الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عشوائيات الثقافة ... وثقافة العشوائيات

غادة عماد الدين

2011 / 11 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


منذ مدة وأنا أرصد كغيري من المهتمين بالشأن العام المصري تلك التغيرات التي تحدث على الساحة الاجتماعية في بلدنا الغالي، ورغم أن تلك النظرات الفاحصة كانت تتم علي فترات متباينة ومتباعدة .. لكنها كانت تبين تغيرات جذريه في حالة المواطن وحياته سواء كانت تلك التغيرات لصالحة أم ضده .. وخلال العقد الأخير بدأت تلك النظرة تسير بوتيرة أسرع لتواكب حركة تلك التغيرات حتى صارت شبه يومية، ففي كل يوم يمكنك رصد تغيرات مؤثرة في الشخصية المصرية .. وغالبيتها للأسف تغيرات مدمرة تعصف بالمجتمع المصري وتهدم الشخصية المصرية المألوفة ، ومن أخطر تلك التغيرات .. انتشار ثقافة العشوائيات .. بجوار عشوائيات الثقافة لتعبث بالثقافة العامة للمجتمع المصري .

إن العشوائية عموما ُ تقودنا بسهولة إلي الفوضى وهذا ما يشير إليه كثير ممن يرصدون الحالة المصرية .. بل أنها قادت المجتمع إلي حالة من الفوضى العامة لا يدري أحد إلي أي مدي يمكن أن تأخذ البلاد .

وأصبح السائد هو التعدي علي المجتمع وحقوق الناس .. من أراد أن يفعل أي شيء يفعله لأنه أيضا ً باتت العقوبات انتقائية وأصبح الردع عشوائيا .

عشوائية الحياة لم تعد متوقفة عند العشوائيات الإسكانية أو الإيوائية كما يتخيل الكثير بل تعددت أشكالها ومظاهرها :

في كل مكان الناس تصرخ وترتفع أصواتها .. حتى ولو في حوار عادي بلا مبرر .. أبواق السيارات تدوي في كل مكان وكل لحظة يشاركها العديد من أشكال السباب والتهجم والتهكم .. وكأن الجميع يسير نحو الانفجار، سيارات تعترض نهر الطريق وقوفا ً متحدية جميع القوانين وأخري تسير عكس الاتجاه .. وهذه تقف صف ثالث .. وهذا يرفع سلاحاً في وجه آخر بسبب أسبقية المرور .. و .. و .. الأطفال في الشارع تتلذذ بإيذاء الحيوانات .. تفرح حينما تطال يدها زجاج سيارة لتكسره وتعدو مرحة بالتدمير .. إزعاج الأهل والجيران والمارة أصبح هدف رئيسي للصبية حتى الصباح الباكر ولو بالترفيه بلعب الكرة .. تدمير وإتلاف المواصلات العامة والحدائق والأرصفة وكأنه بات أمل ينبغي الوصول إليه .. السلبية المتناهية هي قمة العشوائية .. عشوائيات البناء والتخطيط صارت تطال كل مكان لدرجة أنه لم يعد هناك شيء اسمه حي راق .. تعالى معي عزيزي القارئ نتخذ من قاهرة المعز عاصمة البلاد مثالا ً :

فالقاهرة بوضعها الحالي المفروض أن تسع لثلاثة ملايين ونصف المليون إنسان تقريبا ً .. بينما تعداد سكانها الحالي تعدى العشرين مليونا بخلاف الزائرين في ظل النظام العشوائي

والغريب في الأمر أن كل منهم يريد لنفسه ما لا يريد لغيره .. (راجع بنفسك طوابير الحصول على رغيف عيش)، بل أصبح كل مواطن يبحث عن فرصة للتعدي علي حقوق الآخرين أو يحصل علي أي شيء دون ثمن أو مقابل .. تارة بالفهلوة وأخرى بالبلطجة

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل هذا يعود إلى عشوائية الثقافة .. أم ثقافة العشوائيات؟!!

