الحوار المتمدن - موبايل


ظاهرة الاتجار بالبشر مع إشارة خاصة إلى العراق(3)

هاشم نعمة

2011 / 8 / 26
ملف : ظاهرة البغاء والمتاجرة بالجنس


الاتجار بالبشر في العراق
العراق لم يسلم من الاتجار بالبشر. ففي حزيران (يونيو) 2004 قَدم تقرير إلى الكونغرس الأمريكي يتعلق بالاتجار بالبشر وشمل هذا التقرير 140 بلدا يعتقد بأن لديها عددا مهما وبأشكال قاسية من ضحايا هذه الاتجار ويبين التقرير أن الاتجار أخذ طريقه نتيجة الحرب حيث يرد فيه: يشهد العراق مؤشرات على انبثاق مشكلات الاتجار بالبشر. فوجود السكان النازحين والنساء الأرامل وأخريات عرضة للإغراء وأطفال مفصولين عن عائلاتهم أو أيتام يعتمدون على المساعدة الإنسانية من أجل البقاء كل هؤلاء يكونون مصدرا للعمل المستغَل أو الجنس. في كثير من حالات ما بعد الحرب تستغل العناصر المجرمة انكسار حكم القانون ويأس العائلات المهددة ماديا حيث يجري خطف وإجبار وخديعة الأشخاص للعمل في الدعارة. وينتعش المتاجرون بالبشر أيضا في الحالات التي يضعف فيها القانون. إضافة لذلك هناك نقص في البنية التحتية فيما يخص الخدمات والحماية التي من المفترض أن تقدم إلى الضحايا. النقص في الخدمات الطبية والإرشاد والحماية من المحتمل أن يشجع زيادة وقوع الأشخاص كضحايا لهذا الاتجار. وكما رأينا في أماكن أخرى من العالم يزداد الطلب على البغاء مع وجود القوات الأجنبية والمغتربين والموظفين الدوليين الذين يتقاضون دخولا جيدة.

لسوء الحظ انتشار الإعلان عن الخطف من أجل الفدية الذي ظهر إلى السطح بعد نهاية العمليات العسكرية الرئيسية في ربيع 2003 بدأ يعطى مبررا للقلق الوارد في التقرير المذكور حيث بدأت تكتب التقارير في ذات السنة عن العديد من حالات الخطف من أجل المتاجرة بالإنسان. وجلب انتباه الإعلام خطف الكثير من العمال الأجانب في العراق وقتل العديد منهم. هؤلاء العمال يرغبون أصلا بالبحث عن عمل في البلاد ( رغم أن بعض الحكومات لأسباب أمنية لم تشجع أو حتى منعت مواطنيها من البحث عن فرص العمل في العراق).

وقد ذكرت التقارير بأن هناك نمطا جديدا من الاتجار بالعمالة المهاجرة انبثق بشكل واضح بسبب الفوضى وارتخاء متطلبات الدخول إلى العراق خلال المرحلة التي أعقبت الحرب. مواطنون من بنغلاديش والهند والصومال ودول أخرى وعدوا بالعمل في الأردن من قبل الوكلاء المحليين الأردنيين والذين تقاضوا رسوما باهظة منهم. وكان بدلا من ذلك قد أخذوا عبر الحدود إلى الصحراء العراقية وتركوا هناك ليعيلوا أنفسهم. وطبقا لبعض التقارير الإعلامية فإن 1000 مهاجر على الأقل سقطوا ضحية هذا الاحتيال في مايس (ماي) 2003 وحاولوا العبور ثانية إلى الأردن بعد شهور قضوها في بغداد وأجزاء أخرى من العراق ( في بعض الأوقات واجهوا حالة المواجهات العسكرية) بدون عمل وغذاء ونقود أو وثائق سفر صالحة وتأشيرات دخول.( ) وكانت منظمة الهجرة الدولية والأمم المتحدة قد أطلقت مناشدة جديدة لحماية العاملين المهاجرين في العراق، ومنع الاتجار بالبشر، مع الكشف عن تشريد العشرات من العمال من جنوب آسيا في بغداد من دون وثائق ولا أموال تساعدهم على العودة إلى أوطانهم. وقد دفع هؤلاء في بلدانهم حوالي 3000 دولار من أجل البحث عن عمل. وتمت مصادرة جوازات سفرهم فور وصولهم من قبل مشغليهم.( )

