الحوار المتمدن - موبايل


الاشتراكية :دورة حياة - ريجيس دوبريه

الاخضر القرمطي
(William Outa)

2011 / 7 / 12
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


الاشتراكية :دورة حياة - ريجيس دوبريه
http://www.infoamerica.org/documentos_pdf/debray04.pdf
تعريب: الاخضر القرمطي

(الجزء الأول)
من المستحيل ان نفهم طبيعة حياة الوعي الجماعي في اية مرحلة من دون فهم الاشكال المادية والوسائل التي عبرها تم نقل هذه الافكار-شبكات الاتصال التي تسمح للفكر بان ينوجد اجتماعيًا. بالفعل، تقترح المراحل المتعاقبة لتطور هذه الوسائل وعلاقات النقل-التي يمكن تسميتها بالمجال الاعلاني-[تقترح] تقسيم جديد لتاريخ الافكار. اولاً، ما يمكن ان ندعوه بالمجال العقلي (النظري): تلك الفترة الطويلة الممتدة من اختراع الكتابة (على الالواح الطينية، ورق البردة،لفائف الرق) الى الصحافة المطبوعة الآتية. عصر العقل Logos ، ولكن ايضًا عصر اللاهوت، حيث الكتابة هي، اولاً وآخرًا، دعوة لكلمة الرب، "الصورة المنحوتة المقدسة" في الهيروغليفية. الرب يأمر، الانسان يسجل-في التوراة او القرآن-ويأمر بدوره. القراءة تمت بصوت عالٍ، بالشراكة؛ لا يكمن عمل الانسان في الاختراع بل في نقل الحقائق المتلقاة.
حقبة ثانية، مجال الصورة، تمتد من العام 1448 الى حوالي 1968: من ثورة غوتنبرغ الى ظهور التلفاز. عصر العقل والكتاب، عصر الصحف والاحزاب السياسية. يبرز الشاعر او الفنان كضامن للحقيقة، ويتفتح الاختراع وسط غزارة المراجع المكتوبة؛ ترتبط الصورة بالنص. الثالثة، ما زالت تمتد اليوم، هي حقبة مجال الفيديو: عصر الصورة، حيث انتُزِع من الكتاب منصبه والمآثر المرئية للعظماء غير المرئيين-الرب، التاريخ، التقدم-في الحقبة السابقة.
يسمح لنا التحقيب (من حقبة) الاعلاني-العقلي (ميديولوجيكال) بان نموضع دورة الحياة للاشتراكية،تلك السنديانة العظيمة المتهالكة في المشروع السياسي، عبر الـ150 سنة الاخيرة من المجال الصوَري؛ وان نكتشف نظامها البيئي، كما يمكن القول، عبر سيرورتها في الانتشار. لن يتم محاكمة الاشتراكية هنا بالربط مع القيمة الجوهرية لاي من فروعها.غالبًا، سيكون الهدف معرفة الاساس الميديولوجيكي المشترك الذي يجمع كل التفريعات العقائدية-من فورييه الى ماركس، من اوين الى ماو، من بابوف الى بلوم- عبر مقاربتها كمجموعة مشكلة من رجال (مناضلين، زعماء، منظرين)، ادوات نقل (كتب، مدارس، صحف) و مؤسسات (مجموعات-احزاب،اتحادات).
يأخذ النظام البيئي شكل مجال اجتماعي محدد، كوسطٍ لانتاج بعض انواع الحياة والفكر. يحتل الكتّاب المحترفون مكانًا مميزًا فيه،كمفتاح يربط بين النظرية البروليتارية وشروط الطبقة العاملة.هنا تنتشر افضل الوسائل النقنية لتثقيف البروليتاريا وبلترة المثقفين، الحركة المزدوجة التي تشكل احزاب العمال. بالنسبة لعامل المطبعة هو مثال كامل عن "عامل مثقف ومثقف عامل"، المثال الاعلى لذلك النوع البشري الذي يريد ان يصبح محور الاشتراكية :" الوعي البروليتاري".
تبدأ دورة الحياة لهذا النظام البيئي في فرنسا على الاقل، باكرًا قبل ثورة تموز. ولد التنظيم السان سيموني مساء خريف عام 1831، عندما التقى في باريس كل من النجّار غوني وبائع الاحذية تييري. خططت الدعاية العاملة من اجل "العائلة" السان سيمونية لكل حلقة مستديرة arrondissement وتكفلت الادرات المحلية بتعليم العمال. من هنا، فان سلسلة جديدة من الّذين إلتقوا من بين صانعي القباعات، بائعي الستائر، بنائين، خياطين، وكتاب موظفين،عاملي مطابع، نقاشين، صانعي نماذج(للطباعة)، تحملوا كلهم مسؤولية تسيير صفوفهم المسائية و ، باهمية اكثر، اصدار صحفهم."الارض" من ثم "القفير الشعبي"،" الاتحاد" والمزيد. وصلت الدورة الى نهايتها على اثر ايار 1968، السنة الاولى من مجال الفيديو. ولكن مدة حياة الاشتراكية يمكن ان تفهم بشكل في دائرة اوسع من الوقت: عصر المجال الصوَري. كمولود في بواكير الحقبة الحديثة-"مجيء الكتاب"-المجال الصوري نفسه يتكون من ثلاث فصول متتالية: الاصلاح، الجمهورية، الثورة.
