الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سر في قلب رجا

سمير عبد الرحيم أغا

2011 / 12 / 29
الادب والفن


أطل علي صديقي ماجد مسرعا بوجهه البريء مثيرا عاصفة من التساؤلات وقد تخطى الطريق راجعا من المدرسة والساعة قد بلغت الواحدة.. قال :- هل رأيت سيد رجا ؟
قلت وأنا أرفع يدي عن الكتاب الذي أقرأه
لم أره ولا أدري أين ذهب ؟
يقول ماجد معاتب
أين ذهب إذن ؟
ربما لا زال في بيت أستاذ أيوب
يرد ماجد بارتياح عميق
ربما.. فهناك مسكنه
لم يجد ماجد ، أضيق من ذلك النبأ ليرفع حزنه .. كي يمر الخبر إلى كل بيت.. ويذهب ويتركني أفكر في سيد رجا الذي لم أره منذ مدة, وهو الذي لم يعدونا الغياب عن هذا المكان، شعرت بسخونة الأرض، نظرت في الطريق إمامي، كان خاليا من الأشجار والشمس تصب نارها على الأرض مباشرة،
حين فتحت عيني , وامتلأ فمي بحلاوة العيش في القرية ، عرفت سيد رجا ، عرفته بلا صوت ولا صدى ، شخصا غريبا من كل الوجوه .. هذا عهدي به ، شخصا لا يفرح ولا يحزن ولا يجد في الألم ألما ، وجهه الذي يحمل عيونه الصغيرة التي لا تبصر شيئا ، وأنفا وفما ولحية بيضاء طويلة تكاد تميزه من بين كل الرجال ، وعمامته الخضراء الصغيرة صغر رأسه متصلة بجلبابه الذي لم أره يوما نظيفا ، أتأمل مجيئه كل يوم ، الناس تتحرك ، محدقة فيما حولها تراه ولا يراها ، لأن عيونه لا ترى ، كنت أعلم ولا أعلم سر زيارته اليومية إلى بيت ماجد ، وقت الظهيرة ، يدخل بوقار ويلقي السلام بصوت شجي ثم تمتد إليه يد الطعام .. تقليد يومي لكل مجلس وقد تعلو عاصفة من الضحك تنطلق من حوله وتتفجر في وجهه، كل مرة أحتار في هذا الكائن الغريب.. ليست له هيئة الشحاذ ولا نفسيتهم ولا تكلفهم...لم يستدر العطف يوما، فيه كبرياء تلجم لسانه فلا يتفوه بكلمة الشكر إلا بصوت خفيف, ربما كي لا ينتبه إلى نفسه، كنت أشجع نفسي وأستجمع قواي وأقول له كل شيء.. من أنت ؟ .. من أي مكان جئت ؟ ولكن ثمة خوف يسكن داخلي لا أعرف مصدره، أهو العمر ، أم خوف أن يضربني بعصاه القوية الصلبة كالحجر، شي ما يفرض على لساني السكوت والانسحاب. لا يهم ماذا يفعل الآن ؟ لم يكن قد فقد شيئا .. لكنه طاف في مكان آخر . رغم العمة واللقب فهو ليس ممن يتلوا القرآن .. أو يتصدر المسجد ، أو يقرأ البخت .. ليس من هؤلاء ، نفسي تحدثني توسوس لي أنه مجنون ، رغم أن الأمر كان مجرد تخمين بعيد الاحتمال فلم أجده يوما يبكي مخافة أن يكون ما يحدث له هو الجنون ، ربما لأنه يكتم أسراره كأن شيئا ما ينقصه ، أحساس أو شعور أن في حياته جزءا ركب بطريق خاطئ . ويقول لجماعته في الليالي الشتوية، إن أحلامه وأهله، هناك عند الأفق البعيد، ويحن بأن يجتمع الشمل ذات يوم.
وأجمل شيء في سيد رجا أنه لم يكن يطيق بعض البيوت في القرية.. ولا يدخلها مهما كان ، فرح كان أم حزن ...إلا مجلس (االمآتم ) حيث تجد عكازه يرتفع وينخفض منطلقا بأقصى سرعة وتجد مقعده في أول المجلس ، لم اسلك طريقا إلا سلكته لأصل إلى سيد رجا وسره ، كنت أضيق بصحبة زملائي من طلاب الثانوية ، أملا في العثور على رجل شاف جالس ، يحكي سر رجا ولا يكف لساني عن السؤال ، هناك من يتبارك بالسيد رجا ربما لأنه بجبة وعمامة، نعامله صبيا ويبلغ بي الضيق أن أقوم منتفضا متضايقا وأنا أعامله كقريب لا أعرف من هو ومن أين جاء ؟ ورجا هو الاسم الذي نناديه به .. بدون صفات، أما السيد فجاء من الجبة والعمامة الخضراء واللحية البيضاء، أنني لو سألت عنه.. فسوف يجرفني التيار، وستسعى بي الريح العاتية إلى خيبة بعيدة، أشعر أنني في قلب مشهد وهمي، في وجهه قناعة تحريضية، فكأن الدنيا ليست لديه أكثر من لقمة وشربة ماء وسط من يحبونه لم يدر بخلدي أن أسأله يوما
