الحوار المتمدن - موبايل


جمعة هدم الجدار في بلعين

ريما كتانة نزال

2011 / 6 / 26
القضية الفلسطينية


وجهت "بلعين" رسالتها، في جمعة هدم الجدار، تطالب فيها من جانب بتسريع تنفيذ الاحتلال لقرار المحكمة وإزالة ثلاثة حواجز من الاسلاك الشائكة المتجاورة، والتي تؤدي ازالتها الى استعادة أكثر من الف وستمائة دونم من اراضي بلعين وصفا وخربثا، والى اعلان قرارها استمرار فعالياتها الاسبوعية لحين استعادة آخر دونم من أراضيها من جانب آخر، عملا بالمثل الشعبي "ما بضيع حق وراءه مُطالب".
بدأت الملحمة البلعينية في العشرين من شباط في العام 2005 لتصبح كأحد أشهر نقاط الاشتباك الشعبية مع الجدران الاحتلالية والاسلاك الشائكة. وبعد أكثر من عامين على المقاومة الجماهيرية المنتظمة؛ استطاعت "بلعين" أن تحصل على قرار قضائي في العام 2007 يقضي بتفكيك أجزاء من الجدار، لكن اسرائيل المارقة عن تنفيذ القرارات مهما كان مصدرها ماطلت في التنفيذ اربع سنوات ولا زالت مستمرة في نزع القداسة عن كل قرار يخرج عن اعتباراتها الاحتلالية، وإن كانت تعلن باسم جيشها عن نيتها التنفيذ.
شهيد وشهيدة، مائة واربعون معتقلا، وألف وأربعمائة اصابة كانت حصيلة تضحيات مقاومة اليد للمخرز. وعلى مدار نصف دزينة من السنوات لم تستطع آلة القمع أن تكسر النموذج المقاوم حيث نجح المقاومون في الحفاظ على جذوتها، واستمرت الظاهرة البلعينية لتصبح قِبلة للفلسطينيين ونقطة جذب للمتضامنين الدوليين من جميع أنحاء العالم، يحجون الى القرية الصغيرة للتعبير عن رفضهم سرقة الأرض؛ وللمشاركة برمي "ابليس" الاحتلال بالحجارة، وكذلك للتعبير عن الالتفاف حول النموذج الجديد للمقاومة؛ وهو نموذج سلمي شعبي يعمل بطريقة التركيم ويتعزز بالممارسة والبناء عليه.
بلعين، أحد النماذج الفلسطينية المتصدية لسياسات الاحتلال في مصادرة الأرض، وقد سارت على خطى مناطق أخرى استعادت بسواعد ابنائها الأرض بموجب دعوى قضائية حصلت على قرار من المحاكم الاسرائيلية يعتبر مسار الجدار غير قانوني آمرة بإزالته. وبذلك أعطت درسا جديدا بأن الحق لا يضيع ما دام يقف وراءه مطالب عنيد، وقدمت المثال لنتيجة النضال الذي لا يتردد أو يساوم.
لم تقع "بلعين" في فخ سياسة التسويف والتبخيس التي دأب الاحتلال على جر المواطنين اليه، عبر منحهم بعض المكاسب الصغيرة والفتات، حيث رفض اهالي بلعين تقديم الطلبات للحصول على التصاريح للدخول الى أراضيهم المهددة بالمصادرة، بل كرسوا عملية الدخول لحرث وزرع وحصد الارض دون أن يتمكن أحد من منعهم من حقهم الطبيعي، في الوقت الذي عانت فيه المناطق التي لجأت للحصول على التصاريح من تعقيدات جمّة حالت دون تواصل المواطنين مع أراضيهم.
يتوفر لبلعين ولغيرها من النماذج الفلسطينية المقاومة مقومات الاستمرار والصمود، وهي العوامل التي تنبثق عن وحدة الارادة وجودة التخطيط، التي حولت جميع هذه النماذج، التي احتمل المواطنون تبعاتها، الى عناوين صارخة بوتيرة منتظمة لمقاومة المحتل والاشتباك مع اجراءاته، الأمر الذي وسع دائرة التضامن الدولي وأعاد مشهد الصراع الى صورته الصحيحة، كصراع على الأرض ما بين الاحتلال والشعب الواقع تحت سيطرته.