لولب جيني
ان مخترع كلمة "اشتراكية" هو الكاتب المطبعي العبقري، الموسوعي والمشارك في ثورة 1848، بيير لُروو Pierre Leroux. وُلِد عام 1797، ابن ساقٍ في حانة، دخل لُـروو مدرسة البوليتكنيك، اشترك في محل للطباعة حيث اتم طريقة جديدة،الـPianotype. اسس صحيفة الارض في1824، ومع جورج صاند في العام 1841 المجلة المستقلة Revue Independante. بانتقاله الى بوساك، اسس دار النشر الخاصة به وجذب اليه مجموعة صغيرة من القراء والمريدين. انتخب الى الجمعية التأسيسية لعام 1848، وكرمته الكومونة رسميًا قبيل وفاته عام 1871.ان مزيج-كتب، صحفن مدرسة- الذي سيصبح اللولب الجيني للحركة العمالية تمثَّل سابقًا عند لُروو. لقد وُلِدت الاشتراكية مع ملصق المطبعة حول عنقه.
كتاب، صحيفة، مدرسة
ذكرى ثقافة عملية سبقت البرامج السياسية. كان للاشتراكية شكل المهنة قبل ان تصبح ذهنية. جاءت انطلاقتها في لحظة تاريخية محددة---1864، الاممية الاولى المؤسسة في لندن؛ 1866، الرابطة التعليمية المؤسسة في باريس؛ 1867، الصحافة الدوارة التي ابتكرها "مارينوني"، والتي سمحت بتوسع مضاعف في الطباعة---ولكن ايضًا مع شكل محدد من الوعي. "انطوى القرن التاسع عشر بالنسبة للطبقة العاملة على ثلاث ايحاءات" كتب المراقب بيير برونو في مذكراته، التي نشرت عشية الكومونة. "[الايحاء] الاول الكفاح ضد الجهل، الثاني، الكفاح ضد الفقر، والثالث مساعدة [العمال] بعضهم للآخر". الاول والاهم كان النضال ضد الجهل،جامعًا صرخة قوى العقل. كانت اشتراكية الطبقة العاملة ايضًا، مخلوقًا للعقل—الروح الحاكم في عصر المجال الصوري.
كان كل من الطابعين، المثقفين والمعلمين الدعامات الثلاث للحركة الاشتراكية، وكلٍ منهم يشكل رجلاً واحدةً من الركيزة الثلاثية للمجال الاعلاني. ما الذي كان يقدّم في اي بيت عمالي او maison de peuple ؟ مكتبة، صحف، صفوف مسائية وقراءات. اليوم، ما زال يوجد ارصفة، كتب وصحف. ولكن المحور الاساسي للنقل بدّل مكانه، آخذًا معه ادوات الاحتفال، هيبة وقيم كانت سابقًا تتعلق كهَالةٍ فوق الكتب، معلمين او قراء مشائين في تشاركيات التعليم العمالي و الجامعات الشعبية universités populaires.
وقد لعبت ثقافة شفهية قوية ايضًا دورًا كبيرًا في الحركة العمالية، بالطبع: الخطابات في التجمعات، مؤتمر الخطباء، المؤتمرات؛ جوريس في بري-سانت-جرفي، لينين في الساحة الحمراء، بلوم في تور او لا بلاس دو لا ناسيو La Place de la Nation (ساحة الأمة) في العام 1936—وقد تكلم الكل من دون الاستفادة من الميكروفون، مسببين لانفسهم البحة، حتى حافة الاعياء، امام عشرات الالاف من المستمعين.ولكن، اذا اعتمد المتكلمون باسم الاشتراكية على منابرهم العامة اكثر من اعتمادهم على صحفهم، الا ان خطابهم كان بالرغم من هذا موسومًا بثقافة مكتبية وبالفة طويلة مع الكلمة المكتوبة.حتى ارتجالياتهم كانت بحس القارىء او التلميذ. العديد منهم كانوا برلمانيين عظماء، خطباء ومنبريين في ضمن التقاليد الجمهورية الكلاسيكية؛ ولكن خطابهم كان رسميًا يقوم على الكلمة المكتوبة، الاساس الحقيقي للحق في اعينهم كما في اعين القاعدة.
