الحوار المتمدن - موبايل


ظاهرة الاتجار بالبشر مع إشارة خاصة إلى العراق(2)

هاشم نعمة

2011 / 8 / 20
ملف : ظاهرة البغاء والمتاجرة بالجنس


الاتجار بالنساء والأطفال

تؤثر الهجرة الدولية والاتجار بعدد كبير من النساء والأطفال. وتشكل هذه المجموعة أغلبية السكان اللاجئين في العالم، وهي تشكل، أيضاً، أغلبية ضحايا الاتجار؛ ويتعرض العمال المهاجرون أو أطفالهم أيضا، للإساءة والاستغلال، خصوصاً.

في النصف الأول من القرن العشرين كان مفهوم الاتجار بالبشر يعني ممارسات الغرض منها الدعارة والاستغلال الجنسي. وهذا واضح من تحليل خمس وثائق دولية تم تبنيها خلال هذه الفترة بدءا من "الاتفاقية الدولية لحظر الاتجار بالرقيق الأبيض" عام 1904. وفيما بعد توسعت وتعمقت وجهات النظر المعاصرة. وعُد الاتجار على نطاق واسع بأنه يمثل " الشكل العصري للعبودية". هذا المصطلح يبدو بأنه يختلف عن الشكل القديم أو التقليدي للعبودية في حين لا يوجد قبول دولي له.( )

عالم الجريمة البشعة الذي يسكنه الظلام، مئات الآلاف من الفتيات البريئات المخطوفات يعبرن الحدود ليلاً. هذه هي الصورة التي تسيطر على الإعلام والمتعلقة بالاتجار بالنساء. حيث يؤجر النساء والفتيات من أجل الاستغلال الجنسي لمدة 15 دقيقة ولعشرات المرات يومياً أو يبعن بالكامل إلى متاجرين آخرين بالجنس وإذا حاولن الهروب يتعرضن للضرب وأحياناً للقتل. وتشير الدراسات إلى أن 40.000 من النساء تم تهريبهن إلى ألمانيا للعمل في الدعارة ضد رغبتهن.

هذا الإنذار المتعلق بالاتجار بالفتيات البريئات والمنحدرات في الغالب من دول أوروبا الشرقية. غذى مشاعر الكراهية ضد المهاجرين حيث لم يصوت عام 2005 الهولنديون والفرنسيون على مسودة دستور الإتحاد الأوروبي وتصاعدت الدعوات لتجريم المهاجرين في الكونغرس الأمريكي عام 2006، والدعوات لمنع الدعارة كوسيلة لمكافحة الاتجار بالبشر في الدول الأوروبية مثل فنلندا وبلغاريا والسويد وسويسرا. في الواقع، يعتقد الكثير من الأوروبيين بأن انضمام الدول الجديدة للإتحاد الأوربي عام 2004 سمح للمافيات من وسط وشرق أوروبا بتشديد قبضتها على الجريمة المنظمة. ويبدو أن الاتجار بالنساء أصبح يمثل مصدر مخاوف وهمية انسحب على الأجانب والمهاجرين والمجرمين والإرهابيين والعولمة، لدرجة بات، في الغالب، من الصعب فصل هذه المخاوف عن القلق الحقيقي المتعلق بمصير النساء المتاجر بهن.( ) وهذه مسألة تكتسي بعدا أخلاقيا لا ينبغي إغفاله تحت أي ذريعة.

الاتجار بالأطفال ظاهرة عالمية وذات أنماط معقدة. ويأخذ طريقه للكثير من الأغراض التي تشمل الاستغلال الجنسي، العمل المنزلي، العمل في الزراعة والمناجم، والرياضة أو لغرض التبني. ويجري الاتجار بالفتيات والفتيان. وحتى عندما لا يوجه الأطفال لصناعة الجنس فهم يتعرضون لخطر القسوة الجسدية وتشمل القسوة الجنسية. وتكون الأسباب الجذرية للبيع والاتجار متعددة ومعقدة تشمل الفقر، نقص فرص العمل، انخفاض المستوى الاجتماعي للطفل، الحصانة من المقاضاة أو اتخاذ الإجراءات القانونية، ونقص في التعليم وتدني في مستوى الوعي. كذلك الأطفال الذين ينتمون إلى مجموعات الأقليات أو الذين لم يتم توثيقهم. خصوصاً. يكونون أكثر عرضه للاتجار.

