الحوار المتمدن - موبايل


اثار الأحلام الرطبة

فريد الحبوب

2011 / 12 / 25
الادب والفن


منذ الأيام الأولى التي وصلنا فيها إلى بغداد ملأ التشاؤم قبضة كفينا وأحسسنا بعربة الحياة متوقفة وحصانها لفظ أنفاسه مبكراً, أما الهدف من الحياة فعبر إلى الجانب الأخر وبقي هناك، ومرات ومرات احترقت جباهنا ونحن نمسح عليها بمنديل تمنيات بسيطة، واصلنا الطريق الموحل نناور بين الخيبات والانكسارات، كل المصابيح قالت لنا ذلك ستظلون فقراء والآلام تطل عليكم من ثقوب الليل وأتذكر بالفعل أننا كنا نؤجل الاحتفاء بالأحزان حتى الليل حين ينام كل الضجيج ولا يبقى صديق للقمر، نعم لقد لدغة الأمنيات أفعى نحسه جعلت الأحلام في اعتلال دائم وسقيم. في كل الأحوال كنا خاسرين كبيرين لم نغتنم فرصة ولم نتسلل في ممرات الحياة الضيقة بحثاً عن النجاح. ولم ننمي عادةً قط. أنا أتكلم عني صاحب الشهادة الثانوية ذو الروح الهادئة وبائع الشاي الذي يدور وينتقل هنا وهناك داخل السوق من الصباح حتى المساء مع الثرموس والأكواب، وعن صديقي جميل المدرس الهائم في الأسى الذي امتهن مهنة عامل النفايات. منذ تنبأت لنا مصابيح المدينة الخابية وأيقن أنه لن يحظى بعمل جيد أو ينال ثقة الآخرين. وأذكر ذلك اليوم المشئوم الذي استأجرنا فيه غرفة توشك إن تنهار، جدرانها مصطبغة بلون التراب كما لو أنها كهف...كان هناك بندول طويل معلق بشكل غريب لوحدة يربت على الجدار الرطب كلما ارتشفت الغرفة بعض هبوب الرياح، الغرفة لم تكن تحوي سوى (دولاب) يضم أشياء مكسرة وملابس رثة عفنه، ولها شباكين صدئين لا يلوح منها ضوء، حُجبت بالكامل بصفائح كارتونية هي ألأخرى بالية، ممزقة وعليها أسماء وخربشات حالها حال الجدران الرطبة التي تنث طوال الوقت رماداً أبيض، أما السقف المقوس من الوسط فكان مسنود بلوحين من الخشب وقد تأكلا إلى حد بعيد ولم يبقى منهما إلا القليل. رثينا الإخفاق الذي اعترى القلبين وأدركنا مدى السوء الذي سيكتنف حياتنا،
_كيف سنقيم هنا.
أرتعب جميل وزعق بصوت عالٍ...وأضاف. غداً حين تشرق الشمس سنرحل من هنا... وعدته خيراً، ولا أبالغ أنني كنت مثله مذعور من منظر الغرفة، كنا قد رفضنا المكان حينها. ولكن الرفض وحدة لا يكفي، أغلب المشنوقين رفضوا الشنق، كان الفندق بأكمله مزبلة بالوصف الدقيق ورائحة البول والنفايات والقدم تفوح من كل مكان، أما كتب السياحة التي كانت تملأ الرفوف المتهاوية فتثير السخرية وتبعث على الضحك المؤلم. وعلى هذا الحال عشنا لسنين فوقنا سماء بلا رحمة وتحتنا أرض جرداء قذرة وإحياء تشبه الحشرات. وهذا ما جعلنا لا نشعر بأوقات راحة مطلقاً. حاولت مراراً إن أقنعة بالعودة ولم ينفع ، وبقيت أفكر بصوت عال عن عودتي وأتصفح وجه الريف الجميل علني أستطيع جره إليه، كان مظهرنا المتسخ والمتعب إمام المرآة يغمر أحلامنا أكثر داخل وكرٍ من الظلام.
جف وجه صديقي من أثار الريف الرطبة . وصار وجهه قاس ومتجعد ومنتحب، وربما الانكسار والقسوة ولحيته الطويلة ذات الحزن الداكن والهم الغزير وقد غطت محيا وجه بالكامل هي التي دفعت جميع أصحاب المحال داخل السوق عدم منحه الثقة والعمل في تجارتهم لاسيما بائع الأقمشة الذي لم يكن يسمح له حتى كنس ألأوساخ من إمام دكانه. كنت ادري أنه لا ينام كثيراً ويحلم أحلام تئن من القنوط عازفة عن توفير الخبز. كان يغرس عينية في زوايا الغرفة ويقول... هل تساوي الحياة شيئاً...!.أود لو أموت الآن ولكن هل تستحق مني عائلتي هذا المصير.