قوة اللامرئي
"منذ 1789، شكلت الافكار بمفردها قوة وخلاص البروليتاريا.يدينون لها بكل انتصار" هكذا كتب بلانكي (واحد ممن مرر افكار 1789 الى كومونة باريس).شكلت المفاهيم المجردة ألفباء التدرج [التدرب] النضالي. ان مفاهيم البروليتاريا والبرجوازية، كما تلك الخاصة بالسلطة العمالية، القيمة الفائضة، علاقات الانتاج الخ.، والتي تربطهم، لم تكن تقلق الحواس.ثانيًا، اكانت مشروعًا ام اسطورة، فان فكرة الثورة "كما يجب ان تكون" هي نفي وتجاوز المباشر، انها تخطي الحاضر. بوصفها خطابًا منطقيًا وتعهدًا اخلاقيًا، تطلبت اليوتوبيا الاشتراكية قطعًا داخليًا مع "تيار الحياة اليومية"، [تطلبت] تصرفًا ايمانيًا حرك سلطات التحليل الافهومية لتقطيع الصورة الاجتماعية المقبولة الى عناصر تجريدية كـ"الاستغلال".
كتابة جماعية للذاكرة الفردية؛ قراءة فرداوية للذاكرة الجماعية. ان التأرجح بين الاثنين [الكتابتين] يشجع الحس بالتاريخ عبر تعرية ميول في الحاضر، عبر خلق ستائر خلفية وواجهات؛ ذلك اساسي بالنسبة لفكرة الاشتراكية. عندما يكون الطقس باردًا في الخارج والليلة طويلة، تعني الذاكرة اننا لم نعد بمفردنا.الذاكرة الالفبائية، كما اراد هيغل ان يسميها. معارضًا "القيمة التربوية التي لا تقيّم" لتعلّم القراءة والكتابة بالاحرف الابجدية، بالمعارضة مع الهريوغلافيات، يصف [اي هيغل] كيف ان المسيرة القوية للكتابة الابجدية تساعد بتحويل انتباه العقل من الافكار المباشرة والانطباعات الحسية الى "البنية الكلامية الاكثر كفاءةً و مكوناتها المجردة"، بحيث انها "تعطي ثباتًا واستقلالاً للمضمون الداخلي للحياة العقلية".
كل الثوريين الفعليين الذين التقيتهم،من تشي غيفارا الى بلم فان دونغ مرورًا بكاسترو (ليس ذاك الاوتوقراطي بل المتمرد السابق)، هذا ما عدا الموسوعيين المتنقلين المعروفين بالتروتسكين، كانوا قراءًا مدهشين، بقدر تعلقهم الشديد بالكتب كان استقبلاهم الفاتر للصور. يستطيع هيغيلي ان يصف ذلك بالقول ان القراءة تقود الى تناول نقدي و-باعتبار انه "لا يوجد علم غير مخفي"، ولا مستقبلٍ من دون "تكرار" للماضي- الى متعة يوتوبية. يشجع التجريد العمل، كما يفعل التذكر بالنسبة للابتكار. بدأ الحداثيون العظام مهنهم بقفرة الى الوراء، ونهضة تبعت عودة الى الماضي، اعادة تدوير، وبعد ذلك ثورة. اكتشف كولومبوس اميركا في مكتبة، عبر قراءة النصوص الغامضة والخرائط الكونية. حُطِم النظام القديم في فرنسا بايادي من لا يحترم "مونغولفييه" او "واشنطن"، ولكن "ليكورغوس" و"كاتو". ثوّر كل من "شاتوبريان" و"هوغو" الادب بفضل التركات القوطية، قفز نيتشه فوق جول فيرن مع مساعدة الماقبل- سقراطيين، وفرويد اعاد الزيارة لاسخيلوس.
ينبع سوء حظ الثوريين من انهم يرثون اكثر بقليل من باقي الناس. تكون الكلمة المكتوبة حيوية لمن ينقل الذاكرة الجماعية، منذ كون ادواتهم التحليلية مزيفة من قبل تقاليدها بالذات. لا ينتقل ميراث الافكار بشكل اوتوماتيكي؛ هناك بيئات تاريخية افضل او اسوأ من اجل نقل التجريدات، كما اسوأ او افضل من بين ناقلي الكهرباء. ينبع الفعل الثوري بامتياز من خلال الاحساس بالحنين، العودة الى النصوص المنسية، المثال الضائع. خلف الحرفين الاولين "re" لكلمات الاصلاح(reformation)، الجمهورية republic، او الثورة revolution—كما لكلمات المراجعة rehearsing، البداية من جديد recommencing، اعادة القراءة rereading—هناك اليد التي تتنقل عبر صفحات كتاب، من النهاية الى البداية. اكان الاصبع الذي يضغط على الزر، لتعجيل شريط تسجيل او قرص disc ، فان ذلك لن يعرض ابدً المؤسسة للخطر.