يدخل الاتجار بالأطفال ضمن أسوأ أشكال عمل الأطفال في اتفاقية منظمة العمل الدولية التي صادقت عليها 150 دولة حتى مايس (ماي) 2004. حيث باتت هذه الظاهرة في تزايد. فطبقاً لإحصائيات منظمة العمل الدولية فإن بين 200.000-250.000 من النساء والأطفال يتاجر بهم سنوياً في جنوب-شرق آسيا فقط. ويقدر بأن 1.2 مليون طفل يتأثر بهذا الاتجار سنوياً في العالم. وفي جنوب-شرق أوروبا 90% من النساء الأجنبيات العاملات في الدعارة يزعم بأنهن ضحايا الاتجار و10-15% منهن فتيات بعمر أقل من 18 سنة. ويجري الاتجار بالأطفال الأصغر من الفتيان والفتيات لغرض العمل القسري.( )

الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية

قبل حوالي 20 سنة، نالت الهجرة غير الشرعية اهتماماً أكاديمياً قليلاً، نسبيا، جزئياً، بسبب نقص المعطيات. هذا الوضع بدأ يتغير مع بدء العمل على توفير المعطيات بواسطة عمليات التنظيم القانونية للهجرة غير الشرعية الكبيرة الحجم، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا الجنوبية. ومنذ أواخر التسعينات، أنتج هذا النوع من الهجرة مادة مهمة للأدب السياسي والأكاديمي( ) مما ساهم في التعمق بدراسة هذا الموضوع.

الفكرة الشائعة عن الهجرة غير الشرعية أنها تدار من قبل مجموعات الجريمة المنظمة التي تنقل النساء والفتيات من بلد إلى آخر وتجبرنهن على العمل في الدعارة. ويتاجر بالرجال والفتيان أيضا لغرض الاستغلال الجنسي. لكن تشير البحوث بأن الرجال والنساء والأطفال يتاجر بهم لغرض استغلالهم في أعمال غير جنسية مثل العمل أو الخدمات حيث عموماً تكتسي هذه الأعمال طابعاً شرعياً. حديثا، عام 2002 توسع مفهوم جريمة الاتجار بالبشر ليشمل أيضاً الاستغلال بالعمل غير الجنسي. وتوفر البحوث الدليل بأن الاتجار بالبشر للعمل، خصوصا، في الخدمة المنزلية لا يقتصر على القطاع الخاص بل يتعداه إلى القطاع العام. لذلك عد الاتجار بالإنسان لغرض استغلاله في العمل، أحد أشكال هذه الظاهرة وهو جريمة حيث من خلاله ترغم أو تخدع الضحايا على العمل وتحت سيطرة الآخرين الذين يبحثون بطريقة فظة ولا إنسانية عن الربح من معاناة ضحاياهم.

ما يبدو بأنه اختيار المهاجر فإنه يصنف كاتجار بالبشر إذا تمت الموافقة الأولية للضحية باستخدام الخداع، أو الإكراه أو أي وسائل أخرى, وجرى استغلال المهاجر فيما بعد. أي أن وسائل الموافقة بدلا من الموافقة بحد ذاتها تعد المسألة المهمة في تصنيف الهجرة الطوعية عن الاتجار بالبشر. ولابد من تحليل العلاقة بين الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية. حيث من الممكن أن تكون الأخيرة أحد أوجه الاتجار. ويمكن أن يكون الاتجار، داخلياً. فمثلاً، في تايلاند نقل المواطنين من المناطق الريفية إلى المدن الكبيرة مثل بانكوك للعمل في الدعارة والاستغلال الجنسي يُعد اتجاراً بالبشر من قبل بعض المهتمين، خصوصاً، المنظمات الدولية غير الحكومية.( )

في الممارسة العملية، غالباً، يصعُب إيجاد فرق واضح بين الهجرة الاختيارية والقسرية باستثناء العبودية. ونعرف بأن الكثير من المهاجرين لا يفهمون شروط عقد العمل الذي وقعوه ولا يمكنهم تذكر هذه الشروط. وتشير منظمة هيومن رايتش بأن وكالة العمل في بلد الأصل إذا لم تبلغ المهاجرين عن الظروف الواقعية التي ستواجههم في بلاد المقصد فإن هذا يعد نوعاً من الاتجار بالبشر.

وحسب المنظمة الدولية للهجرة يبلغ حجم العمالة المهاجرة العاملة في الخدمة المنزلية 1.2 مليون في السعودية و 600.000 في الإمارات العربية. وفي لبنان وطبقا لمسح 2005-2006 قدرت العمالة النسائية المهاجرة بحوالي 160.000 تنحدر بشكل رئيسي من سريلانكا (100,00)، والفلبين (30,000) وأثيوبيا (30,000). لذلك يمكن التقدير بشكل جيد بأنه يوجد أكثر من 2 مليون من هذا النوع من العمالة في الشرق الأوسط. علماً، أن أعداداً غير قليلة منها تصنف كاتجار بالبشر.
دراسة عينة شملت النساء المهاجرات العاملات في الخدمة المنزلية في لبنان والمنحدرات من سريلانكا والفلبين وأثيوبيا بينت أن 31% منهن لا يسمح لهن بالخروج من المنزل؛ و34% لا يتمتعن باستراحة منتظمة. وبالنسبة لوقت العمل 65% يعملن 11 ساعة أو أكثر ؛ و42% يعملن 13 ساعة أو أكثر ؛ و31% يعملن 15 ساعة أو أكثر في اليوم وكثيرات أشرن بأنهن يكن تحت الطلب لمدة 24 ساعة في اليوم.( )

