الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حول انتهاء إضراب العاملين في وكالة الغوث

ناجح شاهين

2004 / 11 / 27
الحركة العمالية والنقابية


دروس نقابية
حول انتهاء إضراب العاملين في وكالة الغوث
هل صحيح أن النهايات محكومة بالبدايات، أو كما يقول العرب أنت تزرع ما تحصد؟ وهل صحيح أن المعركة التي لا تستطيع أن تربحها يجب أن تبذل الوسع والغاية كي لا تدخلها؟ يبدو أن الرد هو بالإيجاب. لكن من ناحية أخرى اعتقد كثيرون أنه لم يكن ينقص إضراب موظفي وكالة الغوث الدولية الكثير ليحقق بعضاً من أهدافه الأساس، إن لم يكن جميعها، لكنه في الواقع انتهى دون أن ينجز أي شيء ذي بال. ولعل الفائدة الوحيدة المرجو أخذها هو الدرس والعبرة، ليس للجماهير؛ فنحن لا نؤمن بأن ذاكرة الجماهير يمكن أن تتحمل مضي الأيام والسنين، لكننا نظنه يصلح للدرس الأكاديمي أو على الأقل كمؤشر يستخدمه قادة العمل النقابي ليفتح لهم باب المجهول عندما يكون من الضرورة بمكان أن يحدث ذلك.
كان المشهد مفتوحاً على أكثر من مصراعيه ليكشف أحداثاً جساماً تتناوب على العراق وفلسطين. وكان صمت مريب يخيم على المشهد الكلي. الضحايا تعودوا على الشاشة وتعودت عليهم، حتى أنهم لم يعودوا يلفتون نظر أحد. لقد أصبح مشهد دعاية عطر " تدلل" المنتج خصيصاً للخليج أكثر طرافة من خبر الضحايا. الواقع أن هنا بيت القصيد؛ فالدم العراقي كما الفلسطيني طازج، لكنه لم يعد يسلي الجمهور، ولا يقدر على كسر روتين حياته المجدبة. ولذلك فهو لم يعد يكترث له أو يهتم حتى بمتابعته على شاشة الفضائية، وذلك أضعف الإيمان.
ربما أن علينا اللجوء إلى هذه الحيلة لكي نفهم لماذا وكيف يتم الصمت على كل شيء. ومنه ننطلق لفهم سلس لمرور إضراب الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين مرور الكرام دون أن يستوقف الناظرين. لقد أدى تجاهل الأمعاء الخاوية والصحة المتردية للمعتقلين إلى انهيار الإضراب دون تحقيق مطالبه. فإضراب الجوع كما هو معلوم لا يؤذي أحداً من الناحية المباشرة الفجة إلا من يقوم به. وتكمن قوته في صعوبة تجاهل موت الناس من الناحية الأخلاقية. ولما أصبح موت الناس، عفواً أقصد العرب أمرا سائغاً ومقبولاً، فإن الإضراب لم يعد له أية ملامح قوة. وهكذا اضطر الأسرى إلى فك الإضراب دون أن يحصلوا على شيء.
جاء إضراب العاملين في الوكالة بعد بضعة أشهر من ذلك. وكان في خطة القائمين عليه على الأرجح أن " العالم " سوف يتمزق ألماً لرؤية عيادات المخيمات مغلقة أو رؤية الأطفال في الشوارع بدل المدارس. كانت الفكرة ساذجة من الألف إلى الياء، وقد انعكست سذاجتها في سلوك فعاليات الإضراب التائهة بكل معنى الكلمة. لقد كانوا يلهثون وراء الإعلام، وكانوا يسألون عن الجزيرة والعربية ووليد العمري. كان الدم يسيل غزيرا في غزة والفلوجة، وما كان أحد من الأعراب أو الفرنجة ليكترث لما يجري. في الحارة العربية كانت الاهتمامات الرمضانية تطغى على كل ما عداها: كان لابد من إعداد القطايف ومتابعة المسلسلات الجديدة. ولقد كان موظفو الوكالة مثل من " يرقص في العتمة " بكل معنى الكلمة. ولكنهم مع ذلك لم يتنبهوا إلى صعوبة أن يعتمدوا الإعلام وسيلة للكفاح، واستمروا يتجاهلون أن الزمن ليس زمن الجعجعة الإعلامية. لكن ليس لأحد أن يلومهم، فنحن معشر العرب برعنا من يومنا في خطابة تغني عن كل معركة فعلية. وليس لنا إلا أن نستعيد كيف واجه العرب معاركهم منذ عام 1948 لكي لا نعود إلى التاريخ الأقدم.
ربما أن قيادة العاملين في الوكالة كان لديها بعض من بصيص أمل على الرغم من سوء الأوضاع وتردي فرص المقاومة في هذا الزمن المعولم العجيب. لكنها لم تساعد نفسها أبداً. كان بالإمكان تمتين القاعدة وترسيخ إيمانها بعدالة الصراع وضرورة التضحية، علماً أن سيف الرواتب التي لم تنزل في موعدها كان مصلتا على رقاب الموظفين المساكين. ولعله كان بالإمكان عبر نشاطات متنوعة توجه للداخل وليس للاستهلاك الخارجي أن تعزز تعاطف ودعم المجتمع المحلي في المخيمات مع مطالب العاملين واتحادهم. ولكن الفكرة هي ذات الفكرة التي تتجه للخارج بدل الاعتماد على الداخل. ومرة أخرى نود أن نؤكد أن ليس من السهل لوم الاتحاد لأن البلاد كلها تعتمد الخارج إطاراً مرجعياً يقدم المال والأفكار والبوصلة التي تحدد