الهراوات المصقولة
اذا كانت النشرات الاخبارية وسط لتاريخ مشهدي (من مشهد)، فان الارشيف هو وسط تاريخ ممارسي (من ممارسة). ان تاريخ الشيوعية—كيوتوبيا ثورية، لا كديكتاتورية بيروقراطية—كان قصة للمؤرشفين وللاوراق القديمة. كانت الشيوعية الابتكار الكتبي (من كتاب) لـ"غراشوس بابوف"، المتخصص بالقانون الاقطاعي، والذي استل افكاره الرئيسية من روسو ، "مابلي" و الرَق[جلد مصقول كان يستعمل للكتابة] العتيق. وتفتح ذلك في المخازن العظيمة للكلمات المكتوبة. بالنسبة لميشليه :" تاريخي للثورة الفرنسية ولِد في الارشيفات. اني اكتبه في المخزن الرئيسي"---مكتب التسجيلات الرسمية. الرجال ينسجون بين النصوص، والنصوص تنسج بين الرجال. الاساطير تولّد الاعمال التي توّلد الاساطير، وحركة الكتاب تشجع حركة الشعوب. اثّرت تواريخ روما على نواب العام 1789، كما على كتاب لامارتين تاريخ الجرونديين و تاريخ الثورة الفرنسية للويس بلان في اواخر 1848، على البؤساء لهوغو حول الكومونة و كتابه ثلاثة وتسعون حول نشوء الجمهورية الثالثة.
دارت الهراوة حول العالم من يد الى اخرى: من مجتمع المساواتيين، الذي اوجده مؤرخ القرون الوسطى بابوف، الى مجتمع المواطنين الجدد، الذي اوجده المكتبي الشاب ماو تسي تونغ. بيوناروتي (1761-1837) والذي يصغر بابوف(1760-1797) بسنة واحدة ، تحايل على ادارة الشرطة وانقذ صديقه خلال اربعين عام. في العام 1837، دوّن بوناروتي تاريخ حياتهما في "مؤامرة بابوف من اجل المساواة"، الذي نشر في بروكسل، حيث لجأ ماركس بعد نفيه من باريس عام 1845، وحيث سيجد رسوله الاولى لدى الشاب فيليب غيغو الارشيفي والمحقق [محقق المكتبات القديمة].
هنا إلتقى بيوناروتي مع المندوبين السابقَين للاتفاقية* باريير وفادييه اللذين سينظمان الكاربوناري، كملتقى للمجتمعات السرية التي انتشرت تحت ملكية تموز، والتي من خلالها ستبزغ "رابطة الحق:، والتي بدورها ستتحول الى الرابطة الشيوعية في العام 1847 على يد ماركس وانجلز، بالتشارك مع مندوبين عن بلانكي، "عقل وقلب حزب البروليتاريا في فرنسا". تسعة وثلاثون سنة في السجن واربع احكام بالموت: لقد كان الفضل لبلانكي (1805-1881) "السجين" ليتم الانتقال من اليعقوبية الى الاشتراكية ، من العام 1793 الى كومونة باريس؛ انه بلانكي الذي اعطى الشعلة الى فييانت Vaillant ، الذي بدوره مررها الى جوريس، صاحب اسم "القارىء" في عموده في صحيفة رسالة تولوز ، والذي لحقه بلوم الناقد الادبي في المجلة البيضاء.
ماراتون اولمبي: الاحمرار الشديد لرسالة—اكثر اشتعالاً من الشعلة—تمر من عداء الى آخر، كما لو ان الثوري كان عاملاً في النقل، وقلب الرسالة يعتمد بالتحديد على انتقاله: تلغراف يمر بسرعة من قمة الى قمة، من خلال منارات بشرية. من دون ان ننسى الهمسات في الوديان، حوالي مئتي عام من قصص انتقلت من الجدات الى الرضّع. "كانت طفولتي ممتلئة بالقصص عن المسيرة الطويلة للفقراء عبر السنين"، يتذكر الشيوعي الفرنسي القديم جيرارد بلوان.