خلال الشهريين الماضيين اخترنا إن نعود من العمل سيراً على الإقدام وبحثاً عن ابتسامة، ولكن لا جدوى....عندما نفرغ من الشكوى وأوجاع العمر ونفكر بشرب العصائر.. نعطش أكثر، ونأكل جميع الأكلات حتى ننتفخ, ونلتهم جميع المطاعم على الطريق نتبادل التهم، ونتعصب بشكل كبير ولا ندري من منا أغوى الأخر بالمجيء إلى بغداد. تركنا السواقي والطيور وجمال الصباح وروعة المغيب، كنا نقيم مأتم من كل ليلة وواقع الحال كان يجول بخاطرنا كل شيء حلوِ ومر ونحن نصادف الإحياء والموتى والشوارع المضطربة وأكشاك الجرائد والخرائب وهي مكتظة بالصراصير الفاتحة اللون، أو أنقاض تسمى بيوت. عربات قديمة تبيع النفط الأسود والأبيض تجرها أحصنه هرمة ومجرحة من ضرب السياط المتواصل بلا انقطاع، وذات مرة فيما كنا نطلق زفرات الأحلام عالياً ، تحدثنا بوضوح عنها، ...قلت أتمنى الزواج من فتاة حلوة، نعيش على أطراف النهر وأعمل صياد سمك وهي زوجة الصياد، أما صديقي جميل تمنى بسخرية إن ينام عدة أيام قبل نهاية هذا السنة التي شارفت على الرحيل وتحته فراش عالي من القطن، جديد لم ينم أحدا عليه من قبل، ويغطي جسده ( ببطانية) بيضاء ناعمة إلى أقصى حد، يتدرج فيها اللون التركواز وذات نقوش خفية، مركب على ضفة بحر وشبابيك مفتوحة على مصراعيها ولوحة سفر. كان يردد ذلك بقهقهة عذبة تنم عن ألم وفير يقطن أعماقه وأخذ بين فترة وأخرى ينشد بطانيته لاسيما عندما يبعث عند نهاية كل شهر ما يدخره من النقود إلى عائلته مثلما أفعل أنا. وفي كل جولة ننتهي منها بالجلوس قرب جذع شجرة ضخمة بلا أغصان كانت ميتة منذ زمن طويل تهبط عندها المعنويات بشكل فضيع والخواء الذي يملأها من الداخل يبعث صدى الأنين عالياً ... عالياً . في الأخير.... كنا نغني وأحياناً نغرق بصمت طويل وهو حسير، يركل بقدمه كل الأحجار التي أمامه لتتدحرج نحو الماء مثل كل مرة...كانت أوقات طمأنينة نقضيها معاً.هائمين طوال الليل......ما أصعب على الفقراء الخروج من الأحلام.
واأسفاه......لم تكن تلك النقود التي نبعثها كافية لإخراجهم من الظلمات إلى النور. حيث كانت عائلته ترد بالرسائل..... ( أرسل لنا المزيد ) فيزيد هو من البكاء والغضب من الحياة .أما زوجتي التي توحي في جميع السطور التي تكتبها لي بأني هجرتها فتبعث لي إن أعود وأترك كل شيء...كنا نصل العمل مبكرين وقبل أن يفتح السوق أهيئ أنا الشاي واغسل ألأكواب أما هو فكان يناديني وهو يدفع بمكنسته النفايات من عتبات الدكاكين...... (هذا الشهر لابد من شراء حلمي)ولكثرة ما يردد أمنيته أنسى في بعض الأحيان أمنياتي، ولكنه في ألأخير وعند كل نهاية من نهايات الشهور يُذعن لحاجات إخوته وأخواته وزوجته وطفليه، نرسل في ظرفين كل ما أمكننا ادخاره.