الحقوق الواردة في المواد 13، 23، و24 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948 تنتهك بشكل يومي بالنسبة للعمالة الأجنبية العاملة في الخدمة المنزلية في الشرق الأوسط. وهذا يتعلق بالمعاملة القاسية وغير الإنسانية والإذلال؛ حرية الحركة؛ حق اختيار العمل؛ ظروف ملائمة في العمل؛ الحق بالمساواة في الأجر لنفس العمل؛ الحق بتشكيل الاتحادات العمالية؛ الحق بالراحة والتمتع بوقت الفراغ؛ وتشمل المواد أيضاً تحديد معقول لساعات العمل وعطل دورية مدفوعة الأجر.( ) إن هذا الانتهاك للحقوق يرتبط بسيادة الأنظمة الاستبدادية في المنطقة التي لا تقر بحقوق مواطنيها فما بالك بالعمالة الأجنبية.

وتنطوي الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا على ممارسات تصنف بأنها نوع من الاتجار بالبشر. حيث أصبح شمال المغرب موطن لشبكات تهريب البشر المختلفة إلى أوروبا وبالأخص أسبانيا، وتتراوح هذه من المجموعات الإجرامية الدولية المنظمة إلى الصيادين الذين تحولوا إلى مهربين. ومعظم التهريب لا ينظم من قبل منظمات إجرامية متماسكة، ولكن من قبل شبكات من الأفراد. والعدد الأكبر من المهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء الذين يسافرون عبر المغرب ويدخلون أسبانيا بدون تأشيرة يأتون من الكاميرون، ساحل العاج، الكونغو، الكونغو الديمقراطية، غامبيا، غانا، غينيا، غينيا- بيساو، ليبريا، مالي، موريتانيا، نيجيريا، السنغال، وسيراليون. ويأتي مهاجرون من بقية دول غرب ووسط أفريقيا . الكثير من هؤلاء لا يتوفرون على مبالغ مالية كافية لتغطية نفقات رحلتهم، لذلك يعملون وهم في الطريق باتجاه الشمال ويتعرضون للاستغلال. وقضاء عدة سنوات في الطريق من غرب أفريقيا إلى أوروبا هو أمر ليس بغير المألوف. عملياً، كل المهاجرين يعتمدون على مهربي البشر للوصول إلى شمال أفريقيا. وفي حالات غير قليلة يقع هؤلاء ضحية النصب والاحتيال من قبل المهربين وتتم المتاجرة بهم. وفي الغالب، يتم إنزال المهاجرين في البحر مسافة 100 متر عن الساحل الأسباني ويجبرونهم على السباحة إلى الشاطئ. لذلك كثرة حالات الموت غرقاً.( ) وقد بذل المغرب وبدعم من الإتحاد الأوروبي جهوداً لمكافحة هذه النوع من الهجرة عبر أراضيه والذي تزايد حجمه منذ التسعينات لذلك تراجع عدد المهاجرين كثيراً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - موضوع هام
عبد الغني سلامه ( 2011 / 8 / 21 - 09:57 )
الأخ هاشم نعمه المحترم
الموضوع الذي تطرحه بالغ الأهمية والخطورة ةيكشف عن أكبر انتهاك لحقوق البشر في العالم الحالي الخالي من الرحمة ومن الإنسانية
أشكرك على طرح هذا الموضوع وكنت أود أن تشير أكثر إلى انتشار الظاهرة في العراق وإذا توفر لديك إحصاءات
تحياتي


2 - رد
د. هاشم نعمة ( 2011 / 8 / 21 - 14:49 )
الأستاذ عبد الغني سلامه المحترم
شكرا على ملاحظاتك المهمة ما يخص العراق سيتناوله الجزء الثالث من الدراسة
مع خالص تقديري

اخر الافلام

.. بيرق النخوات بني معروف


.. عدم قدرة شركات الرقائق الالكترونية على مواكبة الطلب الكبير


.. وكالة الأنباء التونسية تقاطع كل الأنشطة الحكومية | #النافذة_




.. تخطى أسطورة -ووريرز-.. كوري يصنع تاريخا جديدا


.. موسكو والناتو.. توتّر -القنبلة الموقوتة- | #غرفة_الأخبار