الحوار المتمدن - موبايل


محمد السيد محمود...آخر شهداء ثورة يناير في بر مصر

خالد كاظم أبو دوح

2011 / 11 / 6
حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير


"محمد السيد " آخر الشباب الذين جادوا بحياتهم ثمنا لكرامة وحرية الشعب المصري في ثورته ضد القهر والظلم خلال المظاهرات التي اندلعت شراراتها منذ 25 يناير الماضي. فمن هو محمد السيد؟؟
هو من قرية الديابات، مركز أخميم، بمحافظة سوهاج، إحدى محافظات صعيد مصر، تلك المحافظة التي تعودت هي وأهلها على أنها سقطت من ذاكرة السلطات والحكومات التي تبدلت على مصر طوال العقود الماضية. في العقد الخامس من عمره، يعمل محامي بالقاهرة التي رحل إليها منذ سنوات، لتطحنه هذه المدينة بين ظروف الحياة الشاقة المستبدة، وظروف العمل المهلكة للروح، حيث التعامل مع العديد من الأفراد الذين ذاقوا ظلم هذا المجتمع وقسوته نخبته وفساد وزرائه......
"محمد السيد" متزوج ويعول اثنين من الأبناء، كان دائم الجلوس في نقابة المحامين، لا يمل الحديث عن القانون ومواده، فهو لا يقل علما أو ثقافة عن أي فقيه قانوني تراه عبر شاشات التليفزيون، قد يكون الفارق الوحيد أنه واحد من عباقرة الصعيد، ذلك الإقليم الذي يقتل أبنائه النابغين كما يقتل أعدائه، لا فرص، لا إمكانيات للترقي، وقد يكون هذا هو الدافع الأول الذي دفع الشهيد "محمد السيد" إلى الرحيل عن هذا الإقليم الظالم لأهله. جمعتني الصدفة لأجلس مع الأستاذ الشهيد أكثر من مرة، حماسه لا ينقطع، دائم النقد للواقع، يستخدم ما اسميه أنا النقد البناء الموضوعي، يحلم لنفسه ولمصر من قبله بأشياء جميلة، ويدعو الله دوماً بمستقبل أفضل، وكان جوهر هذا المستقبل من خلال رؤيته هو تحقيق العدالة في مصر.
خرج الأستاذ الشهيد كما خرج كل الشهداء في المظاهرات باحثين عن حياة كريمة وغد أفضل لبلادهم عامر بالحرية والعدالة الاجتماعية، الأستاذ الشهيد لا ينتمي إلى حزب أو حركة، وربما لم يقم بأي عمل سياسي طوال حياته، ولكن حماسه ورغبته في محو ظلام الخوف والقهر دفعه للمضي قدما نحو ما عاش يحلم به لهذا الوطن.
استمر الأستاذ الشهيد في ميدان التحرير طوال أيام الثورة وعاد بجرح استهان به من خلال سقوط شظية بالقرب منه ترك جرح بجسده، سبب له هذا الجرح تدهور في صحته، وبدأ يفقد وزنه بشكل مستمر، وتردد على العديد من أساتذة الطب الذين لم ينجحوا في تشخيص ما عنده، واستمر الأستاذ الشهيد في هذه الرحلة شهور طويلة، وعندما عدت إلى بلدتي التي هي نفس بلدته وسألت بعض الأصدقاء عليه عرفت أنه توفاه الله متأثراً بجراحه التي عاد بها من ميدان التحرير في أواخر شهر أكتوبر الماضي، مات "محمد السيد" دفع حياته ثمناً لثورة مصريية شعبية حقيقية ناصعة البياض، لم ترتكب هذه الثورة أي أخطاء إلا أنها سلمت السلطة للمجلس العسكري، الذي لا نعرف إلى أين يقودنا؟؟، وهل يستمد شرعيته من هذه الثورة ومن دماء هؤلاء الشهداء؟؟؟، أم أنه يرى أن هناك مصدرا آخر لشرعيته في إدارة شئون الوطن؟.