يعاد تذكر القصة عبر قشرة خبز على الارض،من خلال القليل من الحساء المتبقي في طاسٍ. كانت الجدات يروينها، واللواتي اُخبِرنا بها عندما كن بدورهن شابات. مثل التيارات الجوفية التي لا يمكن تحديد مسارها لان المياه تبدو كانها تختفي نهائيًا، ومن ثم يأتي ، بشكل ابعد، سلسلة عذابات الفلاحين التي نعرف القليل عن مصدرها.ولكن كان عليها ان تكون سريةً، تحملها الاصوات المتشابهة، كل جيل يخبر مآسيها للجيل اللاحق. مع الوقت، نمت باصرارٍ اكبر او ظهرت باهتة، ولكنها لم تختفي ابدًا. لقد خلطت دائمًا الماضي مع الحاضر، اليس لذلك ان الكلام عن مشاكل الماضي هو طريقة للتنبه لمشاكل اليوم؟ احدث ذلك منذ زمن بعيد؟ اه نعم، يا بني، منذ وقت طويل. ولكن كيف يمكن ان تكون متأكدًا؟ بالنسبة الى طفل، كم يبدو بعيدًا في الماضي هذا الوقت الطويل؟
كانت صحافة العمال والمكتبة الاشتراكية ملتقى للفوضويين، البرودونيين، اللينينيين وللاصلاحيين كذلك. كان سان سيمون ناسخًا، مصحح اختبارات وبائع كتب؛ برودون كان مدونًا. وكذلك كان بابلو اغليسياس (1850-1925) مؤسس الحزب الاشتراكي الاسباني. كصحفي اسباني ومدون، كان جوسي مـِزا، المنفي الى باريس والذي اطلع على ارث الاممية الاولى الى جول غيسد،عضوًا مراقبًا في الاشتراكية الفرنسية. اصبح الفوضوين والاشتراكيون الاخوة الأعداء في العائلة الواحدة؛ امتلأت حياتهم بالبيانات والمقالات والصحف والملحقات الادبية. لقد تبع الاثنان امر لوثر بألاّ يوفروا لا الصعوبات ولا الاموال لانشاء "مكتبات جيدة ومحلات لبيع الكتب" في كل مكان. لقد تشارك ابناء ماركس وابناء باكونين الانجيل نفسه : ان يقرأوا ويجعلوا الآخرين يقرأون. في كل مكانٍ توجهوا اليه خلّفوا ورائهم مكتبة. استطاع هوبسباوم ان يقيس درجة الانتشار الاشتراكي في اوروبا بي 1890 و 1905 عبر مقارنة عدد المنشورات السنوية.
كان لعبادة الكتاب لحظاتها الموعظية . يتوجه هوغو الى العمال الاميين:
هل نسيتم ان محرركم هو الكتاب؟
انه هناك في الاعالي؛ انه يلمع؛
لانه يشع وينير، يدمر المشانق، يدمر الحرب والمجاعة؛
يقول: لا مزيد من العبيد ولا مزيد من المنبوذين.
ولكن ايضًا، كان له نسخته المظفرة، منتفضًا بفرح في نشرة جول فاليس الى رئيس تحريره، منبهًا الى تجهيز "صفائح الطبع في خمسة عشر يومًا، ويصبح "صالحًا لاطلاقه" خلال شهرين". " تنفست بعمق، انتفخت."صالحًا لاطلاقه"، انه جيد كاعطاء الامر باطلاق النار! على المتاريس،بزغ سلاح ناري بين الالواح الحجرية". وهوغو بنفسه كتب :" لا شي يشبه جديًا فتحة مدفع الا قنينة حبر مفتوحة".
السرّية الشرقية
بعد العام 1945، هاجرت هذه الابجدية البطولية الى العالم الثالث، مسلحة بضوء اعصار، كُتب تمارين واقلام حبر. التحرر عبر التعلّم، الظلالات المظلمة للخرافات دفنت بالتدريج تحت الملايين من الصفحات البيضاء—هذه الرمزية المكتبية لاوروبا القرن التاسع عشر على طريقة بول ايلوار اوجدت ملجأً في اواسط القرن العشرين للنضال ضد "الامبريالية الغربية". كان اطلاق حملة تعليم جماهيرية هي العمل الاول لاي ثورة معادية للاستعمار. لقد كان الكتاب الاحمر الصغير تميمة ماو الصين.
تجمد المسار في ما بعد فترة الحرب في متحف اوروبا الشرقية للاشكال المهملة-كمتحف للكلمة، حيث تضجع متحجرةً مصادر الماضي الحية. حتى الآن، كان "للاشتراكية المتحققة حاليًا"- المدرسية والتعليمية-روحًا مطبعيًا. ان القاء نظرة على مؤشر اليونسكو حول عدد الكتب لكل مئة شخص، حول كمية المكتبات العامة، نسبة الانفاق المنزلي على الكتب الخ، يظهر ان خلال الحرب الباردة، امسكت البلاد الشيوعية—حيث كان الاقتصاد يكافح وحيث الثقافة المرئية كانت قد وصلت بصعوبة—بكل الارقام القياسية فيما يخص الاوراق المطبوعة. التجوال عبر مقاطعات العالم القديم هذه، حيث كانت ما تزال تحيا اوروبا الغربية للقرن التاسع عشر،كان لنشهد عبادة كونية للكتب و مثلنة للكتّاب—كان ارجحية النجوم السوفيات تكمن في كونهم روائيين وشعراء اكثر من كونهم ممثلين او موسيقيين.مع ضمور الصورة اتى تضخم النص، الذي تحسن مناخه مع الرقابة [على المطبوعات].