الاتجاه، فلماذا يشذ قادةالإضراب عن القاعدة! لقد بدت استهانتهم بزملائهم ومجتمعهم نموذجا يحتذى لسيطرة تفكير تبعي يقلل من قيمة الذات ويرفع من قيمة الآخر وفي لحظة الحسم وجد الاتحاد نفسه محروماً من أي إسناد شعبي. بل إنه بعد قليل وجد نفسه منهكاً وضعيفاً ومعزولا عن قاعدته المضربة التي كانت تتساءل في حيرة عما يجري بالفعل فلا تجد إلا خطابة بأعلى صوت ممكن. وحتى عندما تم التسليم لصاحب العمل بما يريد تم دون الرجوع للقاعدة وذلك كي يوجه الاتحاد ضربة قاصمة لأي احتمالات مستقبلية. إنه شيء مؤسف بالفعل أن السيرورة النقابية في مجتمعنا لا تختلف عن سيرورة السياسة إذ يشعر القائد بأنه مطلق الصلاحيات وأن الحكمة وحسن التصرف تتطلب منه تجاهل القاعدة والتعالي عليها وعدم الرجوع لها أو مناقشتها أو البقاء في حضنها. وكما يحصد القائد السياسي العربي لحظة الحسم، حصدت قيادة إضراب العاملين في وكالة الغوث. ومثلما ترك الناس بغداد العظيمة تستسلم دون مقاومة ربما بغرض معاقبة الديكتاتور صدام، وجدت قيادة الإضراب أن الإضراب قد تفكك دون علمها، فسارعت لاستباق الزمن متوهمة أنها تحفظ ماء الوجه، وسلمت لإدارة وكالة الغوث بما تريد، ألا وهو العودة للعمل دون قيد أو شرط ثم التفاوض. وهذا هو على وجه الدقة فحوى مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين والتي لا يزيد ثمنها عن ثمن الحبر الذي كتبت به.
لقد فوجئنا بالفعل لأن لجان المخيمات الشعبية وفي مخيمات مخضرمة في تجاربها النضالية المقاومة مثل الدهيشة وبلاطة وطولكرم قد وقفت ضد الإضراب ولقد بدا مدهشاً لنا أن بعضهم تباهى بأنه أوقف الإضراب قبل قرار لجنة العاملين بثمان وأربعين ساعة وهو ما يرجح أن ما جرى هو انهيار وليس انسحاباً منظماً إذا شئنا استعارة لغة الحروب والمعارك.
كانت المعارضة في بلادنا معتادة منذ زمن طويل على تعليق اللوم على شماعة فتح باعتبارها من يعطل كل شيء والواقع أن إضراب العاملين في الوكالة قد تعرض لتخلي " التنظيم " عنه في عدة مخيمات ولكن الصحيح أن القوى السياسية الأخرى مثل الجبهة الشعبية وحماس وغيرهما وقفت ضده في أكثر من موقع وهو ما يحيل إلى قضيتين في غاية الأهمية: أولاً إن اتحاد العاملين لم يكن على تنسيق كاف مع القوى السياسية في المخيم أو خارجه وهو ما يعني عزلته عن أبناء شعبه وسماحه لإدارة الوكالة بطعنه في الظهر وهو ما حصل على وجه التحديد ثانياً وهي قضية لا تقل خطورة إن السياسي مازال يتخل في كافة مناحي الحياة الفلسطينية بشكل مباشر فتجده يطغى على الرياضة والقضايا النسوية وقضايا الثقافة والمجتمع الفلسطيني بهذا المعنى معطل عن أي نشاط باستثناء السياسة. وهو ما يجب الانتهاء منه في أقرب وقت.
فوجئت بأن بعض الناس يظن وكالة الغوث منظمة إنسانية، ولا يجوز أن تعامل وكأنها رب عمل عادي يحق الإضراب ضده..الخ ولكن قصة إنسانية الوكالة هي جزء من الإدعاء أن قضية اللاجئين قضية إنسانية لا سياسية. والواقع أن هذا يفسر إلى حد كبير ما الذي جرى. إن أحدا لم يقم بجهد من أي نوع لتوعية الرأي العام المحلي أو تعبئته في صف الإضراب. ونحن نصر على أن السبب يعود إلى توجيه الاهتمام نحو الخارج بدل الداخل كتعبير عن روح التبعية التامة في زمن العولمة. هل سيقوم اتحاد العاملين في وكالة الغوث بكسر العادة العربية التي تزعم تحقيق النصر مهما كانت النتيجة الفعلية؟ هل سنسمع عن عملية تحليل وتقييم نقدي لما جرى على امتداد أكثر من ستة أسابيع من الإضراب؟ لا بد أننا لا نحسب في عداد المتشائمين إذا توقعننا عدم حصول ذلك لأن " القيادة" بدأت تتحدث بالفعل عن أن الإضراب لم يحقق نتائج واضحة، ولكنه مع ذلك يعتبر إضراباً ناجحا! وهذا ربما يعد دليلاً جديداً على قدرة العقل العربي على خرق قانون المنطق الشهير، أعني بالطبع مبدأ عدم التناقض.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قانون خصخصة المستشفيات في مصر.. هل تتأثر الخدمة الصحية للفقر


.. رئيس الوزراء: رفع نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة إلى 19




.. بعد رفع الا?جور الطبية مطالب برفع الحد الا?دنى للا?جور، أح


.. رئيس لجنة قوى النواب يكشف أهم مطالب العمال في برنامج الحكومة




.. ضبط 84 حالة عمل ا?طفال و 1324 زيارة تفتيشية مخالفات لا?صحاب