لم لا تتزوج ... يا سيد رجا ؟
كأنني كنت أفكر في شيء تعجيزي لا بد أن يبعث على الرعب والخوف، سيد كبير في سنه، في حياته لا يذكر النساء أمامه في كل شيء، الحياة مليئة بالمغريات والمحاذير.بقيت ممددا على العشب أنا وماجد.. حتى نادتني أمي من بعيد من داخل البيت، ولم أعرف لماذا تناديني... ذهبت لفوري إلى حيث هي وتقاسيم السيد رجا لم تزل عالقة بذهني لحظة بلحظة ، أترقب كل يوم مجيئه ، يمر من أمام بيتنا وينصرف بكل هدوء وكبرياء و لا يلوى على شيء، كدأبه منذ دخلت المدرسة أنا وماجد ، وأعلل نفسي بالآمال ارثيها ,: لعله يدخل بيتنا ، نعم هناك حسرة أنا لا أعرفها وما هي مصدرها.. لوعة ما بعدها لوعة, سر ما بعده سر، ما الذي يمنعه من الدخول إلى بيتنا، هو يعرفني جيدا ويعرف أبي. جاء عصر اليوم فحيا من حيا وأقترب مني.. مددت يدي لأدله على الطريق ولكنه أبتسم بصورة غامضة وقال
أنت ماجد ...
لم أفهم ما يعني قوله، إذ لم أسمع من قبل أنه لا يعرف ماجد بفراسته، ثم تغيرت نغمة صوته وقال
ألا تدلني على بيت ماجد
قلت: بيت ماجد
أنه يريد إن أدله على بيت ماجد، تأسفت لذلك، فبيت ماجد لا يبعد سوى خطوات عن بيتنا، مسافة لا تذكر،أنت تعرفهم يا سيد رجا ،أوشك أن يؤكد لي أن بيتنا بعيد ، منكرا ما يقوله كمن يهدد ، وعند الممر المقابل للبيت استدار عائدا إلى نفس الطريق , مشى ملاصقا لجدران البيوت كعادته ، بينما وقفت أنا أحدق إليه ، لم أصدق عيني ، أنت لا تصدقني لعلك تظن الجنون ، قلت ..لا يا سيد رجا،ثم رد متذمرا
سأرحل بعيدا
قلت بسرعة :
إلى أين ؟
إلى قرية بعيدة لا تعرفونها ، كانت قريتي فيما مضى ، قد أجد هناك أخي الوحيد ، استنفرت قواي كلها في سبيل إرضائه ،مضى صيف و شتاء و زمن ليس بالقصير ,والدنيا تسير في هدوء عذب , وأنا أفكر في انحدار ، ها أنا معلق من ندمي على رحيله ، كانت صدمة لم أحتملها ، لم يعد النظر إلى سيد رجا يسر ، لعله يرتاح ألان مستلقيا بعد طول الرحيل ، سكن سيد رجا قليلا وقال
أن رحلت فلن أعود , هناك من يبحث عني ،
أنني لم أزل أحبه ذلك الحب الذي يلازمني بين كل أشيائي ، علي أن أقبل بالرحيل ، وقبلت بالطبع : سيكون له بيت ، كنت سأسميه بوابه الأساطير استبقت الفرح الطالع من ذاكرة المدار ،وبين مصدق ومكذب عيني .. لمحت لحية سيد رجا الموشاة بالأسرار تتساقط منها قطرات المطر، وسرعان ما ذاب في زحمة الناس كما جاء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد فوز فيلمها بمهرجان مالمو المخرجة شيرين مجدي دياب صعوبة ع


.. كلمة أخيرة - لقاء خاص مع الفنانة دينا الشربيني وحوار عن مشو




.. كلمة أخيرة - كواليس مشهد رقص دينا الشربيني في مسلسل كامل الع


.. دينا الشربيني: السينما دلوقتي مش بتكتب للنساء.. بيكون عندنا




.. كلمة أخيرة - سلمى أبو ضيف ومنى زكي.. شوف دينا الشربيني بتحب