الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل لحزب العدالة والتنمية رغبة في بناء مغرب ديمقراطي متنوع وموحد؟

سامر أبوالقاسم

2011 / 9 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


إن ما يقوم به حزب العدالة والتنمية اليوم من تصعيد في مواجهة كافة الفرق السياسية والدولة المغربية ينم عن الكثير من العجرفة السياسية، وعما يمكن أن يثار بخصوص الانغلاق واعتماد منطق وضع الذات الحزبية في مقام الأولوية، دون الأخذ بعين الاعتبار إمكانية الاختلاف مع الآخرين، أو القبول بمبدأ تدبير هذا الاختلاف على أساس بعض القواعد والضوابط العامة التي يتم الاحتكام إليها للوصول إلى اتفاق بين كل الفرقاء ذوي المشارب الفكرية والسياسية المتنوعة بتنوع روافد ومكونات هوية هذا الوطن.

بل تعدت ممارسات هذا الحزب الديني كل الحدود المتوقعة، من حيث الإمعان في سحب حق المواطنة من كل من انتصب مواجها لأفكاره وأساليبه التي تعمل على إشاعة المزيد من التفرقة بين مواطنات ومواطني هذا البلد، خاصة حين يدعو إلى حل هذا الحزب وإقالة ذلك الموظف وفرض المحددات القانونية والإجرائية على مقاس إخراج حكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية، والتشكيك في كل المقترحات المختلفة أو المخالفة، والطعن في نتائج الانتخابات قبل إجرائها، وإصدار موقف سياسي سلبي من التقطيع الانتخابي قبل الحسم فيه...

وما يهمنا بالأساس في هذا النقاش هو أن القادم من الأيام ربما سيعرف المزيد من رفع وتيرة المنحى الشمولي لهذا الحزب الديني الذي لا شك أنه يشكل خطورة على حاضر ومستقبل الإنسان والوطن بالدرجة الأولى، لتستفيق مخاوفنا؛ تلك المخاوف التي ترجع إلى تجارب مريرة عشناها طيلة عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي مع جماعات دينية متطرفة داخل الجامعات وفي معترك الفعل داخل النقابات والفضاءات الجمعوية، والتي منها ينحدر أغلب "قياديي" حزب العدالة والتنمية الحالي.

لقد فتح الفاعلون السياسيون الباب أمام هؤلاء للعمل السياسي الشرعي والسلمي والمسؤول، وحماية حقهم في الاشتغال على المادة السياسية بعيدا عن تديينها، لكنهم للأسف قابلوا هذه الأريحية ـ التي كان لنا بخصوصها تحفظ كبير ـ بكثير من الإساءة ونكران الجميل والقذف في كل الاتجاهات بما جادت قريحتهم من مكروه.

لقد عُرِف المغاربة في ظل مبدأ التعددية السياسية باحتضان كل فاعل سياسي جديد يقصد المساهمة في بناء وإرساء وترسيخ وتثبيت قواعد التعامل والتنافس الديمقراطي، بغض النظر عن مشربه أو مرجعيته الفكرية أو الدينية أو الجنسية أو اللغوية أو العرقية، ولا اشتراط في ذلك سوى رجاحة العقل والتميز في السلوك كأساس لتمتين اللحمة بين بنات وأبناء البلد على أساس المنظومة القيمية الإنسانية الكونية.

لم يراع حزب العدالة والتنمية العديد من الأمور والأولويات بهذا الخصوص، وأخذ يتصرف بمنطق الحاكم المتحكم في منح حق المواطنة لمن أراد ولو من جماعات السلفية الجهادية وأفكارها وآرائها وأحكامها التكفيرية المعادية للديمقراطية، وتسبب في الكثير من الأذى الذي لحق المناضلات والمناضلين قبل أن يطال المواطنات والمواطنين على مرور الزمن الفاصل بين هذه اللحظة وتأسيس هذا الحزب الديني في أواخر التسعينيات.

ويَثْبُتُ للجميع اليوم، عبر هذه الحملة المسعورة لحزب العدالة والتنمية، التي يتهجم من خلالها على كل الأحزاب والدولة والفاعلين السياسيين بمختلف مواقفهم، أن ولاءه الأول والأخير يبقى لحركية الجماعات الدينية، وفي بدايات المنافسة/المواجهة السياسية على الاستحقاقات القادمة بدأ يتصرف كأحد رعايا إيديولوجية تلك الجماعات الدينية، دون أن يراجع ذاته بخصوص مصداقية موقفه وطريقة تصريفه السياسية في خضم حقل سياسي وطني متسم بتنوع المشارب والاتجاهات السياسية، وتعدد المواقف بخصوص النقاط العالقة ذات الصلة بالترتيب للاتفاقات اللازمة لإجراء الانتخابات.

إن هذا الحزب الديني، بتشكيكه في مرتكبي تفجيرات 16 ماي 2003 وتفجير مقهى أركانة في هذه السنة، وبرفضه التقطيع الانتخابي قبل دخوله مسطرة الحسم من طرف مكونات الحقل السياسي، وبتشكيكه في إرادة وأداء مختلف الفاعلين، وبمطالبته بحل بعض الأحزاب، وبضغطه لإقالة بعض موظفي الدولة، وبطعنه المسبق في نتائج الانتخابات التشريعية القادمة، بهذا وغيره أَوْغَلَ في إيذاء المناضلات والمناضلين وكافة الفاعلين، وبالغ في التهديد بالالتحاق بجماعة العدل والإحسان وجماعات السلفية الجهادية في الشارع، من أجل إشعال فتائل التوتر والقلق المهددين للاستقرار، وبهدف دغدغة عواطف الناس واستجداء تعاطفهم.

هذا الميل الدائم نحو الإسراف في الاعتداد بالنفس والزهو بالذات في حقل سياسي دقيق، مثل هذا الذي نرتب من خلاله أمور تثبيت دعائم المشروع المجتمعي التنموي الديمقراطي الحداثي، يدعو الجميع إلى مراجعة المواقف من هذا الحزب، والمساهمة في وضع شروط تجنيب البلاد مطبات الارتداد إلى ما قبل انطلاق الأوراش الإصلاحية الهيكلية الكبرى.

إن آفة الأصولية وطرق تصريف اتجاهاتها وميولاتها ومواقفها الدينية/السياسية، والتساهل مع ممارساتها المضرة بالحقل السياسي ومكوناته، إذا ما أضفنا إليها معضلتي الفساد المستشري والانتهازية السياسية، نكون أمام حواجز حقيقية وتعثرات فعلية لا تخدم الأجندة الوطنية، ونكون أمام ولاء يعمل على تفضيل مصالح الجماعات الدينية المتطرفة على مصلحة الوطن، كما نكون أمام إعاقة مستديمة معرقلة لأية خطوة في الاتجاه الصحيح لبناء مغرب ديمقراطي متنوع وموحد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف تساهم ألمانيا في دعم اتفاقية أبراهام؟| الأخبار


.. مروان حامد يكشف لـCNN بالعربية سر نجاح شراكته مع كريم عبد ال




.. حكم غزة بعد نهاية الحرب.. خطة إسرائيلية لمشاركة دول عربية في


.. واشنطن تنقل طائرات ومُسيَّرات إلى قاعدة -العديد- في قطر، فما




.. شجار على الهواء.. والسبب قطع تركيا العلاقات التجارية مع إسرا