الحوار المتمدن - موبايل


من المعاناة إلى السلام الإبداعي .. قراءة في ديوان (من أجل الأحياء و الموتى) ل توماس ترانسترومر

محمد سمير عبد السلام

2011 / 12 / 31
الادب والفن


تتميز كتابة (توماس ترانسترومر) –الحاصل على نوبل في الآداب 2011- بالتأويل الإبداعي للصور الجزئية التي تقع ضمن مجالات تفاعلية متباينة ؛ مثل عناصر الطبيعة ، و المصير الإنساني ، و العوالم الداخلية التي تواجه الصراع بين المعاناة المفرطة ، و الرغبة في الخلود .
إنها كتابة تناقش ظواهر الحياة في ديناميكيتها الإبداعية ، و موقع الذات في كل من السياق الكوني ، و السياق الاجتماعي بما يسمح بتكوين هامش إنساني يقوم على بناء موقف فلسفي وجودي ينبع من الذات ، أو يتجاوزها ضمن نطاق اللاوعي الجمعي ، و تتصل علامات النص أيضا بما وراء الحدود الوظيفية للمادة ؛ و كأننا إمام كشف لروح العلامة في صورتها المجردة ، و المناهضة لإيماءات المعاناة ، و احتمالية الموت المتكررة.
و ينزع نص ترانسترومر نزوعا واضحا نحو إبراز قيمة الإنسان ، بما تحمله من تقدير للأخلاق ، و الجمال في مجتمع آلي ، أو طبقي لا تتضح فيه القيم الروحية التي تؤدي إلى الانسجام الذاتي ، أو السلام الداخلي ، أو الجمال الممتد بين الذات ، و حركية الكون ؛ مما يوحي بدلالات دينية خفية متصلة بالجمال الكوني في النص ؛ و تبدو هذه التصورات بوضوح في ديوانه (من أجل الأحياء ، و الموتى ) ، و قد صدر ضمن الأعمال الشعرية الكاملة لترانسترومر ، بترجمة قاسم حمادي ، و تقديم أدونيس ، عن دار بدايات للنشر ، و التوزيع بدمشق 2005 .
و يمكننا ملاحظة ثلاث تيمات فنية رئيسية في الديوان ؛ هي :
أولا : جدل الموت ، و الكتابة.
ثانيا : من المعاناة إلى السلام الإبداعي.
ثالثا : أصالة الجمال الكوني.
أولا : جدل الموت ، و الكتابة :
الموت عند ترانسترومر مثقل دائما بما بعده ، أو ما يتجاوزه ؛ و من ثم فهو في حالة من الجدل المستمر مع الكتابة ؛ فتارة يلج النص ؛ ليخرج من أي هوية ثابتة قد تستسلم لحالة المحو التي يتخذها الموت ظاهريا ، و تارة يتحد بالطفرات الاستعارية الكامنة في روح النص حين يتصل بالإبداع الكوني خارج حدوده .
في نص (القبطان المنسي) تذوب المسافات الفاصلة بين كل من الموت ، و الحياة ، و صلابة المادة ، و التكوين الجمالي الشبحي ، و صخب الحرب ، و تجدد فكرة الغياب .
إن الكاتب يبني شخصية القبطان وفق بنية انشطارية للعلامة ؛ فهو السيد القائد المحارب ، بينما نجده ملتبسا بالغياب ، أو الذوبان المطلق في الضمير الشعري المنتج للنص ، و أرى أنه يستشرف لحظة الخروج من الموت إلى الأبدية التي تطمح إليها الكتابة ، و هو ما يتحد بالحدس الديني الكامن في اللاوعي الجماعي ؛ و لننظر إلى هذا التحول المتناقض في النص :
يصف الكاتب القبطان بقوله :
"كان في البداية فراغا ، اسما لا غير / لكن أفكاره كانت تسبح أسرع من مرور الوقت ، ثم / جاءت ، و انضمت إلينا".
فنحن أمام شخص تتنازعه الأطياف ، و الأصوات ، و الرغبة في التأسيس الممتد لهوية واضحة .
ثم يجعل منه الكاتب رمزا للخروج من مركزية الموت من خلال اتحاده بالصيرورة النصية ، و الضمائر المختلفة ؛ إذ يقول :
"نحيب داخلي جعله ينزف / في مستشفى في كارديف / أخيرا تمكن من التمدد / و تحول إلى أفق".
