحسي نوعية متفردة تجيز وصفه على انه فني.
يعرض العمل الفني اذًا في كل مرة انفتاحًا نحو عالمٍ ما،ويجيز كذلك ادراكًا، بتواردٍ مع الاستماع، في حركة ما تخصه: يمكن لنا اذًا ان نصفه بأنه " شبه ذات"(1).أكان مقطوعة بنوع خاص او مجموع انتاج مؤلف موسيقي) فهل بامكان العمل الموسيقي ان ينقل لنا طبيعة الموسيقى ذاتها،وافتراض فردية ووحدة كل مقطوعة على قدر من الاهمية، كما الطراز الفريد لكل مؤلف كبير (بدون حتى ان ناخذ بعين الاعتبار اختلافات اللغة عبر العصور)؟
مذّاك، وبغياب امكانية ان نستخلص من الفن او من الموسيقى ثوابت ستعطي شكلاً قبْليًا لهذا النوع من التجارب، هل يمكننا بالمقابل ان نجعل بعض التجارب المعاشة وبنى التجارب المعاشة الخاصة بادراك يمكن ان يصبح موسيقيًا،ان نجعلها جلية واضحة،وذلك عبر كل عمل فريد؟
سيتوجب لهذا السبب ان نثبت نوع خاص من الترتيب (الإحكام) الوعيي الذي بإمكانه ان يكون مركّبًا ومنفتحًا على بعض الامور اللامتوقعة كما تبدو في الابداع الجمالي الموسيقي، متحصلاً حتى على بعض امكانيات المعنى الواضحة المتكشفة خلال الاستماع، اولاً بأول مع انفراد هذه الصيرورة الخاصة بانبساط هذه المقطوعة بالذات وليس أخرى.
كيف يمكن تحقيق وصفًا يراد به ان يكون فينومينولوجيًا لتجربة موسيقية، ان وجُب اقصاء ماهية تُحدد مسبقًا لتلك التجربة؟ الا يمكننا ايضًا الا نامل ان نضع بعض "العموميات التجريبية" تخص بالفعل التجربة الموسيقية بما لها من خاصية عبر كل عمل مفرد؟
ولكن سنتجنب مع ذلك، بحجة العودة الى الاسس الحسية لتجربة كتلك، ان نختزلها الى تركيبة من الاحساسات الصوتية. وكذلك ايضًا، سيتوجب تحاشي، من ناحية، القيام باسقاط فوقي لافاهيم من كل الفئات العمومية جدًا، ومن ناحية اخرى، استدعاء مذّاك شعور مباشر (ذاتي نحض وتجريبي)، والذي من منطلق نفسي، سيكون بالغالب ممزوجًا، ومختلطًا بالعمل الموسيقي ذاته، كما مع تجارب معاشة اخرى تنتسب الى تجارب من نوع آخر، جمالية، أدبية او شعرية مثلاً.
بالفعل، فان طرح وصفًا لبنى التجارب المعاشة القائمة في هذا النوع المحدد من التجربة التي هي احساس موسيقي، يجب ان يأخذ بالاعتبار ما يجعل من "التفرد الماهوي" خاصًا بالتنظيم الصوتي، كما بالمعنى الموسيقي لكل عمل بشكل خاص، والذي يقصده المستمع حقيقةً.
خاصية الادراك الجمالي
لأجل ذلك، يجب اولاً ادراك ان الاحساس الجمالي لا يتحقق حول طريقة الاحساس بحقيقة خارجية، لأنه يجب الاشارة، خلال تكوينه، الى المعنى الجمالي بشكل خاص والذي باتجاه سيذهب بنا العمل الموسيقي. في تجربة كهذه، لا ندرك العمل الفني بحد ذاته كموضوع في العالم، ولكننا نتعقل ما يوسمنا بالابداع (الفانتازيا). اننا اذًا ضمن النظام الذي يسميه هوسرل "الفانتازيا الادراكية": إن شيئًا ما ينتسب الى الخيالي "يُدرَك" بطريقة "كأن".(2). ويجب ايضًا تحقيقُ "تحييدٍ" للوضع في شكل، بطريقية ادراكية أو منتجة، حدسية ولكن ايضًا غير حدسية جزئيًا". ويضيف هوسرل في ما هو أبعد من ذلك:" نحيا في الحياد، لا نحقق، قبالة المُحدَس، اي موقف فعال اطلاقًا، كل ما يحصل هناك أمامنا، ما هو هناك في الاشياء وفي الاشخاص، ما هو هناك يُقال عنه انه فعل، ألخ. كلٌ له سمة "الكأنه".." اي الاثر الفني كموضوع او مجرد تمثيل، من دون ان يُلغى بالرغم من ذلك.