قدرت احزاب الدولة بشكل كبير قوة الكلمات التي ابقتها تحت رقابتها الدائمة، حتى الآن صنع هذا القمع فنبلة حية من كل "نشرة ذاتية" samizdat ، بالتزامن مع "افضل" التقاليد القيصرية. تم اعادة كل شيء ولكن بطريقة مقلوبة رأسًا على عقب. تحت الدولة الستالينية، رجعت الانتليجنسيا الروسية الى "زمن العزة" في العراك المطبعي، الى "شامتها" العمالية القديمة.لاي امر آخر رويت في التاريخ الطويل للسرية الروسية، من كتاب الكولوكول (1855) لهرتسين الى جريدة الايسكرا (1900) للينين، ما عدا قصص الصحافة السرية، نشرات الاخبار اللاشرعية، الكتب التي خيطت في المعاطف؟ في المتملك لدوستويفسكي، فركوفنسكي يغوي شاتوف بارساله ليحضر صحافة مطبوعة مخبئة في فناء مدرسي.
بين المجموعات المعارضة المتعددة، كما بين السكان والدولة، رسمت خطوط المعركة عبر الطباعة، فوق كل شيء عبر الصحيفة. اعطت الشعبوية الروسية (الاسلاف المباشرين لجماعات الدراسة والاحزاب الماركسية) قيمة قصوى لاهيمة الصحافة اكثر مما فعلت المجتمعات السرية الكاربوناري في الغرب.عرف لينين بنفسه على انه ناشر، متبعًا اثر شرنشفسكي او هرتسن، الذي انتقل الى لندن بهدف الحصول على الاحرف السيريلية غير المتوفرة في روسيا. بالتعارض مع عصر برجنيف—حيث التنظيم افضل وبالتالي اقل تعطش للدماء من الاوتوقراطية القيصرية—تقدمت الدعاية المكتوبة، وارتبطت مع دعاية الفعل. في روسيا عام 1880، اقرب مهنة للـ"محرر" كانت "الارهابي". كانت طلبات شرطة القيصرية على الشكل التالي: " اين الصحافة المكتوبة، الحلقة الاولى في سلسلة المراسلين، مكتب التوجيه؟". مما لا بد منه هو ان العقل الموجه للمؤامرة كان بائع كتب او مطبعي.اكثر المشاكل صعوبةً كانت دومًا كيفية نقل الاشياء (الادب الانقلابي او القنابل) عميقًا في حقائب المتجولين.
هكذا، شهد سقوط الشيوعية في الشرق تقلص آخر المجتمعات المثقفة في اوروبا—انتصار للصناعة الجماهيرية الغريبة على الاصدرات الرخيصة و انخفاض في نسب قراءة الكلاسيكيات، كما امتزجت ثقافة الطبع الاوروبية القديمة في "الثقافة الجماهيرية" المستوردة من اميركا. الانقلاب الشامل على عصر الانوار الواقف في وجه الصورة الكونية الجديدة، استطاع حتى جعل هزيمة ديدرو على يد ديزنيلاند تبدو كانها تحرر. في مفارقة تاريخية ملاحـَظة، اعلن النصر السياسي للانسانوية الهزيمة الثقافية للانسانيين.وقت مزدهر للتلفزيون وللاعلانات في اوروبا الشرقية؛ اوقات رديئة لمحلات الكتب وللناشرين.
قضية آلما
اذا كان تارخ المدرس دائمًا محملاً بالدلالة السياسية، فان التاريخ السياسي بدوره حمل تضمينات مدرسية. برزت "المعركة من اجل التعليم" دائمًا وبشكل كبير في اجندة اليسار؛ عرفت الاشتراكية، كونها تربية على رؤية للعالم، ان بقائها كان في خطر. اي مناضلٍ انتسب الى مدرسة ذات الفكر الاشتراكي كان عليه اولاً ان يستوعب عادات صف الدراسة. كان الرمز الاشتراكي للاعتزاز مصاغ على صورة طالب المدرسة المجتهد: هو من يستطيع تحمل ضجر او تكرارية الصف ومن [بالتالي] سينتصر على عدو الطبقة.
