الحوار المتمدن - موبايل


الريف والمدينة قريتان ليس ألا....

فريد الحبوب

2011 / 6 / 19
العولمة وتطورات العالم المعاصر


تضج البلدان بالنمو البشري ويزدهر على حدا سواء ريفها ومدنها بكل المتغيرات الايجابية بشكلها العمراني والتكنولوجي والصناعي فالرفاه صار سمه لكل جوانب الحياة والترابط الاجتماعي الهائل الذي وفرته وسائل التكنولوجيا هيئ للإنسان هيمنة على الزمان والمكان الذي بات طوع أرادته وهو أحدى الدلائل على مدى تقدم الحالة الاجتماعية في ظل العلم، كما تعلو وتعلو حتى ناطحت السماء المباني الزجاجية والخرسانية وغيرها من ابتكارات هندسية رائعة التي لم تعد تفكر بالعوائق أمام أي منحى في سبيل تجميل المدن بالتصاميم التي كانت في وقت ما ضرباً من الخيال، كذلك التطور الصناعي والعلمي والتكنولوجي الذي شمل كل شيء وأصبح يغطي جميع نظم الحياة بعلاقة طرديه مرة وعكسية مرةٍ أخرى مع الإنسان والمجتمع. فالمدن ألان مليئة بالمتروات وأجهزة الاتصال المتنوعة ومولات وباركات ألعاب بإشكال عجيبة وملاعب عملاقة تكون بين يوم ويوم محفل لعشرات ألاف في عرس عفوي وشوارع وجسور متحركة وجامعات ومستشفيات ومصانع ودور سينما ومسارح ومركبات مرفه ومقاهي ومطاعم تملا الجادات وإشارات ضوئية مختنقة بالسيارات والبشر.
كما يشهد الريف في أوربا ودول أمريكا وبعض دول أسيا اهتمام وحرص كبير على عدم إيذاء طبيعته وسرقة روعته إذ يرفد بأخر البحوث والاستنتاجات حول النباتات والأشجار والحيوانات مع ابتكارات تخص تسهيل جميع وسائل الزراعة وزيادة المحاصيل والكثير من المسوغات والأسباب التي توفرت لتدفع بابن الريف على البقاء في مكانة دون الحاجة إلى ترك طيوره وأسماكه وحيواناته وأرضة كما تم الحفاظ على قيم وثقافة مجتمعهم بشكل دائم من عمق أيمانهم الديني والتلاحم القوي في العلاقات الاجتماعية والود وكرم وافر وفياض وحماسة المساعدة دون مقابل. لذلك ترى أغلب أرياف العالم ومدنها أصبحت أكثر نموا وتطوراً وكسبت تحولات لا تحصى في شتى جزئياتها مع الإبقاء على نوعية الحياة. حيث لم تمزج التطورات الريف بالمدينة ولم تنقل ميزات الريف إلى وسط المدينة وحافظ كل منها على صفاته وميزاته وبقيت خصائص كل منهما متناقضة ومنفصلة بعناوين مترامية المعنى والحقيقة، فالأفرازات الايجابية التي أتى بها التطور لم تغير من منظور ابن الريف لحياة المدينة المعقدة كي تدفعه للتخلي عن حياته فهو يرى هناك أفرازات سلبية حيت خُنقت السماء على الإنسان وأكثرت من الدخان وغاب الكثير من جوانب الطبيعة وأنتجت النفايات الكيماوية والتكنولوجية التي تضر بصحة الإنسان وما بين مدينة صاخبة بالعلوم والاختناقات والكمالات الصحية والترفيهية والتجارية والتي لا توفر بالتالي بيئة معيشية مثلى، ظل يعتقد بشكل راسخ إن الريف الذي ينعم بالهواء النقي والمناظر الطبيعية الخلابة وتحولات الأشجار بين الثمر والقطف في دورة الفصول والهدوء وبساطة الحياة واحتفال ومؤازرة ألأقارب والجيران لعدة أيام في عرسها أو جنازتها هو ألأفضل في نظرة. لذلك بقاء خصوصية كل منهما دون أن يستولى أحدهما على ألأخر هو الأفضل وهو ما يغوي إنسان المدينة حين يفكر بالابتعاد عن الضوضاء وصخب الشوارع وضنك الحياة بالذهاب صوب الريف من اجل استنشاق الهواء النقي والتمتع بسطوع الشمس فوق المروج والعيش لفترة دون أربع جهات تحيطه بالكونكريت يبعث من أحد شقوقه هواء المكيفات وسقف واطئ ينسيك روعة السماء. وفي المقابل يذهب إنسان الريف لتبضع وتعويض نواقصه من الحاجيات والخدمات والنظر لكل ما هو