الحوار المتمدن - موبايل


قراءة في كتاب -الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية- 2-3

هاشم نعمة

2011 / 11 / 17
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


يلمح آدم سميث إلى أن حرية التجارة والحرية الاقتصادية بوجه عام هي السبيل نحو إقامة سلام عالمي، ذلك لأن الاحتكارات التجارية هي السبب الرئيسي في الصراعات المسلحة بين القوى الأوروبية في المستعمرات، وإن إتاحة الحرية المطلقة للتجارة أمام الجميع سوف تحل التنافس الشريف محل الصراع الاستعماري. وكانت فكرة سميث هذه هي التي التقطها كانت وأسس عليها كتابه "مشروع للسلام الدائم". ويستمر المدافعون عن العولمة الآن في التركيز على نفس هذا الربط بين الأفكار، مركزين على أن الحرية الاقتصادية هي السبيل للقضاء على الصراعات وتوحيد العالم، لكنهم يعتمدون على الحقيقة المؤلمة بأن الحرية الاقتصادية التي يقصدونها هي حرية الاحتكارات عابرة القوميات في العمل أينما شاءت وكيفما شاءت دون قيود، وأن السلام العالمي الذي يقصدونه هو في حقيقته أمنا عالميا لرأس المال، وأن توحيد العالم الذي يقصدونه هو توحيده تحت راية رأس المال العالمي.

وقد أوصى سميث بأن تصبح المستعمرات سوقا مشتركا بين كل القوى الاستعمارية وهذا هو المعنى الحقيقي لفكرة العولمة التي يتم الدعوة لها الآن على أنها سوق حرة عالمية. بحيث تكون القوة الاستعمارية الأكبر، أي الأكفأ والأقدر على المنافسة بتعبير سميث، هي الأنجح في المستعمرات. ولا شك أن هذه السياسة كانت مفيدة لبريطانيا في عصر سميث، لأن بريطانيا كانت قادرة بالفعل آنذاك على منافسة القوى الاستعمارية الأخرى في مستعمراتها. وبذلك نرى كيف أن السياسات الليبرالية الاقتصادية تصدر دائما من القوي اقتصاديا بهدف منحه حرية للحركة. وهذا المعنى الحقيقي لليبرالية الاقتصادية الآن؛ إنها ليبرالية بين الأقوياء، لا بين الأقوياء والضعفاء.

إن السوق العالمي هو السوق الذي تتحكم به الشركات العابرة للقوميات والقارات والاحتكارات العالمية، السوق العالمي للأوراق المالية الذي تسيطر عليه المؤسسات المالية لرأس المال الدولي: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. هذا السوق لا ينتهي بالسلع الاستهلاكية، بل يبدأ بالمال وينتهي بالمال، المال الزائد بالطبع؛ وتتمثل وظيفته الأساسية في إنتاج المزيد من النقود عن طريق النقود بصرف النظر عن الطريقة التي تزداد بها.

في الفصل الثالث يشير المؤلف بأن علم الاقتصاد منذ النصف الثاني من القرن العشرين بات يسيطر عليه اتجاه يسمى بالاقتصاد النيو كلاسيكي، وهو اتجاه يختزل العملية الاقتصادية إلى آليات السوق من عرض وطلب، وينظر إلى السوق على أنه مجال مستقل بذاته ومسيرا ذاته بذاته، عازلا بذلك أي تأثير من المجتمع أو بنائه السياسي؛ كما ينظر هذا الاتجاه إلى المجتمع ذاته على أنه ليس إلا ملحقا للسوق، ويقدم هذا الاقتصاد توصياته بحيث يتم تنظيم المجتمع بكيفية تضمن استقلال السوق وسيره وفق قوانينه الخاصة التي يعتقد في انفصالها عن البناء الاجتماعي. وقد تحول الاتجاه الكلاسيكي الجديد في الاقتصاد إلى عقيدة ورؤية للعالم تبنتها المنظمات المالية والسياسية الدولية من الأمم المتحدة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكانت هذه العقيدة هي ما يكمن تحت برنامج التحرير الاقتصادي والخصخصة والتحول إلى اقتصاد السوق الحرة والتي فرضتها تلك المنظمات الدولية على العالم النامي والدول الاشتراكية سابقا.