وذات يوم شاهدت السماء غائمة وحالكة، تكهن جميل بمطر ثقيل ستنزفه تلك الغيوم ، كانت مخارج السوق مكتظة بالمتبضعين بشكل لم ألحضه من قبل، وكان شيء مفرح بالنسبة لي، بعت الكثير من الشاي ذلك اليوم فيما كان مُتعب ومهلك بالنسبة لجميل، رأيت أطفال يعبثون ببرك الماء ويسرقون قطع التفاح والجزر والفجل من بائع الفاكهة والخضار. الشيء الوحيد الذي ألفت ملاحظته كل يوم هو ازدياد عدد الكلاب وقلة القطط أم الفئران فلا تخاف من المارين ألا من جميل صاحب الخطوات الثقيلة والمجلجلة وهي تلتقط الأكل قرب أركان المطاعم. كنا نملك القوة ولكن لا نملك الشجاعة، وهذا أمر مؤسف كما لو إننا كنا مثل هذه الفئران والكلاب والقطط.
بعد إن قضينا ما يقرب على العشر ساعات حالها حال كل يوم، نعود من العمل ويكون الظلام قد هبط والمصابيح توهجت على الجسور وسقوف المباني. كم كنا نحب المصابيح المنحنية على طرفي الشوارع. سرنا طويلاً ذات ليلة وكنا نشتهي البكاء، هتف بوجهي ..
_يال حياتنا التعيسة... بلغنا الأربعين وكل الأشياء ناقصة... دمعت عيناه
شعرت بالأسى الكبير الذي يملآ صدره، فكرت إن أمازحة وغمغمت ..ستحظى يوماُ بالبطانية البيضاء وتنام كما تشاء .....حالماً باللازورد.... أبتسم بوجهي بهدوء وأردف بصوتٍ متقرح.
أنه حلم غريب وساذج ولكن إنا مصر على مسكه، فما نحلم به وإن كان تافه سيكون تحقيقه انتصار كبير وسيمنحني شعور عظيم.، لذا سأشتري البطانية....... وراح بأحلامه يثب فوق الأشياء دون إن يمسها وضاع بنا الطريق، ضاعت أوراق كثيرة على أرصفته المغبرة.
يالك من مجنون، إنا وأنت نعاني فراغ مثقل بعبء السنوات وقد أصبح بالغ التأثير في النفس، لذا بات الحد الأدنى من الأحلام البسيطة هي التي توفر لنا الراحة والسرور. وقد تتغير الأمور يوما ما. وينقلب كل شيء
_لا... لا أظن. وبدا وجهه شاحباً خالياً من الرغبات.
مشينا مسافات طويلة تلك الليلة ورمينا الكثير من الحصى وسط النهر، وتناولنا رغيفين من الخبز اليابس، ولم أصدق أننا نلوك هذا الألم بهذه السهولة ونملأ جوفينا حسرات، فيما أستمر هو يتمتم ويهز رأسه باشتياق شديد للغطاء المخملي.. وحاول إن يصرخ بأعلى صوته ولكنه مختنق لا يستطيع، انتهى سكون الليل وانقض الفجر مطمئناً وراح يمزق مخابئ تلك الليلة بضياء وافره .
كنت قد قررت العودة منذ بداية الشتاء ، كنت قاب قوسين أو أدنى من العودة إلى الزرازير والقمر النائم على راحات القصب والجدائل التي تضفرها الأسماك على وجه الماء، ولكن مضت أشهر الشتاء بغفلة عني. تفاجئت ذات يوم من الأيام الأخيرة لذلك العام حيث كنا جالسين في الغرفة، نقص كل ما نعانيه من فترات صعبة، وكنت حينها مريض لا أقوى على الحركة متكأً برأسي على رزمة من الجرائد، فيما هو يعد لنا الشاي وهو يرتدي بيجامه مقلمة من قماش خشن متهرئ وقميص ذو لون مقرف كان الضجيج يأتي من كل جانب، صوت الإقدام والأبواب وصرير السيارات وصياح صاحب الفندق كل دقيقة وهو يشتم السكارى والذي يحرص على أسماع صوته لجميع النزلاء بطرد ورمي حاجياتهم من أعلى السطح متى شاء، استطعت إن أجتاز ألمي وتماسكت بعدما صببت كمية كبيرة من العرق والآلام.
سألت جميل بصوت مرتجف ( كم لديك من الدنانير)... نظر لي بإمعان بعدها أدار رأسه وملأ قدحي الشاي وقال بصوت لم أسمعه بوضوح.
_ كلا لا أملك درهماً واحداً.
_ كيف لا... ينبغي إن يكون لديك بعض الدنانير على الأقل... وذكرته منذ أيام أخبرتني أنك شارفت على جمع المبلغ المطلوب لشراء الغطاء. شعرت أنه يكذب حين أعاد العبارة .... قلت لك لا أملك شيئاً.. أنفقتها هنا وهناك...ضاعت..لم هذا ألاستغراب طوال حياتنا ونحن لا نملك النقود.