تفتحت الحركات العمالية القديمة قبل ظهور التعليم الجماهيري؛ انتفاضة عمال الحرير، اضرابات الحائكين و شركات التأمين المشتركة لم تنتظر [كلها] التعليم المدرسي المعمم لتنوجد. ولكن النقابات و"سلطة العمال" تحد ذاتها بافكارها، والتبرع الخيري لوحده تضاعف اكثر من مراكز تعليم الناشئة. لقد كان المشروع التعليمي للاشتراكية الذي ترك نسخته خلف تلك الخاصة بالاتحادات و التعاونيات. لقد خُلقت احزابها [للاشتراكية] بقوة الاقتناع بان الطبقة هي غريزة، ولكن الاشتراكية هي نمو في الوعي.هذا يفسر التركيز الشديد على المسائل التعليمية. "لكل مدرسة تفتتح، سجن يغلق". ان صوفية او رمزية المدرسة المتحررة والمحرِرة كانت جزية القتها احزاب الطبقة العاملة على كاهل الدولة البرجوازية.
العديد من المعلمين (ومن بينهم غيسد وجوريس) كانوا يسارعون [متنقلين] بين اللوح الاسود و المنبر. استحوذت كل من الاممية الاولى (1864) ورابطة التعليم العمالي (1867) على اشغالهم، نشراتهم وافتتاحيات خطاباتهم. من الاعمال الاولى لكومونة باريس كان تعيين هيئة للتعليم، ترأسها ادوارد فيّان Edouard Vaillant. لويس ميشال ، المنفي الى كاليدونيا الجديدة مع قمع الكومونة، افتتح مباشرةً هناك مدرسة للكاناكيين ( ...وسيكون من دون شك من اطلق اول جريدة في الجزيرة). من بدايته عام 1920، جند الحزب الشيوعي الفرنسي كوادره الشهيرة في رتب معلمين واساتذة. لقد كان قسم التعليم العمالي افضل الافسام المنظمة في الاممية ما بين الحربين، وقد ترأسه جورج كونيو الذي يتقن اللاتينية باحتراف.
شكل عمال المصنع مركز اهتمام الخيال الشيوعي خلال الثورة الصناعية الاولى؛ اخذ عمال المناجم عمال الصلب هذا الدور خلال الثورة الثانية. ولكنه كان معلم المدرسة للصفوف الاساسية، بصلابته وتواضعه الحاد، الذي كشف امتداد جذور الاشتراكية المنظمة التي تغوص في الثقافة الماقبل- صناعية لعصر الانوار. الشيوعي السابق جيرار بلوان، ابن لساحاة القتال وللصفحة، الذي تعلم بنفسه ونورته المقاومة، يقدم عينة جاذبة لبيئة المناضل في مذكراته:" عندما في مجموعة صغيرة كنا نقضي الليل نخفي الكراسات تحت الابواب و في صناديق البريد، كنا نحس بالارتياح في طريق العودة الى البيت كمثل استاذ المدرسة في نهاية الدرس". يتابع بلوان قدمًا، لا ليسجل نقاطًا على الحزب بل بدافع الولاء الخالص:
"في تلك الايام (نحن في عام 1950 قرب بنك اللوار) لم يكن يحلم احد بالطعن في المركز الاجتماعي للمدرس، او الشك في درجة الجهد الشخصي الذي تكلفه. بالرجوع الى ما هو متفق عليه في درجات القيم التي تحل محل تفسير الطبقة الاجتماعية، كان الامر على العكس بالضبط. كحماة للمعرفة، كانوا تقريبًا الاناس العارفين محليًا الى جانب الدكاترة والكهنة ومحققي الضرائب وكتاب العدل والكيميائيين...كنا محاطين باحترام شعبي مقدس للتعليم، للكتب وللمثقفين.
الطبيعة الاحتفالية لهذا الاحترام قادت الى الافضل –بلوان و جوّه- كما الى الاسوأ، ما كان يحصرهم ثم يدهسهم. بذرة الستالينية تختبىء في صراحة الموسوعية ، الغباء داخل الذكاء. ساد تمييز قاتل بين القادة والمقودين. اصبحت السلطة الثقافية ارضية للهيمنة السياسية. تقومنت المعرفة، لان العقائد، كما المعابد او البلدان، بحاجة للحدود، واكليريوس مسلح لحمياتها. اكثر المستبدين تخلفًا وجد نفسه محاطًا بشجر غار المعرفة. الاكاديمية[اسم لا صفة academism)، المتحفية(museomania) والرائحة المعروفة لقاتل العث (النفتالين) التي تغلغلت في المجتمع السوفياتي اصبحت معدية عندما رفع شكل "التقاليد" الى قيمة للمستقبل: انتقام ابدي للارشيف من الاختراع. التعليم، ثقـل و صلابة الخطابات السوفياتية، غموضها الاخلاقي، هي ما ينتج عندما تتخطى المدرسة التفكير وتضعه تحت قبضة حديدية. يصبح الدليل برنامجًا، والنتيجة تبسيط خالص، تكرار وتصنّع.