بالفعل، لا يُصار هنا الى تحقيق إختزالٍ حقيقي، ولكن الى الاحتفاظ بما يتجه ناحيتنا بإعتباره في الحقيقة شرطًا ضروريًا (ولكنه غير كافي) لإنطلاق تجربة كهذه، اي الأثر الفني بذاته عبر تجلّيه الحسي. زيادة على ذلك، سنرى ان في التجربة الموسيقية، ستأخذ الفانتازيا الإدراكية شكلاً خاصًا كليةً.
بدايةً ، في إطار هذا الارتباط بين فعل التفكير وموضوعه القصدي noético - noématique في العمل الفني في كل هدفية للمعنى ، يبدو لنا أنه من الضروري أن نعبر اليه عبر تبيان ووصف لبعض الخصائص الخاصة بالعمل الموسيقي ، وذلك قبل أن نسأل أنفسنا ما قد يكونه الإدراك الموسيقي. نود أن نظهره [العمل الموسيقي] من خلال فحص إثنين من ابرز مظاهره:
-- من جهة أولى،ان كل مقطوعة تنبسط/تمتد في مسيرة زمنية من التزمين temporalization، مع كل التبعيات الاشكالية التي ستترتب على ذلك بخصوص كيفية فهمها.. في الواقع ، فإنه من المستحيل تحديد دفق صوتي كهذا بكليته كيف يصير وكيف يتلاشى. آنذاك، كيف بالامكان حقًا إمتلاك وحدة (معنى) العمل الموسيقي اذا لم تقدم نفسها بكليتها لانها ليست موضوعًا واقعًا هناك امامنا، واي قانون يمكن ان نربطها به؟
-- من جهة اخرى ، يمكن اعتبار أي مقطوعة كنوع من "الخطاب الموسيقي" (3) كجزء من بنية معينة : "المؤسسة الرمزية" (4) الموسيقى باعتبارها لغة (وبينما هذه تتطور عبر العصور ). ولكن،وبنوع من المفارقة ، إن كان يمكن للموسيقى ان نتتمي إلى نوع من اللغة ، فإنها لا تُرَد رغم هذا الى اي دلالة خارجة عنها : على هذا النحو ، الموسيقى لا تريد ان تقول شيئًا، لأن معناها هو ملازم immanent حصرًا لانبساطها الخاص(5). يبدو أن المرء لا يستطيع أن يرى عبر هذه الصيرورة الموسيقية وحدةً دلاليةً دقيقة :
بناءً عليه، نقع في نوع من اللاتعيين في التعيين. فكيف إذن نثبت حسًا داخليًا للصيرورة الموسيقية ، مع تجنب اسقاط دلالات خارجية؟
بعدئذٍ، نتساءل ما الذي يجعل من إصغاءٍ ما موسقيًا، اي مكتملاً كليًا بهذا المعنى الى حد انه سيتجّه نحو نوع من "التفهّم الموسيقي"(6) الذي سيترافق مع نوع من الشعور الذي سيمضي مستمرًا بتعمّق؟
لا يمكننا اعطاء ردًا اوليًا الا بالاخد بعين الاعتبار منهجيًا الظاهرة الموسيقية هذه كما يقدمها، و بان نتركه ينبسط بدون تعيينه بطريقة او بأخرى، ولكن بمحاولة فقط وصف ما يدخل في اشتغاله، وبأن نلتمس اي صنف او اصناف من الفعل ذا الشأن.
وسيتوجب لذلك تجنب تقديم أحادية مفرطة لحاجتنا في التمثيل والوضعنة ، والسعي سريعًا للقيام بتحليل فينومينولوجي لا يجعل من الموضوع استعادةً انعكاسية قبالة الصعوبات التي تطرحها اشكال الظهور المحددة للغاية لظاهرة كهذه.
ينبغي أن نسأل دائما ما يعنيه حقا الاستماع الى إبداع صوتي بإعتباره موسيقيًا ، من أجل الامساك مرة اخرى فينومينولوجيًا بالشعور بالخبرة الجمالية: كيف يحصل عبورٍ كهذا الى الموسيقي musical ، بمعنى الانطلاق من نسقٍ صوتي منظم كتتابع وتراكبٍ من النوتات الموسيقية ، التي تشكل بذاتها معنىً، لكي نصل الى امتلاك الحس االموسيقي الخالص والذي يؤلف بدوره "إدراكًا موسيقيًا" داخل الوعي الجمالي؟