وبرغم أنها نقوده ، جاء بها من التعب الذي أراه كل يوم، ألا أني شعرت بالأسف وودت معرفة الأسباب التي دفعته لتضيع مبلغ كبير، رمقته بغضب وصرخت ( أين أضعت النقود) ورحت أضيق عليه بالأسئلة وبدوت كما لو أني هممت بضربه، وأتحكم بما ينبغي عليه إن يفعل. تركني ومضى خارجاً ناديته عدة مرات لم يستجيب لي. نظرت من ثقوب الكارتون لم أرى أثرٍ له، ضيعت خطاه، إن تضيع خطى صديق تحبه يعني أنك ضيعت نصف أثرك ..شعرت بالندم بين دقات الساعات التي مرت وخفت إن يمر الوقت أكثر ويبقى خارجاً لا يعود، كنت أعلم أن من أحب الأشياء إليه السير لوحده ليلاً، ولكن لم اقتنع بعاداته وضغط هاجس الخوف بقوة على رأسي فيما الإعياء هيمن على كل أطرافي، رجوت الله إن يعيده. ومالت مخيلتي بكل اتجاه، افترضت ربما عاد بالمال الذي أخفاه عني لعائلته. وافترضت أنه فعل فعلاً شنيع واضطر لدفع المبلغ عوضاً عنه، أو أنتشله احد السراق، وبقيت أخاطب نفسي أين هو ألان. أين أنت يا صديقي العزيز... ولم ألوم ألا نفسي وأنا أغور في لوعتي وحزني، سمعت وقع خطوات، جاءني صاحب الفندق وهو يرتدي فراء طويل كأنه دبٍ مسعور قال لي – صديقك جميل في المستشفى....دهسته عجلة وهو فاقد الوعي.
ووسط ذهولي وبكائي زحفت باتجاه الدولاب بحثاً عن شيءٍ أرتديه. لم أجد الملابس بل وجدت بطانية بيضاء كما لو أنها بطانية حلم جميل. وخزني شعوراً غريب قطع علي أنفاسي وملأني حسره...أوه أنها ليلة ينبغي إن تكون ليله يستدفئ ويحلم ويفرح وينام عميقاً وطويلاً تحتها.
حملت البطانية وقصدت المستشفى. أثارني منظر المرضى واعترتني رغبة في إن أخدم هؤلاء الناس طوال عمري. كان جميل داخل صالة العمليات وسريرة تعده امرأة سمينه ذات وجه مدور يحمل ملامح كبر تنبض بالطيبة، جلست في الممر بين تلك الغرفة التي تشبه إلى حداً ما غرفتنا وبين صالة العمليات، واتكأت عجوز ذات عيون حائرة بجانبي على البطانية، شاهدة الممرضين والممرضات يخرجون واحدا تلو الأخر وكان بينهم من يحمل مباضع تسيل منها الدماء شعرت كما لو أنهم قتلوا أحدا للتو في الداخل، نمت على الأرض بضع ساعات فقدت فيها كل حواسي ورحت أعانق زوجتي، كنا ظمآنين وبوحشية تبادلنا القبل. لم يسكت الحلم عند هذا بل رأيت جميل يعانق أطفاله وزوجته تقبل قفاه ويداه وهو يقبلها بلطف وهناء، كان يرتدي بزة رسمية ووجه رطب غبر متغضن ولا يغمره الأسى،
في اليوم التالي، أيقضني ممرضين وكانا قد غطياني بملاءة واخبراني إن صديقي بخير وقد جاءت عائلته بعد أن نمت بقليل.سارعت إلى الغرفة فتحت الباب بهدوء فتحة صغيرة نظرت إلى السرير رأيت جميل وطفليه وزوجته نائمون وقد تدثروا بالبطانية البيضاء والتركواز ينحدر حتى أخرها.ـ أغلقت الباب وتركته يتمم الحلم مثلما أراد.
بعد يومين عدت لزوجتي في الريف وحسب ظني بقي جميل وعائلته في بغداد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحديات كوميدية تواجه الفنان #الفلسطيني #أمجد_ديب ضيف #أمل_طا


.. مسرحية جورج خباز: علق هو ومرته وبكلمة ارتخى ورضي ????????


.. يوميات رمضان من قطاع غزة مع الفنان التشكيلي محمد الديري




.. بروسيدا.. عاصمة الثقافة الإيطالية 2022


.. قراءة في مسرحية بستان الكرز لتشيخوف