الوحدات السردية / الشعرية هنا تستبق الموت بينما تفكك مركزيته ، أو ترغب في محوه ؛ فالقبطان يتمدد في النص ، و في الآخر ، و في الأفق دون أن يموت في فراغ ما بعد الموت ، إنه يقع داخل الشاعر ، و خارجه ، و في وظيفته الحربية ذات الهوية الضائعة ، و الهوية الفريدة التي تسعي لملامسة الخلود.
و في نص (تهويدة) ينتقل الكاتب من وصف للموت الدائري الكامن في الصخب المادي السريع للحياة ، إلى استشراف الطفرة الإبداعية للكون ، أو المعجزة ، حتى يصل إلى دمج حركية الكون بسيادة العدالة السماوية .
يقول :
".. توقفت الآن جميع الأفكار عن الدوران / و نبتت للعربة أجنحة / .. عندما تسود السماء ، تأتي طائرة / سيشاهد ركابها تحتهم مدنا تتلألأ كذهب القوطيين".
لقد انتقل الصوت الشعري من كونه مومياء ملقاة في غابة تحكمها الآلية ، و المفعولية المقهورة من الوسائل المادية ، و الانحطاط الأخلاقي ، أو الروحي إلى طفرة الأجنحة التي تسعى للاتحاد بالعدالة الفوقية ، و كذلك السلام الجمالي الممتد ، و المتجاوز للموت المتكرر.
و في نص (في قلب أوربا) يفكك الكاتب صورة الموتي من خلال الكشف عن حياتهم المجازية ، ثم يستجيب لإغوائها حتى يبلغ ذروة الوجود الاستعاري الآخر خارج سجون الوظيفية ؛ يقول :
"يريد الموتى أن يقولوا شيئا .. / لا يتنفسون لكنهم لا يزالون يحتفظون بأصواتهم .. / سوف أركض في الشوارع كواحد منهم".
لقد اكتسب الموت مرحا مضافا لبنيته ، و متجددا في جدله المستمر مع الكتابة ، و استجابة الشاعر لإغواء اللحظة الإبداعية ؛ و من ثم تحقق الانشقاق عن المعاناة ، و أغلال الجسد.
ثانيا : من المعاناة إلى السلام الإبداعي :
يتحد الصوت الشعري هنا بما يتجاوز الألم ، و السجون المادية و الروحية للإنسانية ؛ مثل الإيماءات ، و الإيحاءات ، و الأصوات الجمالية التي تؤسس لسلام روحي قادم من زمن عميق ، و أصيل لا يمكن محوه ، أو تكبيله بالآلام الذاتية المتعددة.
في نص (العندليب في باديلوندا) يتحد الكاتب بالصوت النفاذ الذي لا غرور فيه للعندليب ؛ فهو لا يفارق الذاكرة ، و لا يمكن إقصاؤه عن المشهد الكوني ، أو المشهد الداخلي.
الصوت طاهر ، ممتع ، و يبشر بالخلاص من الأدران ، و السجون ، و أي رغبة مهيمنة على الإرادة باستثناء الجمال.
يقول :
"كنت مريضا و زارني / لم أنتبه له آنذاك / الآن أنتبه / يتدفق الوقت من الشمس و القمر إلى داخل الدقات في ساعات الشكر".
العندليب بارز ، و أصيل ، و يتخذ في الصيرورة النصية موقعا يستشرف لحظات سلام تسبق ، أو تتجاوز الوجود المثقل بالفقر ، و الحزن ، و الصراعات العبثية.
و في نص (رباعيات أول أيار) تتعاطف العناصر الكونية من أجل تطهير الصوت الشعري من أي ثقل مادي ، أو وظيفي حتى يستحيل العالم أطيافا جمالية تمتصها قوة المشهد الكوني اللامرئية ، و تعيد إنتاجها بشكل دائري في المكان نفسه دون نهاية.
يقول :
"هواء بارد من البحر / تنين الجليد يلعق رقبتي / فيما ترسل الشمس لهيبها / يحترق حمل الشاحنة بألسنة نار متأججة".
العلامات في النص السابق تتخلى عن الوظائف الحتمية بينما تكتسب سلاما جماليا ممتدا في الذات المتكلمة ؛ فالهواء يحمل خدرا ، و الثلج يجرد التنين من وحشيته ، و اللهيب يقتصر على الاشتعال الجمالي دون أذى ، أو هلاك ، و كأنه شعلة استعارية تجمل المشهد.
و تبدو منظومة التحول للمعاناة الإنسانية أكثر وضوحا في نص (شوارع في شنغهاي) ؛ فالمعاناة تتشكل في الوجوه الخفية ، و تبلغ الذروة في تأويل علامة الصليب ، ثم تتحول إلى خروج صوفي.
