الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الثائر , الضابط الشيوعي محمد منغستو

هاتف بشبوش

2011 / 12 / 9
الادب والفن



وانا أتجول في شارع( بولي) قرب المطار في أديس ابابا , برفقة فاتنة سوداء , بلون الفحم الحجري . هناك أسوَدُّ , له بريق ولمعان الزيتون الأسوَد , وهناك أسوَدُّ , حالهُ حال السخام , والفاتنة هي من النوع الثاني , لكنها أرقّ من بيضاء في جميع تفاصيلها , من الجسد الى عذوبة احاديثها الناعمة , اللون الاسود غيرمستساغ لأذواق الشرقيين لعنصريتهم الفجة , او الموروث الذي لم نتخلص منه حتى اليوم , كما قال أميّه بن خلف بحق الصحابي بلال الحبشي مستهزءاً بالمساواة ( بلال,هذا العبد الذي أشتريتهُ بمالي , يساويني ). ولكن هذه المقولة اثبتت صحتها بعد موت النبي (ص) , حيث لم نسمع عن بلال الحبشي شئ يذكر , لاهو ولا عمار بن ياسر من الموالي , حيث انّ الاسلام بني على سواعدهم وكفاحهم , وأجمل ماصور لنا هذا الموضوع هو الكاتب الرائع ممدوح عدوان في مسرحيته الساخرة , إذ يقف بلال الحبشي ويقول الى عمار بن ياسر , ماالذي جنيناه ياعمار , الذين أذاقونا كأس المنون والعذاب , وهربنا منهم في الجاهلية , هم اليوم يحكموننا ويتلاعبون بمقدراتنا , وكأننا لم نفعل شئ , ومازلنا نحن العبيد وهم الاسياد . وهذه جاءت طبقا للمقولة الشهيرة ( خيركم في الجاهلية خيركم في الاسلام ) . وبما انّ عمار بن ياسر وبلال الحبشي ليسوا من الاخيار حسب المفاهيم الجاهلية أنذاك , فبعد موت النبي إختفى دورهم عن المشهد السياسي والاجتماعي , ولحد اليوم , جميع العرب تنظر الى الاسوَد بنظرة دونيّة , فمن منا يستطيع أنْ يتزوج من امرأة سوداء .
الشاعر العربي المعروف , الاصمعي , أراد ان يبتاع شيئا ما من إعرابي صاحب دكان , فصادف أنّ صاحب الدكان أسود بلون الفحم , او السخام الناجم عن مدفآتنا النفطية , فنظر الاصمعي اليه و قال له , ما اسمكَ يا أخ العرب , فأجاب الاعرابي , إسمي زيتون , فاستغرب الاصمعي , وبروح الدعابة قال له...

سمّوكَ زيتون وما أنصفوا ..... لو أنصفوا سمّوكَ زعرورا
لآنّ في الزيتون نورُّ مُضئ ..... وأنتَ لاضوءاً ولا نورا