من منكم يا أهل مصر سمع بمحمد السيد، وكم محمد استشهد خلال هذه الثورة؟ أو عاد من ميدان التحرير لقريته أو النجع الذي يعيش فيه متأثرا بجراحه ثم استشهد؟؟ عندما سمعت خبر وفاة محمد السيد شعرت بأن قلبي ينزف وروحي هائجة في جوانحي، شعرت بأنه عاش على هامش هذا الوطن، وشارك في كل تفاصيل هذه الثورة، ومع ذلك استشهد على هامش هذه الثورة!!!.
محمد السيد واحد من أولئك الذين ثبتوا خلال مرحلة كان ميئوس منها، وكل ما تشاهده يؤدي بك إلى اليأس، لم يحمله على الثبات إلا وفاء نادر للوطن، وإحساس بالظلم ممتد عبر العقود التي عاشها في هذا الوطن. لم يكن يسعى من خروجه هذا إلى مأرب شخصي، ولم أراه يوما يدور حول شخص مهم قد يجني من ورائه دورانه فائدة أو مغنم، كان كل همه أنه مصري وأي مصري يجب عليه المشاركة فيما يحدث في ميدان التحرير، خرج وفرح بكل دقيقة عاشها وسط هذا الجو الثوري، غسل كل أحاسيسه بالظلم واستبدلها هناك بالعزة والسعادة الحقيقة لأنه انتفض لكل لحظات القهر والتفاوت التي عاشها أو عايشها مع آخرين، والحمد لله أنه لم يستمر في الحياة طويلا، لأنك إذا لم تمت بجراحك التي أصابتك في ميدان التحرير، فبالتأكيد ستموت إذا راقبت ما يحدث الآن في مصر وكيف تدار شئون هذا الوطن بعد الثورة التي لولا دماء الشهداء التي سالت ما كانت.
أنا على يقين أيها الشهيد البطل أنك لا تنتظر التكريم من هذا الوطن، وانه يكفيك تكريم الله عز وجل لكل شهيد، وأدعو الله أخيراً أن يتحقق لمصر كل ما تمنيته أنت لها. رحمك الله وغفر لك. ورحم مصر من شرور كل نخبة تحكم ولا تضع نصب عينيها أن دماء الشهداء ليس لها ثمن سوي التأسيس لدولة مصرية ديمقراطية مدنية، في قلبها مشروع استراتيجي جوهرة تحقيق العدالة الاجتماعية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - رحم الله الشهيد محمد السيد محمود حماد
عبدالستار السيد محمد -محامي ( 2011 / 11 / 26 - 21:26 )
كان معي ليلة الرابع والعشرين من يناير بسوهاج ...اخبرته وقتها بان هناك اعداد وحشود لا حصر لها على صفحة كلنا خالد سعيد وشبكة رصد الالكترونية وذلك للاعداد لمظاهرة ضخمة جدا احتجاجا على الظلم والفساد وقتل الحريات .... وكان من المفترض ان نسافر ....حدثت عندي بعض الظروف الطارئة فسافر بمفرده ليشارك الثوار والاحرار وقفتهم في مواجهة الظلم والطغيان ......المهم اصيب الرجل بضربة غاز من نوع خاص حطمت لديه جهاز المناعة مات على اثرها بعد ان عجز الطب والاطباء عن علاجه على مدار عشرة شهور..نحسبه عند الله من الشهداء والابرار

اخر الافلام

.. بطلة العراق لكرة الطاولة.. تغلبت على اعاقتها وابهرت العالم ب


.. الإنسحاب الأميركي من أفغانستان.. الدوافع والإحتمالات


.. إجراءات مشددة ضد كورونا في مصر والعراق.. وفي تونس إقبال كبير




.. إسرائيل - غزة: تكثيف الغارات وتعثر الوساطات


.. مقتل 16 عنصرا من حماس في ضربة جوية إسرائيلية في غزة