إن المشكلة الأساسية التي تعاملت معها الليبرالية الجديدة، والتي ورثتها من الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، هي مشكلة القيمة الزائدة: كيف تبرر استحواذ الرأسمالي على تلك القيمة الزائدة التي تسميها ربحا؟ كيف تبرر أرباح الرأسمالية؟ إن تبرير حصول الرأسمالي على الربح من أهم القضايا الحساسة بالنسبة لأي أيديولوجيا مبررة للرأسمالية، وذلك نظرا لأن قضية القيمة الزائدة كانت محل نقد ماركس حيث أعلن منذ أربعينات القرن التاسع عشر أن القيمة الزائدة نتاج للعمل البشري وحده، لكن يستحوذ الرأسمالي عليها بفضل موقعه الحاكم والمسيطر في العملية الإنتاجية، وبفضل علاقة التراتب الطبقي بين رأس المال والعمل المأجور، وبالتالي نظر ماركس إلى القيمة الزائدة على أنها نتاج عمل غير مدفوع الأجر.

الحقيقة أن الاتجاه الليبرالي في الاقتصاد السياسي لم يكن من إبداع المدرسة النمساوية أو الاقتصاد النيوكلاسيكي، بل إن لهذا الاتجاه جذوره لدى بعض المفكرين الاقتصاديين من القرن التاسع عشر، الواقعين بين ريكاردو من جهة ومنجر وجيفونز ووالراس من جهة أخرى، وهي الفترة الممتدة من عشرينات إلى ستينات القرن التاسع عشر. ومن بين هؤلاء صمويل بايلي ورامزاي ومكالوش روشر. وقد تناول ماركس أعمالهم بالنقد وأسماهم "الاقتصاديون المبتذلون".

يذهب هايك إلى أن التخطيط يعتمد على المعرفة الشاملة والكلية بكل تفاصيل الموضوع المراد تخطيطه، وبما أنه لا يمكن الوصول إلى مثل هذه المعرفة نظرا لأنها لا متناهية في التفاصيل والجزئيات، ونظرا لمحدودية المعرفة البشرية والجهل الطبيعي للأفراد، فلا يمكن أن يكون هناك تخطيط، والأفضل أن يترك المرء الأحوال على ما هي عليه، أي يترك نظام السوق الحرة وفق آلياته التلقائية لأنها وحدها الكفيلة بأحداث الرفاهية للجميع وإدخال التوازن بين الناس ومن الواضح كيف تختلط النزعة السفسطائية عند هايك بنزعة قدرية تسلم بالقوانين الحتمية لاقتصاد السوق، ونزعة لا أدرية تنكر إمكان وجود أهداف اجتماعية مستقلة عن المصالح الشخصية.

إن فكرة سيادة المستهلك خرافة، لأن السيادة الحقيقية للمؤسسة الاحتكارية وما تنتجه من سلع. ليس المستهلك سوى نتاج الممارسات التسويقية للشركات من دعاية وإعلان وما يصاحبها من دراسات في علم النفس وعلم التسويق. عندما يتحدث الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد عن سيادة المستهلك ويتخذونه النقطة الأساسية في التحليل الاقتصادي فهم بذلك يسيرون في نفس الطريق الأيديولوجي الذي رسمه النظام الرأسمالي، إذ يتم نفاق المستهلك وإيهامه بأنه هو السيد. إن اتخاذ المستهلك عنصرا أساسيا في التحليل يعني أن الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد قد أخذوا صنيعة أيديولوجية زائفة للنظام الرأسمالي كمبدأ في التحليل. صحيح أن المستهلك موجود بالفعل، وصحيح أن سلوكه قابل لأن يقاس ويحلل، إلا أنه السطح الظاهري الأيديولوجي للمجتمع الرأسمالي كما ذهب ماركس من قبل، لا حقيقته الباطنة.

إن السبب الرئيسي الذي يكمن خلفه هجوم فبلن على مبدأ الملكية الخاصة هو تحولها في عصر الصناعة الكبيرة إلى ملكية غيابية حيث يعرفها بأنها: ملكية أي عنصر إنتاجي من قبل شخص أو عدة أشخاص لا يعملون مباشرة في تشغيله. وحسب هذا التعريف فإن الأسهم والسندات والأنصبة والمال السائل المستثمر في المشاريع كلها وسائل للحصول على ملكية غيابية؛ وأي مشروع مملوك لأناس لا يعملون في تشغيله وإدارته مباشرة هو ملكية غيابية. ووفق هذا التعريف فإن الجانب الأكبر من الاقتصاد المعاصر يعد ملكية غيابية.