خلال عام 2004 أجرت المنظمة الدولية للهجرة بحثا بعنوان " تقييم ميداني للاتجار بالبشر في العراق". وكان الهدف منه دراسة الاتجار، خصوصا، بالنساء والأطفال من وإلى العراق. وكان يفترض أن تجمع معلومات من المجموعات التي تتعامل مع الضحايا وأولئك الذين يكونون عرضة لهذا الاتجار. ودراسة حجم واتجاهات الاتجار في السياق العراقي ووضع توصيات حول هذا النوع من الاتجار من وإلى العراق والمساهمة بتأسيس شبكة منظمات حكومية وغير حكومية( ) للتعامل مع هذا الموضوع.

وقد أشارت تقارير دولية متعددة عن حالات الاتجار بالبشر وعدت بعضها العراق كونه يمثل "الحالة الأسوأ" في العالم. وكانت وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي حول الاتجار بالبشر لعام 2010 والذي تضمن تفصيلات عن هذه الممارسات في 175 دولة منها العراق قد ذكرت ما نصّه أن "نساء وفتيات عراقيات، بعضهن دون سن الحادية عشرة، يخضعن لحالات الاتجار بالبشر كالعمل القسري والاستغلال الجنسي في داخل البلاد وفي سوريا ولبنان والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة وتركيا وإيران وربما اليمن. وفي بعض الحالات، جرى إغراء النساء من خلال الوعود الكاذبة بمنحن فرص عمل. ومن أكثر الوسائل المستخدمة للاتجار بالبشر بيع النساء أو الزواج القسري". ويضيف التقرير إن "بعض أفراد العائلة يرغمون الفتيات والنساء على الدعارة كوسيلة للتخلص من ظروف اقتصادية يائسة أو لتسديد ديون أو لحل نزاعات بين الأُسر" مضيفاً أن "الاتجار ببعض النساء والفتيات يجرى داخل العراق لأغراض الاستغلال الجنسي عن طريق ما يعرف بزواج المتعة". و"أن رجالا عراقيين انتهزوا هذه الوسيلة، أي زواج المتعة، للاتجار بعدة نساء بين المحافظات العراقية أو في دول مجاورة خاصةً سوريا، وذلك لإرغامهن على الدعارة." وتعود بدايات هذه الظاهرة إلى التسعينات بعد غزو الكويت في 1990 وفرض الحصار الاقتصادي على العراق وتوسعت أكثر بعد احتلال العراق عام 2003 وما نتج عنه من ضعف الأمن والاستقرار واندلاع العنف الطائفي والتهجير القسري وغياب القوانين التي تكافح الاتجار بالبشر في العراق.

فيما يتعلق بالاتجار بالأطفال وكما نشرت صحفية "الغارديان" البريطانية بشأن تنامي هذه الظاهرة وإخضاع الأطفال المباعين لممارسات غير أخلاقية وشاذة. حيث كشفت عن أن 150 طفلاً يتم بيعهم في السوق السوداء سنوياً بمبلغ يتراوح ما بين 200 و4000 جنيه إسترليني للطفل الواحد. ونقلت عن تاجر أطفال بأن "أسعار الأطفال في البلاد أرخص من بلدان أخرى ونقلهم أسهل، وذلك راجع لاستعداد الموظفين الحكوميين للتعاون مع التجار وتزويرهم بالشهادات والوثائق الثبوتية ." ورقم لأطفال هذا تقديري لا يستند إلى إحصاءات دقيقة. وأنه يتم إخضاع هؤلاء الأطفال لممارسات غير إنسانية متنوعة من ضمنها ممارسات جنسية، مشيرة إلى أن تراخي الحكومة وعدم قيامها بواجبها في فرض الأمن، وحالة التسيب التي تمرّ بها الحدود مع دول الجوار، سبب رئيس في رواج الاتجار بالأطفال الذي يتم خلاله، ليس فقط بيع الصغار في السن في السوق المحلي، بل نقلهم إلى الخارج إلى الأردن وسورية وتركيا والبعض منهم يجري تسفيره إلى بعض الدول العربية والأوروبية، بما في ذلك سويسرا وأيرلندا وبريطانيا والبرتغال والسويد.