شاهق وغريب عن عالمة متأملاً سلوك الناس السريع والمنفعل والعادات التي تختلف اختلاف كلي عن ممارساتهم وتصرفاتهم وحركة السير التي تذهب بالآلاف وتأتي بالآلاف. فأجيال الريف ترث عاداتها وأرضها وزرعها عبر أجيال، وأجيال المدينة ترث مميزاتها والاثنان يسيران جنباً إلى جنب معتمدين منظومة تبادلية رائعة يزدهران من خلالها. وما عساني أقول عن ريف ومدن العراق فهي بخلاف كل مدن وأرياف البلدان، ليس في المدينة ابسط أسس المدينة فلا كهرباء ولا ناطحات ولا مراكز تجارية ولا اختناقات مرورية منظمة ولا سينمات ولا مسارح ولا شركات أو مصانع على أطرافها بل مزابل ونفايات وأحياء غارقة بجيف الكلاب والبؤس غيمة تمنعك من رؤية أي زرقة ابقي الله عليها فوق العراق أما منازلها شاحبة كسيرة تملاها المواشي. مدن أشبة ما تكون بما قالهُ السياب (خرائب أنزع الأبواب عنها تغدو أطلالا) وفي رأيي مع الأبواب هي ألان إطلال. مدن تطوف بها وتستشعر أنها للتو أفُرغت من الغزوات والدمار.وأما بغداد فقد جعلوها العباسيون دائرية التصميم إيحاءا منهم بدون علم أن الزمن والإحداث ستعيد نفسها بنفسها وما مر يمر مرة أخرى فمن حصار ألمأمون إلى هولاكو وحصار الخرسانيين والعثمانيين وغيرهم حتى يومنا هذا وهي تحاصر وتضرب من كل الجهات ليجعلوا منها رماداّ مثلما أورثها التاريخ كل أشكال الرماد. أما الريف تلاشت لم يعد مسافة يعطي صورة محسوسة تدل على خصوصيته كريف، فقد جف منبعه دجلة والفرات وتلاشت ملامح الطبيعة واجتثت البساتين وقل النخيل وضيق على الأراضي الزراعية حتى دمر الكثير منها بالبناء والتصحر وما بقيت ساقية تذكر ولا جداول تجري وهَجر معظم أهلها منازلهم وجاءوا لمراكز يكثر فيها السكان بشكل عشوائي ضناً منهم أنها المدينة بحثاً عن العمل ولقمة العيش والخدمات وبالتالي خسروا حياتهم الهادئة المنضبطة ليكونوا ضحية التذبذب بين عادات وتقاليد ريفية وحضرية وليندثروا في زحام الفوضى والعمل المضني وخسران عملهم البسيط والمحبب الذي يشعرهم إن زراعة الأرض ترضي الله وتقربهم له، ولكن لابد من الإشارة إن مجتمع الريف في العراق اضطروا للهجرة وأرغموا على ترك حياتهم وخصائصها الجميلة والمتواضعة في كل نواحيها.
لم يعد لدينا ريف ولا مدينة فالأول بشكل أرض قاحلة مغطاة بالتراب والجفاف يلثم كل شيء والاهوار تتلوى من العطش وفلاحوها بعيدون ضائعون يجهدون أنفسهم في التخلص من حمى ألاضطراب والفقر، كما ضاعت معظم مظاهره الخارجية التي كانت تقودنا أليه ونقول ( ذاك هو الريف) والثاني مدننا التي نزحت منها معالم المدينة، بلا خدمات بلا صحة، مغبرة، طاعنة في النزق والأوساخ بيوتها بلون القبور والناس تموج بها بلا قانون ولا نظام، ولا مباني شاهقة أو مصانع ولا جامعات بحق تحملك مميزات الجامعة، المسارح فيها حائط رمادي يتكأ على أسى رعبٍ قديم وخيبة أمل محاصر بفساد واستهزأ. ضاع الريف وضاعت المدينة ولا شيء منهما يفضي لمسميهما فلا تستطيع على البعد إن تقول تلك مدينة كما لا تستطيع على البعد إن تقول هناك ريف ونحن بينهما جيئاً وذهابا نتنقل بقرى مشتته جثا عليها الخراب والدمار وخطانا ثملةٍ بالضياع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جثث ضحايا كورونا في الهند إلى الأنهر.. | #غرفة_الأخبار


.. شاهد.. الرياح تقتلع سقف مبنى في روسيا


.. غارة جوية إسرائيلية تستهدف مقر استخبارات -حماس- شمالي قطاع غ




.. اليابان تجري أول مناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة و


.. خروج قطار شحن عن مساره في روسيا