الملكية الغيابية هي ملكية خاصة عند بعد هي السيطرة على عناصر الإنتاج عن بعد. وينتج عن حق ملكية أي عنصر من عناصر الإنتاج حق المالك في أن يحجب هذا العنصر عن توظيفه وإبقائه بعيدا عن استفادة المجتمع منه، ويؤدي ذلك بالتالي إلى البطالة. فالبطالة وفق هذا التحليل ناتجة عن سيطرة الملكية الخاصة على عناصر العملية الإنتاجية، ويكون الحق في استبعاد الآخرين عن الملكية الخاصة هو حق في استبعاد المجتمع كله عن الاستفادة من عناصر الإنتاج الخاضعة للملكية الخاصة. وفي أسلوب تهكمي وساخر يقول فبلن إن الحق الطبيعي للاستثمار هو الحق في فرض البطالة على المجتمع.

الحق الطبيعي في الملكية الخاصة أصبح هو الحق في طرد العمال للمحافظة على الربح، وتسمى السياسة المنظمة في طرد العمال باسم في غاية الوجاهة والعلمية: "مرونة هيكلية في البناء الوظيفي للمؤسسة". وهذا هو مصير النظام الذي يسمح للملكية الخاصة بالسيطرة على عناصر الإنتاج التي هي ملك للمجتمع كله. تستولي الاحتكارات على ثروة المجتمع وقواه الإنتاجية ثم تدعي أنها ملكية خاصة وتدافع عن نفسها وفق هذا المبدأ. إن الملكية الخاصة التي قصدها مشرعو القرن الثامن عشر والتي تجسدت كمبدأ في دساتير وقوانين الغرب هي الملكية الصغيرة بما فيها الملكية العينية.

من هم أصحاب الملكية الغيابية؟ هم فئة في المجتمع أطلق عليها فبلن أسم "الطبقة المترفة"، وهي الطبقة صاحبة الإمكانات المالية الضخمة التي تستطيع بها شراء ممتلكات وعناصر إنتاج لا تنشغل مباشرة بالعمل فيها أو إدارتها بل توظف من يعمل فيها ويديرها عنها. وهي تحصل من ممتلكاتها الواسعة التي لا تعرف عنها شيئا على دخل حر أي دخل لم تكن منشغلة مباشرة في إيجاده بل يصنع لها وهي غائبة. ولا يمكن أن ينفق مثل هذا الدخل الذي أتى بهذه الطريقة إلا على الاستهلاك الترفي.

ينتج عن الاستثمارات والائتمان زيادة في الثروة النقدية فقط، وزيادة في القوة الشرائية المباشرة والحالية، لا زيادة في الإنتاج الذي لا يأتي مباشرة بل في المستقبل القريب أو البعيد. يشير فبلن بذلك إلى تناقض بين الاستثمار والإنتاج، حيث يكون لكل منهما منطق مختلف وحركة مختلفة؛ فالاستثمار ذو طابع نقدي وعوائده نقدية وتزيد القوة الشرائية في الحال، أما الإنتاج فليس شرطا فيه أن ينطوي على نقد مستثمر فيه، فالمهم في الإنتاج الموارد الطبيعية والبشرية الموظفة فيه مع المهارة التقنية التي تديره.

لا يستطيع النظام الرأسمالي تجنب الأزمة عندما يكون معدل التطور التكنولوجي أبطأ من معدل زيادة رؤوس الأموال، وهذا هو السبب في أن الدول الرأسمالية تولي اهتماما كبير بالأبحاث العلمية، لأن مصير النظام الرأسمالي متعلق بإيجاد طرق تكنولوجية جديدة تمكنه من توظيف رؤوس أموال جديدة وزيادة الإنتاجية وبالتالي تفادي الأزمة.

إن رائد الصناعة كان ظاهرة موجودة بالفعل في بداية الثورة الصناعية، لكن مع تطور الاقتصاد لم تعد له مثل تلك الأهمية، ذلك لأن دوره انتهى أو كاد في مجال الاقتصاد ككل مثلما انتهى دور الملك في النظام السياسي الغربي أو الجنتلمان الإنكليزي أو الكهنوت المسيحي. ويذهب فبلن أن العادة المستقرة والمتوارثة عبر أجيال عديدة هي السبب وراء استمرار النظر إلى رجل الصناعة على انه الفاعل الأول في الاقتصاد. فدائما ما تعيش المؤسسة أو الفكرة أو الاعتقاد الاجتماعي فترة أطول من قاعدتها المادية وحواملها الاجتماعية؛ هذا بالإضافة إلى أن الخطاب السياسي والإعلامي السائد لا يزال يعطي الإيحاء للناس بأهمية ما يسمى رائد الصناعة، فهو يعمل على استمرار مؤسسة رائد الصناعة على المستوى الأيديولوجي.