وساهم في انجاح تجربة بلعين حرصها على التحضير لنشاطها الاسبوعي بشكل ابداعي غير نمطي لاكساب المقاومة مشهدها المتكامل، ثقافيا وحضاريا ونضاليا، لاجتذاب مختلف القطاعات الذي أبعدها عن الرتابة والوقوع في الروتين وملل التكرار. وكرست نفسها كحالة ديمقراطية الطابع، حيث تُقاد من أهلها وقياداتها المحلية متحررة من السطوة أو الوصاية من موقع الالتزام بالحالة الوطنية الفلسطينية مع رفض الهيمنة والاحتواء الذي يرهن الحالة للموسمية وللمد والجزر.
ولأن بلعين وطنية وتأبى الاحتكار والتملك او الايجار، فهي تأخذ قراراتها بالمشاركة مع الكل الوطني، وتعيد انتاج رفضها للاحتلال على وقع المناسبات التاريخية والوطنية العامة، تبسط مدارجها للاحتفال بذكرى تأسيس وانطلاق الفصائل، تتشح دائما بالعلم الفلسطيني وتتيح لكل ألوان الطيف الفلسطيني بالظهور. كما عملت على تنويع آلياتها وبما يجددها ويكيفها مع الحالة الفلسطينية العامة، حيث تربط نفسها بالقيود والسلاسل الى الأرض، وتقرع الطبول وتعزف الموسيقى وتقذف الاحتلال بحجارتها. ولم تحصر القرية المحافظة نفسها باستخدام الأدوات الثقافية المحلية، بل فتحت ميدانها وأبوابها أمام مختلف الثقافات واستخدمت مختلف الأدوات للتعبير عن مقاومة الواقع الذي يفرضه الاحتلال؛ ولتسليط الأضواء على اجراءاته التي فصلت المواطنون عن أراضيهم، فارتدت ثياب أهل كوكب "أفاتار" الذي هبط عليه الغرباء بهدف السيطرة، من أجل خلق الروابط التعبيرية ولتجسيد الواقع ضمن منطق وثقافة الآخر القادم من مختلف أصقاع الأرض للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
من خلال مقاومتها، حظيت بتقدير كاف على مختلف المستويات، وحققت الظاهرة البلعينية مكتسبات وانجازات من شأنها أن تترك انعاكاسات وطنية هامة على أكثر من صعيد، فقد مثلت الحافز والنموذج لكي تمتد الى مواقع مجابهة أخرى، كما هو الحال في نعلين والمعصرة وجيوس وقفين والخضر والنبي صالح والشيخ جراح وسلوان وغيرها من مواقع ساخنة أخرى. ومن جهة أخرى، وبفعل انتظام واتساع مقاومتها، فقد اضطرت سلطات الاحتلال لتعديل جزئي في مجرى الجدار وإعادة جزءا هاما من أراضيها، الأمر الذي يبعث على الثقة بامكانيات تحقيق الشعار الذي شكل عنوان انطلاقة لجنتها الشعبية والمتمثل باجبار الاحتلال على تفكيك وازالة الجدار بيده كما سبق وبُني بيده.
رسائل بلعين في جمعة هدم الجدار، من المفترض والطبيعي ان تتقاطع مع الرسالة الفلسطينية المطلوبة لاستحقاق ايلول الذي يقف على الأبواب. فاقتصار الحراك على الحراك الفوقي السياسي والدبلوماسي على أهميته المحورية، يعطي الانطباع باندراجه في اطار خيارات اخرى واردة تلوح في الزيارات المكوكية للرسميين المبعوثين من مختلف الدول، والتي تهدف للالتفاف على استحقاق ايلول او التراجع عنه. ولا شيء يعطي القناعة بالثبات على التحرك باتجاه الامم المتحدة لطلب الاعتراف بفلسطين كدولة، ان لم يتم نزوله الى الشارع وتعبئة القاعدة واشراكها بالمطالبة به؛ من أجل تكامل الجهد السياسي القيادي مع الحراك الشعبي الذي يعطيه الزخم المصداقية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غسان الرحباني.. مازال يعيش صدمة رحيل والده والسيدة #فيروز شج


.. إصابة أربعة عناصر من الشرطة الإسرائيلية في عملية دهس بسيارة


.. الشرطة الإسرائيلية تقتل فلسطينيا نفذ عملية دهس في القدس




.. مؤتمر باريس بشأن السودان دعا إليه الرئيس ماكرون


.. هل الحرب وحدها المسؤولة عن أزمة الكهرباء في غزة؟ | #عالم_الط