في شارع بولي لم اشاهد امرأة بأليتين كبيرتين او مشوهتين , شارع بولي ترتاده النساء الخلاسيات وذوات الاجساد المهفهفة , وترتاده على الدوام , ملكة الجمال لعام 2003 وهي الاثيوبية الفارعة (حياة احمد), ويظم الشارع بين ثناياه ( نيويورك كافيه) والتي لايدخلها غيرالذين عشقوا وآمنوا بالحب . إنها أفريقيا , والتي تعني خصور النساء النحيفة , والصدر الطافح , الذي يناديك , شمّني واسترح , وهاك رقم هاتفي وانشرح .
قالت الفاتنة السوداء ( مسكرم ) , يبدو عليك مشّاءُ لايتعب , فقلتُ نعم , لآنني ابن الثانية والخمسين وأنتِ ابنة الثامنة والعشرين , فساد الشارع قهقة عالية من فمها المحشو بأسنان بيضاء ناصعة , وأنصعُ من قسوة قلوب المتأسلمين , فأعطتني جرأة لآطلق عنان قهقهتي أيضا , مما أدى الى إنفصال ايادينا المتشابكة على طول الطريق , حيث لايروق لي أن اترك كفها الانعمُ من( سلكةٍ) , لحظة واحدة , ولم لا , انها اللحظات التي تزيدني فخرا , واعتزازا , وشبابا وحيوية وحبا , ولوعة لاتضاهى .
وعلى حين غرةلاح في ناظري متحف صغير ( museum) , أثار فضولي فاستدرت قليلا لأقرأ المحتوى , أجابتني الفاتنة السوداء ( مسكرم ) , أنه متحف لضحايا الضابط الشيوعي رئيس أثيوبيا سابقا( منغستو هايلي ميريام )الذي حكم اثيوبيا لمدة أربعة عشر عاما , منغستو الثائر الشيوعي , الذي لجأ اليه الكثير من الشيوعيين العراقيين , هربا من جحيم صدام , وكان مثالا للكرم والضيافة , وقد صوّر لنا الكاتب الروائي علي بدر في رائعته ( الركض وراء الذئاب ) , كيف كان الشيوعيون العراقيون في اثيوبيا والذين التحقوا بالجيش الاممي الذي أسسه الضابط الشيوعي (منغستو هايلي ميريام ) في أديس أبابا , وقد اعطوا أجمل سنين عمرهم , في سبيل تحقيق الاماني المنشودة , والحصول على مستقبل زاهر , لكن الدهور تجري عكس مانريد , أننا كمن يجري لاهثا وراء الذئاب لأجل اصطيادها والاستفادة من جلودها , وحينما يلحق بها, فتستدير له , فيكون الافتراس فضيعا وشنيعا . هكذا كان وسيكون العراقيون دائما وابدا , طالما لم نحب وطننا حبا خالصا , بل حبنا الاناني للدين والطائفة والرب والتعبد , والتي أعمت ابصارنا وقلوبنا .
دخلنا المتحف , وفي الداخل وجدت تمثالا لمنغستو وهو يرفع ( قنينة دم ) , وهناك القليل من عظام الضحايا , وأسماءهم , وبعض الزنزانات المبنية على غرار سجون الطاغية صدام حسين , غلى الدم في جسدي وبان على وجهي الازرقاق من هول الصدمة , منغستو الشيوعي الذي قضى على الامبراطور هيلاسيلاسي 1976ــ1990 , هيلاسيلاسي المسيحي الشوفيني , والجبار قاهر المسلمين والمزواج بشكل لايصدق , فدفنه منغستو تحت مراحيض القصر , واعلن نفسه حاكما شيوعيا على اثيوبيا .
هيلاسيلاسي امبراطور الحبشة , المسيحي الارثوذكسي المتشدد , حيث أنّ هيلاسيلاسي تعني قوة الثالوث المقدس , والذي حكم بالحديد والنار , عدو الشعب بلا منازع , وخصوصا المسلمين , ولم يسمح في بناء اي مأذنة لهم , وكانت ضحاياه تفوق التصور , لكنّ اليوم بعض البرجوازيين المسيحيين يرفعون صوره لصق الجدران , أنها ذاكرة الشعوب الضعيفة , التي سمحت للمجرمين بأن يذكروا هذا الكتاتور بالفضيلة , مثلما اليوم في عراقنا , الكثير من السفلة والمجرمين البعثيين والضباط السفلة الذين كانوا يعذبوننا في السجون , هم نفسهم اليوم يقتلوننا فوق الارض تفخيخاً وعلناً , كل هذا يحصل ثأراً , للوطيّهم المجرم صدام حسين . في عام 2000 تم العثورعلى رفات الدكتاتور هيلاسيلاسي , حيث بقيت خمسة وعشرين عام تحت مراحيض قصره , وتم دفنه في الكاتدرائية الكبيرة والشهيرة اليوم , كاتدرائية الثالوث المقدس . والتي رأيتها بأم عينيّ ويجلس بالقرب منها عشرات العميان المتسوّلين , والذين لم يشفع لهم الدين المسيحي في تحسين احوالهم .
