الحوار المتمدن - موبايل


إذا الشعب يوماً أراد الحياة

سيف عطية
(Saif Ataya)

2011 / 8 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


الحكام العرب لا يعتظون من تجارب ما سبقهم ، فكل يغني على ليلاه، وكل يدّعي بأنه يختلف عن الغير فشعوبهم سعيدة، وشعرائهم وكتابهم وأناشيدهم وقياداتهم العسكرية والأمنية والمدنية تمتدحهم وتباركهم على كل خطوة وتدعوا لهم بدوام القيادة الى الأبد فلولا بركة الله لما أنزل هؤلاء الحكام عليهم من السماء وإلا بدونهم ستكون بلادهم منهوبة وعميلة وتحت رحمة الإستعمار الكافر. وهذه بالطبع هي الشمّاعة المثلى الجاهزة لمن يحاول أن ينتقد الفئات الحاكمة "لاسمح الله" لأنهم الطبقة المقدسة التي لاتُسَب ولا تُشتم ولأنهم جائوا ببركة الله وقضاء وقدر الشعوب. فكل معارض فانِ وكل منتقد فانٍ حتى ولو كان الشعب كله سيكون فدية من أجل الحاكم.

من الطبيعي إن ما تمتلكه بلادهم من ثروات بشرية وإقتصادية ان تكون من أملاك الحاكم ، ويتم كل ما تطوله أيديهم لا لشئ بل لحماية أنظمتهم المشكوك فيها ومصالحهم الخاصة لديمومة نظامهم بدون رقابة ومحاسبة وقصاص وبشكل مطلق. ومن الطبيعي قيام الأنظمة بهذا المنطق المنحرف سيؤدي بالتالي الى صناعة أنظمة قمعية دموية قبلية سلطوية لاتأبه بمصلحة الرعية وخدمة الشعب إنما تقود بمبدأ "الصراع من أجل البقاء" وهذا يعني أن القوي "الحاكم" يأكل الضعيف "الشعب" في بلاد الغاب لأنهم أما حكاماً مُنَصبين أو عن طريق ثورات عسكرية إنقلابية ليس لها قاعدة شعبية لديمومتها وأمنها فسيبقى الخوف من الكلمة كابوسهم اليومي.
السؤال الذي يطرح نفسه نفسه هنا هو كيف يتم السيطرة على الشعب من قبل فئة صغيرة قبلية كانت أم عسكرية؟ وكيف يتم لهم بالسيطرة والتحكم بثروات الشعوب ورقابهم؟

من الضروري على كل قيادة جديدة حاكمة قادمة عن طريق التنصيب والإنقلابات أن تحارب كل ماهو ديمقراطي وأفكار طموحة وتقدمية وبشتى الوسائل وأن تأتي بشعارات غسل الأدمغة ووعود ثورية حماسية عاطفية دينية وقومية حسب مايلائم الوقت والغرض والمكان وحسب مستوى الثقافة في هذا البلد أو ذاك ناشرة بكل ثقلها مغتصبة الأقلام والإعلام ووسائله الرائعة من خلال الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والكتب المصطنعة بالتمجيد والتعظيم والتقديس لهم من أجل إقناع الجماهير الكادحة المغضوب عليها بالتريث والصبر وتأجيل مطالبهم المشروعة والإنسانية الانية وإقناعهم بإن المستقبل السعيد والعظيم آتٍ مهما كان الثمن. إضافة الى ذلك فإن السعي الدائم من قبل الفئات الحاكمة وبدون تململ في إجتذاب وكسب الطبقات المثقفة وأشباه المثقفين والجيش وقوى الأمن بالمال والسلاح والقوة والشهرة ليضمنوا بذلك ثقة المتسلطين ليؤدي بالتالي الى ديمومتهم والتسلط على العباد في البلاد.