بشكل غير منطقي، ارتبطت الثقافة الاشتراكية ببرنامج نخبوي يعكس قيم "برجوازيةً"، ان لم نقل "ارستقراطيةً"، وسرعت انحدارها الكبير الثقافة الاشتراكية بذاتها. ظهرت الاشتراكية في النصف الاول من القرن العشرين بفضاءٍ تعليمي لم يخشى المعرفة التقنية، التجارة، الصناعة وحتى الرياضيات، بل علم الللاتينية واليونانية كلغات حية. بالنسبة لقراء اليوم،يشبه التجول في ارشيف الحركة العمالية الفرنسية، قبل "بلشفتها" من قبل الشيوعيين او نمذجتها من قبل الاشتراكيين، الانتقال من مجلة hello الى دورية الميتافيزيكيات والاخلاق Metaphysics and Ethics Review . كان لجوريس وبلوم نفس الامتعة الثقافية كما لدى لينين وتروتسكي، وكذلك كان لمنافسيهما بارري وموراس. كان هناك قرابة عميقة بين جوريس وبارري اعمق مما بين جوريس واي قائد اشتراكي حالي. هذا لان بالاصل كان De natura rerum قراءة جوريس في الاعياد؛ كان بلوم يرغب بالارتياح بترجمة لوكريتس؛ الفيلة الاشتراكية اليوم ستختار كتاب مسلسل موسمي وصحيفة مكتوبة بالفرنكلية (franglais). اذا اختار لوكريتس قبل آخر استطلاعات الرأي، سيخسر قريبًا زعامته. المجال الحيوي يخلق الحيوان افضل من اي طريقة اخرى.
صحيفة الصباح المقدسة
كتاب، مدرسة، صحيفة
بالنسبة لمناضل الحزب، ينصب الاهتمام على الثالثة (الصحيفة). الاولى، ذات الاجل القصير، ظهرت كمنشورات للطبقة العاملة في فرنسا بين عامي 1830 و 1840. بالفعل كان المشغل L’Atelier ، جريدة بوشي Buchez ، من تفوه في 1840 بالعبارة "الطبقة العاملة".كانت الفترة السابقة ذات اهمية، لهذا كان اذاً "بناء مدرسة" يتحول الى "بناء حزب". بالنسبة للكنيسة، صحيفة يومية امر زائد؛ بالنسبة للحزب هي واجب. كانت الانسانية L’Humanité استراتيجية بالنسبة للحزب الشيوعي الفرنسي بحيث لم تكن صحيفة الصليب La Croix كذلك بالنسبة للكهنة.ظهرت الكنائس واستمرت طويلاً قبل اختراع الطباعة، ولكن لم يظهر اي حزب عمالي قبل ظهور الصحف الضخمة حوالي العام 1860. استمرت الايديولوجيا الاشتراكية لفترة الشكل الذي سميَ حزب، واستمر هذا الشكل طول مدة صحفه اليومية—تقريبًا مئة سنة. مثلاً، انتهت بعزة صحيفة الشعب Le Peuple ، كجهاز للاشتراكيين البلجيكيين، في العام 1979 عن عمر 94 سنة. كانت قد كافحت من اجل الحقوق العامة، تحرر المرأة والحقوق الانسانية مع جوريس، فاندرفيلد وهويسمنز. بعد ذلك، عاشت ،ببساطة، بكيان مختلف تحت نفس الاسم.
"ليست الجريدة فقط عملاً دعائيًا جماعيًا ومحرّضًا بل ايضًا منظِّمًا جماعيًا". (لينين). إن وحداتها المنتشرة تخلق شبكة من التبادل والاتصال. قام كل من جوريس، تروتسكي ولينين بنفس المهام (كتابة، تأليف،طباعة، عرض)، كما فعل فاللي Vallès في صرخة الشعب Le Cri du peuple، اليزي ركلو Reclus في الثائر La Révolté و جان غراف في الازمنة الجديدة Temps nouveaux. اكان المرجع ماركس، باكونين او فورييه، فقد زُرِعت الكلمة المكتوبة لتحصد نشطاء. اسس لينين حزبه مع القبس Iskra ، غيسد مع المساواة L’Egalité وجوريس مع الجمهورية الصغيرة La Petite Republique. اذاع كابيه حلمه "الايكاري" [نسبة الى ايكاريا مدينته الطوباوية] مع الادوات والطرق التي استعملها ماركس وانجلز.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيديو: اشتباكات ليلية بين المتظاهرين والأمن الإسرائيلي في ال


.. إسرائيل تدمر مبنى لوكالات إعلامية بغزة والفصائل الفلسطينية ت


.. قتلى وجرحى بغارات مستمرة على غزة.. والفصائل الفلسطينية ترد ب




.. فيديو | مواجهات ليلية بين المتظاهرين والشرطة الإسرائيلية في


.. ذي قار.. إصابة متظاهرين بعد تعرضهم لإطلاق نار من قبل مجموعة