انتهت زيارة المتحف , وقلت للجميلة السوداء , ماحقيقة منغستو , وما حقيقة ما أرى , فأجابت بكل صراحة متناهية , أنّ مارأيته في هذا المتحف , جزءا منه صحيح , والباقي هو من باب التضخيم , هناك اعداء لمنغستو صنعتهم امريكا , وهناك محبون لمنغستو حتى اليوم , وفي زمن منغستو كانت هناك نوع من العدالة , ولم تجد اي من المتسولين في الشارع , كما ترى امامك , لكن الثقافة الدينية من المسيح والمسلمين هي التي اتهمت منغستو بالكفر , أنه الدين لاغير , الدين مخرب الشعوب , الدين الذي تخلّصت منه الدول الاستعمارية الكبرى ورمته علينا , نحن الدول التي مازالت تحكمها الاموات المقدسة .
ثم تحدثت الفاتنة عن حكاية شهيرة حصلت مع منغستو , وكيف كان الشعب الاثيوبي قد لقبه (محمد منغستو) وهو الثائر الشيوعي .........وقالت ؟
مرّت على أثيوبيا أشهر عجاف , ( اثيوبيا 40 بالمئة مسلمين و60 بالمئة مسيحيين )... مما دعى منغستو , أن يطلب من رجال الدين المسيحيين , أن يتضرعوا الى الرب كي يهطل المطر , فطلبوا منه ان يمنحهم ثلاثة اشهر , مع ساعة تخصص لهم في القناة التلفزيونية , فأعطاهم ما ارادوا , ومضت الثلاثة أشهر دون ان يهطل المطر , فطردهم واستخفّ بهم ايما استخفاف . فدعى بعض رجال الدين المسلمين, وطلب منهم مثلما طلب من رجال الدين المسيحيين , فطلبوا منه ان يمهلهم ثلاثة ايام بدلا من ثلاثة أشهر, فتضرعوا الى الرب , وشاءت الصدف ان يهطل المطر بغزارة , فاستغرب منغستو , فطلب منهم ان يوقفوا المطر , لكن الغمز واللمز بدى عليهم , فصرفهم , واعدا ان يبني لهم المآذن , وان يطلق الحريات لممارسة الطقوس الدينية , التي منعها عليهم هيلاسيلاسي, مما دعى الشعب الاثيوبي ومن باب النكتة , انْ يلقبه ( محمد منغستو) , لتقربه من المسلمين وهو الشيوعي المسيحي البعيد كل البعد عن الدين , ومن ذلك اليوم ولحد الان , يمارس المسلمين كافة طقوسهم الدينية ولافرق بين المسيحي والمسلم حتى في التزاوج ,وفي ظل دولة فيدرالية , لكنها لاتختلف عن سابقتها في حكم الرئيس الاوحد منذ 1990 , بعد سقوط منغستو .
لغرض إراحتي قليلا مما انا فيه , أوقفت الفاتنة ( مسكرم )) سيارة التاكسي , حتى وجدتُ نفسي في ( شالا بارك) , مكان جميل ومفتوح على الفضاء , أنه بارك للاعراس , بناه الضابط الشيوعي منغستو للاعراس والافراح , وحتى اليوم وبعد مضي عشرون عام على انتهاء حكومة منغستو , وحتى بعد ان حُكم عليه بالسجن المؤبد وهو في منفاه في زيمبابوي , بقي البارك , ويعتبر من الامكنة التي تتلائم بأسعارها الزهيدة مع الفقراء ومحبي الشيوعية والايام الخوالي .


هاتـــف بشبـــوش/ عــراق/دانمــارك










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أون سيت - محمد ثروت بيحكي عن الجزء الثاني من فيلم بنك الحظ


.. -شد طلوع-... لوحة راقصة تعيدنا إلى الزمن الجميل والذكريات مع




.. بعثة الاتحاد الأوروبي بالجزائر تنظم مهرجانا دوليا للموسيقى ت


.. الكاتب في التاريخ نايف الجعويني يوضح أسباب اختلاف الروايات ا




.. محامية ومحبة للثقافة والدين.. زوجة ستارمر تخرج للضوء بعد انت