على كل وغالبا ًعندما نتحدث عن العشوائيات في حياتنا , فإنه أول ما يخطر ببالنا مباشرة عشوائيات البناء في غالبية المناطق السكنية في مصر، حتى الراقي منها .. وفي كل مرة تقودنا الخطى نحو أرقام سواءً رسمية أم غير رسمية ونجد أنفسنا نلهث لنتحدث عن عدد العشوائيات في مصر وكيفية معالجتها دون المساس بالعشوائيات الأخطر بل أخطرهم على الإطلاق .. عشوائية الثقافة العامة المقدمة للعوام على طبق من فضة ..

ومن عشوائيات الثقافة تلك إننا لم ندرك بعد أنها هي التي وراء جميع أشكال العشوائيات الأخرى كعشوائيات البناء و الإيواء التي طالت كل مكان بمصر المحروسة .. تقترب الآن من ربع تعداد السكان .. وهو رقم مخيف حقيقة وخصوصا ً أن العدد التقريبي هو8 ملايين نسمة يعيشون في88 منطقة عشوائية علي مستوي الجمهورية, تحتل محافظة القاهرة وحدها - حسبما تقول الأرقام الرسمية - نصيب الأسد منها رغم إنها العاصمة وهي من المفترض أن تكون عاصمة نظيفة لكنها تحتوي علي88 منطقة عشوائية تحيط القاهرة من شمالها إلي جنوبها، ومن شرقها إلي غربها.

وكالعادة تعلقنا بالفرع وتركنا الأصل .. فعشوائيات الثقافة خرجت من بطونها أصول ثقافة العشوائيات التي تهدر وبجدارة جميع حقوق الإنسان، إنها ثقافة تردي القيم الاجتماعية التي برزت معها على السطح ظاهرة الانحراف الشخصي والتي أدت بدورها لانتشار فساد عام عم جميع مناحي حياتنا

وأشار تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر (وهو جهاز رسمي تابع لرئاسة مجلس الوزراء) إلى أن سكان العشوائيات – ومنها مناطق المقابر– بلغ حوالي 8 ملايين موزعين على 794 منطقة سكنية بكافة أنحاء مصر، إلا أن النسبة الكبيرة منها حول القاهرة الكبرى بسبب الهجرة إلى العاصمة بحثا عن عمل .

والعجيب أن الناس في العشوائيات تآلفوا مع الخطر واطمأنوا لما هو أهم من خطر هدم مبانيهم السكنية وهي لقمة العيش الغالية من مصادر الدخل هناك .. مخدرات وبلطجة ودعارة ومتفجرات وما خفي كان أعظم ..

غير أن تلك العشوائية إذا انتقلت للثقافة العامة أو انتقلت إلى لغة الإعلام والإعلان والفنون .. فذلك يمثل كارثة بكل المقاييس، ولأدركنا إننا أمام ظاهرة خطيرة وفريدة من نوعها تحتاج لسياسة ثقافيه متكاملة لمواجهتها ، خصوصا وقد سبق أن حذّر خُـبراء مصريون متخصِّـصون في جميع المجالات كالاقتصاد والسياسة والاجتماع وعِـلم النفس وشؤون البرلمان من خُـطورة العشوائيات على الأمن القومي المصري، معتبرين أنها تمثل "حِـزامًا ناسفًا" و"قنابل مَـوقوتة" تُـحيط بالعاصمة المصرية

وهذا دافعنا الرئيسي للبحث عن أصل المشكلة

ونتساءل لعنا نصل لحل .. هل المشكلة في عشوائيات الثقافة .. أم .. في ثقافة تلك العشوائيات ؟؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فاتح مايو 2024 في أفق الحروب الأهلية


.. السداسية العربية تصيغ ورقة لخريطة طريق تشمل 4 مراحل أولها عو




.. آخرهم ترامب.. كل حلفائك باعوك يا نتنياهو


.. -شريكة في الفظائع-.. السودان يتهم بريطانيا بعد ما حدث لـ-جلس




.. -اعتبارات سياسية داخلية-.. لماذا يصر نتنياهو على اجتياح رفح؟