الحوار المتمدن - موبايل


على هامش -من أوراق العمر-..

ريما كتانة نزال

2011 / 6 / 20
القضية الفلسطينية


"النابلسيون"، أينما أقاموا، مغرمون بمدينتهم. وقلما نجد من يتغزل او يعبر عن تعلقه وارتباطه بمدينته كأهل نابلس، والأمر ذاته ينطبق على الكاتب "غازي الخليلي"، حيث تتسع المساحة التي تشغلها نابلس في السيرة الذاتية "للخليلي" المعنونة "من أوراق العمر" التي صدرت مؤخرا عن دارالشروق .
ربما تأخر "الخليلي" في تسجيل سيرته الذاتية. فالأمور غالبا ما تكون واضحة وهي أمامنا على عكس التجارب التي لا تتضح معالمها وحيثياتها الا عندما تغدو خلفنا. فمن الواضح ان الكاتب قد فكر في كل شيء خلال مرحلة زمنية مليئة بالاحداث والمحطات المفصلية، والتي امتلك مواقف ازائها ولعب دوره في أحداثها، مما حفزه أن يحشر أوراق عمره بين دفتي كتاب، آملا في أن تعتبر لاحقا من ضمن التجارب المشكلة لمفردات المرحلة الأهم في متابعة الفلسطينيين لاستقلالهم من جانب، ولمعاصرتها وقوع "النكبة" وآثارها المدمرة على الشعب الفلسطيني، الى جانب معايشته لاستكمال الاحتلال الاسرائيلي لكامل الارض الفلسطينية. فكلا المنعطفين الكبيرين المصطلح عليهما بالنكبة والنكسة سرّعا في اذكاء التفاعل الشعبي الفلسطيني مع مجريات الأحداث وصولا الى بزوغ فجر الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة. في هذا السياق شهدت المرحلة نشأة وتأسيس التنظيمات الفلسطينية أو استقلالها عن الاحزاب العربية التي كانت مُدغمة بها. فالكتاب يمكّن من الاطلاع على بعض أوراق التاريخ الفلسطيني ولو من زاوية ورؤيا شخصية، الا ان الكاتب سكت عن الكلام المباح عند بداية السبعينات واعدا باستكمال مشروعه وعرض أوراقه المتبقية من تجربته السياسية والنضالية.
تعني نابلس الكثير "للخليلي" الذي يحمل اسم عائلة يوحي بالانتساب الى مدينة الخليل الفلسطينية. فنابلس تحتل مكانها في كل زاوية من مبنى السيرة، ويستطيع القارئ أن يلمس تشرب الكاتب لتفاصيل ما يرتبط بها. فتطل علينا خارطة حاراتها الضيقة التي تتعانق فيها البيوت مع بعضها البعض بحميمية بالغة، كما تحضر نابلس في أوراق عمر الكاتب في مساحة تتربع على أكثر من ثلث صفحات الكتاب. ربما كنت أود أن يتوسع أكثر لتنفتح العين على مداها وبما يظهر أكثر الخصوصية النابلسية وتأثيرها على تكوين أهلها. فوقوع المدينة بين دفتي جرزيم وعيبال، وتاريخها العريق الذي شهد أشكالا عدة من الصراع لطمع الغزاة في السيطرة على المدينة، مما ترك الأثر على صياغة خصوصية المدينة السياسية والاجتماعية، وفي رسم معالم الشخصية المميزة لأبنائها.
يحتفظ الكاتب في ذاكرته صور أزقة نابلس وزواريبها الالتفافية التي يضيع حتى أهلها في بعض خباياها. انها مدينة مبهرة بجمال أقواسها وأسرار أحواشها. هي المدينة التي تهمس بحداويتها وحكاياتها مساءً، ولا تنام دون تداول أحداث النهار في الشوارع وعلى المقاهي. وكيف لا؛ وهي البلد التي يجمعها نسيج متجانس لكثرة ما يتزوج أهلها من بعضهم البعض، للحد التي أصبح فيها الزواج من المدن او القرى الأخرى من