تشكل الاعتبارات الربحية عائقا أمام تطور إدخال التكنولوجيا الحديثة للبلاد النامية. فإذا رأى المستثمر في الدول النامية أن إدخاله التكنولوجيا الحديثة لن يحقق له ربحا ماليا يظل يستخدم الهيكل الصناعي القديم مبقيا على تكنولوجيا الإنتاج في مستوى متخلف. هذا بالإضافة إلى أن ما يسمى بهجرة رؤوس الأموال من الغرب إلى الدول النامية نظرا للمردود الربحي العالي في هذه الدول يثبت أطروحة فبلن حول إعاقة الاعتبارات الربحية لتطور تكنولوجيا الإنتاج، ذلك لأن رؤوس الأموال تميل إلى الانتقال إلى المناطق التي تشهد تركيبا عضويا بسيطا لرأس المال الثابت، أي المناطق ذات التكنولوجيا الأدنى، لأن بساطة العملية الإنتاجية بها تجعل المردود الربحي لرأس المال أعلى، نظرا لانعدام التكاليف التكنولوجية بها. وبالتالي يعمل رأس المال المهاجر على الحفاظ على الوضع المتأخر لأساليب الإنتاج في هذه المناطق، لأن تأخرها هذا هو مصدر ربحه الأعلى الذي لا يستطيع تحقيقه في بلده ذات التركيبة التكنولوجية العالية. إذن الاعتبارات الربحية تعيق تطور أساليب الإنتاج، إذ تشكل قيدا عليها. وبذلك يضفي فبلن بعدا جديدا على نظرية ماركس القائلة أن علاقات الإنتاج، ومن بينها أسلوب توزيع الثروة، يعيق تقدم قوى الإنتاج.

لقد اختفى الطابع الفردي للمشروع الفردي الرأسمالي وتحول إلى مشروع مخطط؛ صحيح أن هذا التخطيط يتم في ظل مؤسسات احتكارية بهدف الربح، إلا أن هذه المسألة يجب أن لا تشتت انتباهنا عن ضرورة سيطرة المجتمع على اقتصاده والتي يجب أن تأخذ شكل إدارة مخططة ديمقراطية للاقتصاد. ويكشف تحليل فبلن هذا عن صدق تحليلات ماركس المشابهة الذاهبة إلى تزايد الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج في ظل الرأسمالية مما يضغط على الإطار القانوني للملكية الخاصة.

هناك حاجة متزايدة لدعم الدولة لرجال الأعمال، وذلك لأن مشروعا رأسماليا يظل مقيدا بما يحيط به من تقاليد المجتمع وقيمه الأخلاقية، وهذا ما يدفع رجال الأعمال لأن يطلبوا دعما من الدولة، أي تصريحا بأن يعملوا تحت مظلتها وباسمها. وفي هذه الحالة يكتسبون شرعية ويتفادون التعارض بين مشروعاتهم والقيم الاجتماعية. وكأن فبلن يتنبأ بما سوف يحدث من تحالف بين الرأسمالية والدولة في عصر رأسمالية الدولة الذي بدأ في الظهور بعد تطبيق السياسات الكنزية.

وبالتالي تتفق مصالح الدولة القومية مع مصالح رجال الأعمال، ويصبح الهدف الأساسي لرجل السياسة الإمبريالي توسيع وتعظيم فرص رجال الأعمال في الخارج، أي توسيع نطاق ملكيتهم الغيابية على نطاق عالمي. يقول فبلن: "وبتوجيه طفيف للشعور القومي يصبح المواطنون الأوفياء مقتنعين بأن هذه المكاسب الخارجية لرجال الأعمال سوف تفيد وبطريقة ما المجتمع ككل".









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض


.. قناة -ذاكرة الأنصار- الحلقة رقم 74 -أمسية المسرحيين الأنصار




.. العراق .. رسائل لرئيس الوزراء الكاظمي نحو الجوار ونحو المتظا


.. #FreeAhmedSamir مظاهرة في برلين للمطالبة بإطلاق سراح المعتق