ومن الطبيعي أن تخلق هذه الأنظمة الغير منتخبة والغير شرعية القصص الخيالية البطولية وعلى السواء إبتكار الصرعات البطولية على أن هناك من يريد تدمير الشعب والإنجازات الفذّة التي حققوها وإن مايسمى بالقمع ما هو إلاّ لحماية الشعب وممكن أن يسمى بالتأديب وأما التعذيب والقتل ممكن أن يسمى بالعقاب العادل وما هو إلا لمصلحة البلد ولولا حكمهم لأبتلع الإستعمار بلادهم وتحت شعارات أن الخونة والعملاء والإرهاب والإسلاميين وإلخ من التفاهات التي لا حصر لها متبعين نظرية " الترغيب والترهيب"

والغريب بالأمر ومع مرور الزمن تبدأ القصص الملفقة والخرافات المصطنعة يصدقوها أنفسهم وكأنها حقيقية ويبدأ الكذاب يصدق كذبه لما لهم من قوة وإرهاب الدولة. ومن الغرابة أن لا يكتفي هذا الحاكم وذاك الجاثمين على صدور شعوبهم عبثاً وفسادً بنظرتهم وإيمانهم السادي وتلذذهم بفن القتل وإعطاء الألقاب الرنّانة. فعلى سبيل المثال كان لصدام أكثر من أسماء الله الحسنى وتعداها وأصبحت تماثيله وصوره تملأ العراق من شماله الى جنوبه وإن تأليهه أصبح حاجة ملحة ومن لم يقتنع فسيكون مصيره كما كان مصير من سبقه في الزنزانات المنتشرة في أنحاء البلاد أو القتل أو الإختفاء من الوجود. وهكذا القذافي ومبارك وأسد وغيرهم الكثير. ومن الغريب أن الحكام أصبحت لهم شهادات علمية وعسكرية وبطريقة سحرية سريعة بقدرة الخالق.

إنّ الإستهتار بمصير الشعوب وقوتهم ونضالهم أصبح مسألة عادية فالقذافي يلقب شعبه المنتفض الثائر بالجرذان ومبارك يسميهم بالصيّع وأولاد الشوارع وصدام من قبلهم بعد إنتفاضة شعبان ما بعد حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت سنة 1991 بالغوغائيين الخونة وهكذا في سوريا واليمن والبحرين وتونس فتتعدد الأسماء والعذر واحد وهم بهذا يطبقون المثل القائل "عليَّ وعلى أعدائي" كما كان صدام يقول إذا ما زال نظامه سيسلم العراق رماداً وقالها القذافي في الأمس سأحرق كل ليبيا . هؤلاء هم الحكام الوطنيون أصحاب الأسماء الرنّانة حتى وجد صدام في الجحر وسيأتي مصير القذافي وما يليهم بقوة الشعوب وبلعنة الخالق الأبدية.

الى متى ستبقى شعوب المنطقة العربية تؤمن بالطاعة للوالي المطلقة وأن هذا قدرهم ويقنعون أنفسهم بأنهم ينتظرون الفرج ولا يحركون ساكناً وإ ن هذا هو المكتوب عليهم او منهم من يكتفي ب"إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب" وهذا ما تروّج له الطبقات الحاكمة وطباليهم لأحكام القبضة الحديدية على كل ما تسوّل نفسه بالمطالبة بالرغيف وقول كلمة حق.

لا تنسوا غضب الشعوب وصدق أبو القاسم الشابي عندما قال في قصيدته الرائعة لحن الحياة

"إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد ان يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر "

سيف عطية
كاتب وأستاذ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رمضان في تركيا.. وجبات إفطار للمحتاجين في بيوتهم


.. شاهد: المروحية -إنجينيويتي- تنفذ أول طلعة جوية من نوعها في أ


.. نووي إيران.. مفاوضات في كنف العقوبات | #غرفة_الأخبار




.. نشرة الصباح | مسؤول إسرائيلي يحذرون بايدن من العودة إلى الات


.. 20 عاما على احتجاجات -الربيع الأسود- في الجزائر