الأمور النادرة؛ وللدرجة التي أصبح فيها تخصيص أبناء المدينة لبناتها في حكم العادات والتقاليد، والتي ما اخترقت الا بعد الاحتلال بمدة ليست بالبسيطة. لذلك امتلكت نابلس خصوصية التماسك والتشابك العائلي المتين.. او ما يمكن أن يوصف به أهلها من صفة التعصب لمدينتهم. فقد ساهم التماسك العائلي في خلق عوامل التأثير المشترك وعناصرالاحساس والحراك الجماعي لدى أهل نابلس. ومن هنا يمكن ملاحظة الانحيازات النابلسية الجماعية للافكار والمعتقدات وكذلك في عملية الانتظام في الحركات السياسية. كما يمكن من خلال ذلك الاضاءة على الدور الذي لعبته نابلس في منتصف القرن الماضي في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية متقدمة على غيرها من المدن. وللتذكير فإن شرارة الاضراب العظيم في عام 1936 كانت قد انطلقت ضد الانجليز من مدينة جبل النار.
لم تكن حياة الكاتب سهلة ووردية، بل عانى مع اسرته من شظف العيش. وقد ساهمت النشأة القاسية في أن يكبر قبل أوانه، ويتضح تأثيرها كذلك في عمق انتماء الكاتب وانشداده لأسرته. كما ساهمت النشأة وكابن لعائلة كثيرة العدد يقضي أفرادها يومهم في الكدح والعمل في فرن الوالد لكسب لقمة العيش، أو العمل بأجر في الاجازات المدرسية، في تغذية طموح الخليلي ودفعته للخروج فكريا من جدران البيت ومن البيئة المحلية، للتعرف بعمق على كنه ومعنى الحياة بمعناها الأوسع ليحلل تشابكاتها وتعقيداتها. لذلك كان قارئا مستفيضا الأمر الذي أكسبه الوعي والواقعية والمبادرة والثقة بالذات.
لقد بدأ تشكل الوعي لدى "الخليلي" مبكرا، ودفعه استكمال الاحتلال لمشروعه التوسعي الى حسم خياراته باتجاه التوغل في المشروع الوطني العام ليصبح مشروع حياته، لذلك نراه وقد رتب ايقاع حياته على وقع ودبيب الحياة الفلسطينية وموازيا لها مستمعا وملبيا لنبضاتها.
" من أوراق العمر" للكاتب "غازي الخليلي" مكتوبة بلغة سهلة وبسيطة لا تخلو من تشويق القراءة المتواصلة، والكتابة عنها لا تكتمل الا بعد استكمال الجزء الثاني من السيرة، وهو الذي أفترض بأن يكون أكثر تعقيدا واشكالية. حيث توقف الكاتب عن الكلام المباح في العام 1970 مسجلا الكثير من النقد للسياسات المغامرة حتى تلك الآونة.. ولا أشك بأن المراجعة النقدية لمفردات المراحل التالية - التي تتميز بالمعطفات الحادة الممزوجة بالخلافات والأخطاء - لن تدخله في الزجاج .. ومع كل الاحتمالات الواردة، وحتى لو كلفت مغامرة الكتابة إلى أن يضع الكاتب نفسه خلف الزجاج ليرشق بذات الحجر الذي رماه، فإنه في كل الاحوال سعى نحو توثيق وتسجيل حكايته لاغناء المكتبة الفلسطينية وجاهز لدفع الثمن..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش اليمني يصد هجوما للحوثيين على مأرب ومقتل 45 حوثيا


.. نشرة الصباح | الصين: بقايا الصاروخ سقطت في المحيط الهندي جنو


.. شاهد: بمناسبة الذكرى السنوية الـ85 لتأسيسها.. مسلة بوينس آير




.. مشروع -زور البدرشين- يجذب السياح الزائرين للأهرامات | #من_ال


.. نصرة للمسجد الأقصى.. شبان من قطاع غزة يشعلون الإطارات المطاط