ونتيجة لرواج هذه الظاهرة ارتفعت نسبة عمليات خطف الأطفال، والتي يقوم الخاطفون بعدها ببيع الأطفال لقاء حفنة من المال، إذ أن عصابات الجريمة المنظمة المتخصصة في ذلك والتي نشأت في البلاد يستفيد أفرادها من الفوضى التي مازالت في الشارع. ونظراً لعدم وجود جهة رسمية تهتم بهذه الظاهرة وبوضع حد لها، يجعل من الصعب الحصول على أرقام دقيقة عن الأطفال الذين يتم بيعهم سنوياً، فيما تعتقد الشرطة والمنظمات المهتمة بحقوق الإنسان، أن الاتجار انتعش وزاد بنسبة الثلث منذ عام 2005.( ) وهذا يعكس حجم المأساة المروعة التي تتعرض لها الطفولة في العراق في ظل غياب معالجة جذرية لها.

المعالجات

تمثل العلاقة بين الاتجار بالبشر والفقر والظروف الاجتماعية العنصر الأساس في أي فهم لأسباب الظاهرة. لذلك يجب إعطاء الأولوية للعلاج الممكن بدءاً من مجتمعات الأصل. في الواقع العملي السياسات الوطنية والدولية لمكافحة الظاهرة عملت القليل، نسبيا، لإصلاح وضعية النساء اللاتي يجدن أنفسهن واقعات في قبضة شبكات الاتجار بالبشر. من جانب آخر، تتطلب المكافحة تضافر حقول معرفية متخصصة من أجل كشفها والتعامل معها بوسائل محددة. أمثلة من ذلك تشمل تعزيز القانون الذي يعالج الإكراه خلال النقل، وتنظيم قانون الهجرة الداخلة، واستخدام العمل المستغل. بعض الدراسات الحقوقية المتعلقة بالجريمة تركز على الدعارة والهجرة غير القانونية (بعضها يكون تهريب) وتجعل البحوث الاجتماعية التشريع أكثر فعالية لأنها تزيد المعرفة بالمعايير الثقافية والاستجابة المطلوبة للمعالجة.

ويلاحظ أن الكثير من السياسات الحديثة لمكافحة الاتجار بالبشر تعكس كلا من هيمنة أسلوب التجريم في الاتجار بالنساء والقلة النسبية للحماية الحكومية وتوفير برامج المساعدة للنساء المتاجر بهن. تجريم المشكلة يتبنى النهج القائم على أن السبيل الوحيد لمكافحة هذه "الصناعة البربرية" هي إلقاء القبض على المجرمين، وضبط الحدود، وزيادة امن الدولة. هذا النهج انعكس في قانون حماية ضحايا الاتجار في أمريكا، وبروتوكول منع وحظر ومعاقبة الاتجار بالبشر ضمن اتفاقية الأمم المتحدة للجريمة المنظمة عبر الحدود عام 2002، والقرار الإطاري للإتحاد الأوروبي، إضافة إلى بعض مواد اتفاقية الإتحاد الأوروبي لعام 2005.( ) بتقديرنا إن هذه الإجراءات على أهميتها لا تكفي يفترض أن تتوفر حزمة من المعالجات تتعامل مع الأسباب الحقيقية في بلد الأصل والمقصد وتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بمنهج مترابط.

كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة يوم 18 كانون الأول (ديسمبر) 2010 في رسالته بمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين"إنني أحث الدول الكثيرة جداً التي لم تصادق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم على التصديق عليها. كما أدعو الأطراف في الاتفاقية إلى تكثيف جهودها للمساعدة في إعمال الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية. فالوضع غير القانوني للكثير من المهاجرين الدوليين يجب ألا يحرمهم من إنسانيتهم أو من حقوقهم"

حديثاً بدأت الدول الخليجية جهودا لمكافحة هذه الظاهرة تضمنت تأسيس لجان للتعامل معها مثل قطر عام 2005 والإمارات عام 2007 والبحرين عام 2008، وهناك نية لدى الكويت لإلغاء نظام الكفيل الذي يُستغل في حالات غير قليلة للانتفاع المادي على حساب العمالة المهاجرة. عموماً هذه الجهود لم ترق لحد الآن للمستوى المطلوب.( )

بالنسبة للعراق لا توجد معالجة جدية لهذه الظاهرة رغم وجود عدة فقرات تضمنها الدستور للحد من جريمة الاتجار بالبشر كما جاء في المادة 29/ الفقرة الثالثة التي تنص على ( يحظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال بصوره كافة وتتخذ الدولة الإجراءات الكفيلة بحمايتهم )، والمادة 37 / الفقرة الثالثة (يحرم العمل القسري السخرة والعبودية وتجارة العبيد ”الرق“ ويحرم الاتجار بالنساء والأطفال وتجارة الجنس ).( ) وكانت شذى عبد الملك مديرة عام العلاقات بوزارة العدل قد أعلنت في الملتقى العلمي لمكافحة الاتجار بالبشر الذي عقد في القاهرة في 20 كانون الأول(ديسمبر) 2010. بأن "لدينا مشروع قانون معد من قبل مجلس شورى الدولة ومقترح من قبل وزارة الداخلية العراقية وهذا المشروع ملم بكافة الجوانب من العقوبات ومنفذي عمليات الاتجار وحصر حالات الاتجار ومعالجة الضحايا وغير ذلك"، لافتة إلى أن "العراق وقع على اتفاقية الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية بموجب القانون رقم 20 لسنة 2007 وانضم إلى قانون الجريمة المقترح من الأمم المتحدة".( )

إذن يتطلب الأمر، تعريف المجتمع بالاتجار لخلق رأي عام ضاغط يدفع البرلمان إلى الإسراع بتشريع القانون الذي يحرم الاتجار بل ويعاقب مرتكبيه بشدة وتنفيذه حيث العبرة ليست فقط بوجود القوانين وإنما أن تدخل حيز التنفيذ إضافة إلى ذلك لابد من ضبط الأمن وعودة الاستقرار والقضاء على البطالة والفقر والتفاوت الفاحش في الدخول والاهتمام بالطفولة والنساء والرفع من مكانتها. وأن تكون هناك حملات منظمة ومستمرة لرفع وعي العائلات بمخاطر الاتجار ودوره في تفتيت وحدتها. وبموازاة ذلك ينبغي أن تكون المعالجة شاملة، اقتصادية،اجتماعية،سياسية، ثقافية، لأن هناك، دائما،ترابطا، وتأثيرا،متبادلا، بين هذه المتغيرات والاتجار بالبشر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. #تمارا_جمال تروي كيف واجهت التنمر في #يوم_مع_ميسون.


.. هجوم نطنز في إيران: الرسائل وحدود الرد والمواجهة


.. أبرز مسلسلات الدراما المصرية في رمضان 2021.. القصص وقنوات ال




.. بيروت تدعو دمشق إلى التفاوض على ترسيم الحدود البحرية | #رادا


.. فرض حظر كلي لمدةِ 10 أيام إضافية شمال شرقي سوريا