إن المسألة برمتها تكمن في القدرة على إثبات مثل هذا الحس الموسيقي، باعتباره ملازِمًا حصرًا، وفي فهم ما هي طبيعته الحقة لكي نمنحه قانونًا، وهذا من اجل ان يُسمَح بالقيام بتحليل لتركيبته بإستعادة انعكاسية لا تكون إعادة بناءً محضة او بسيطة.هكذا، يتوجب تحاشي كل اضافة لدلالة خارجية على الصيرورة الموسيقية بذاتها، من دون الاكتفاء بنوع من وصف الحقيقة الموسيقية التي تبغي ان تصبح شعرية، وحيث العبارات "دقيق" و "فائق الوصف" تتكرر في كل صفحةٍ، مع الاشارة طبعًا ،هنا، الى الخاصية المراوِغة، لا بل الغامضة والسحرية للموسيقى، ولكن من دون التقدم كثيرًا بهذا المقدار عندما يتعلق الامر بنوعية الظاهرة الموسيقية: إن خطابًا كهذا لن يقوم سوى بترجمة أمزجة مؤلفه. لأنه في المحل الاول بالاستماع دومًا وابدًا نستطيع ان نفهم الموسيقى باعتبارها كذلك.
________________________________________
________________________________________
1 Cette notion est explicitée par M. Dufrenne dans son ouvrage Phénoménologie de l’expérience esthétique,
PUF, Paris, 1953, pp. 196-197 : « […] [l’objet esthétique] est toujours unifié par sa forme, et la forme est une
promesse d’intériorité ; il porte en lui son sens, il est à lui-même son propre monde, et nous ne pouvons le
comprendre qu’en demeurant auprès de lui, en revenant toujours à lui. »
2 Husserl, HUA XXIII, tr. fr. sous le titre : Phantasia, conscience d’image, souvenir, tr. R. Kassis et J.F.
Pestureau, Millon, coll. Krisis, Grenoble, 2002, texte n°18 b, pp. 486-487 : « L’art est le domaine de la phantasia
3 Nous reprenons le titre d’un ouvrage de N. Harnoncourt, qui a fait date en ce qu’il a contribué à lancer le
mouvement d’interprétation sur instruments d’époque dans le respect du style propre aux oeuvres.
4 Selon l’expression employée par Marc Richir dans ses ouvrages. Appliquée à la musique, elle correspond à la
mise en place d’une systématisation des paramètres sonores en un langage musical, structuré de différentes
manières selon les époques.
5 Nous en resterons essentiellement à la musique instrumentale du XVIIIème et XIXème siècles, c’est-à-dire à ce
qu’on appelle la « musique pure », en ce qu’elle n’a pas de rapport à un texte et vaut donc par elle-même. A
noter en outre que la musique instrumentale s’inscrit essentiellement au sein de l’institution symbolique de la
tonalité propre aux périodes classique et romantique.
6 B. de Schloezer, Introduction à J.S. Bach, Gallimard, Paris, 1947, pp.33-34 : « […] comprendre une oeuvre
musicale consiste en une certaine façon de l’appréhender en elle-même. », ce qui consiste « […] à la saisir en
son unité, à en effectuer la synthèse. »








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من الحرمين | مكتبة الملك عبد العزيز العامة اتخذت خدمة الثقاف


.. أول مرة من أوضة العمليات?.. عشنا مع الفنانة الكويتية هند الب


.. الكوميدي اللبناني چاد بو كرم في مواقف طريفة مع أمل طالب في ا




.. Go Live - الممثل علي منيمنة


.. Go Live - الممثل علي منيمنة