و يمكننا ملاحظة المراحل الثلاث في هذه المقاطع النصية :
1 – المعاناة تتكون في الروح الداخلية العميقة للوجوه "و لكل منهم أيضا الوجه اللامرئي الذي يعكس شيئا لا نتكلم عنه". و هنا تبدو المعاناة كتأويل يتميز بالقوة ، و الاختفاء في الوقت نفسه.
2 – المعاناة تتضخم ، و تستبدل الجسد مجازيا "خلف كل منا يحوم صليب ، يريد أن يلحق بنا ، أن يسبقنا ، أن يتحد معنا." لقد تبلور الإنسان ظاهريا ، و روحيا في علامة الصليب بما يحمله من دلالات ثقافية ، و إنسانية متجددة في السياق النصي ، بحيث تعلن المعاناة عن نفسها كقوة محركة أكبر من الذات المتكلمة.
3- لحظة الخروج ، و المرح الصوفي / الكوني "أنا شجرة عتيقة لا تزال أوراقها الذابلة تتدلى ، لا تستطيع السقوط على الأرض" . و فيها يكتسب الصوت تجددا يستشرف الحياة في الإيحاءات الكونية في شكولها الروحية الخالدة.
و في نص (أشكال قروسطية) تسير الأشياء ، و العلامات وفق قانونها الجمالي الخاص ، دون رتابة ، أو عنف ، أو تطرف ، و كأن الإبداع يبدأ ، و ينتهي في ذلك السلام الجمالي ، يقول:"صوت مقص حلاق من الأيكة / تتدحرج الشمس ببطء في السماء / مباراة الشطرنج تتوقف بتعادل في صمت قوس قزح" .
إنها لحظة كونية بسيطة تتميز بالخلو من المعاناة ، و تكشف عن الانسجام الذي ينبع من تكرار لحظة التكوين المتعالية.
ثالثا : أصالة الجمال الكوني :
الجمال في وعي ترانسترومر ، و لا وعيه يسبق الأشياء ، و يلج عالمها الداخلي في اللحظة الراهنة ، و يتحد بها في بكارة جديدة ، و متكررة دوما بشكل أكبر من المؤول ، أو الصوت النسبي المنتج للنص .
في نص (ستة شتاءات) يرصد الشاعر حالة السكون ، و الترقب المميزة لبرودة الشتاء في علامات نوم الطفل ، و تجمد الموتى ، و ذكرياته المرضية ، ثم تبدو الأشياء في حالة من بدايات التشكل الجمالي الآخر ، و كأنها تنتمي دوما إلى الظهور الإبداعي الأول ، و المتكرر في الوقت نفسه ، دون بداية ، أو نهاية ، أو استسلام لحالة السكون.
يقول :"يتدلى الجليد من طرف السقف / قطع جليدية : القوطي مقلوب / مواش تجريدية ، أثداء من زجاج".
الجليد ينصهر ، و يستدعي بدايات جديدة ، و تشكل آخر للروح ، و كأنها لحظة تكوينية للبداية ، و النهاية معا دون مركز .
إن الكاتب ينحاز للحظة الجمالية الغائبة ، و التي تبدو فيها الأشياء كلوحات قيد التشكل دائما.
و في نص (فيرمير) ينتقل الكاتب من وصف عبقرية الفنان ، و نفاذ وعيه ، و بصيرته ، إلى الأصوات ، و الحركات الكونية بحد ذاتها كموجات متتالية ، و متدافعة من الإبداع ؛ فتبدو ريشة الفنان ككاميرا تسجل إبداع العالم ، أما الفراغ فيصير عالما آخر من الظواهر الكونية ، و الغيبية المؤثرة في وعي الفنان ، و وجوده ، و في العلاقة الجدلية بين العمل الفني ، و الأزمنة المختلفة.
يقول : "إنه الضغط من الجهة الأخرى للحائط / يدفع كل حقيقة إلى التمايل / يجعل الريشة ثابتة ... و الفراغ يدير وجهه نحونا و يهمس / أنا لست فارغا ، أنا مفتوح".
إننا أمام مجالات تستلب وعي الفنان ، و المتلقي معا فيما تحمله من صور ، و تكوينات متجددة تتجاوز إطار اللوحة من داخله.
*إيماءات ثقافية ، و اجتماعية /
يتماس مشروع ترانسترومر الشعري مع الأبنية الثقافية ، و الاجتماعية للمدن الكبرى ؛ مثل ستوكهولم ، و واشنطون ؛ فيرصد ذلك الوعي الإنساني المنزوي خلف الآلية ، و الضخامة ، و التراتبية الاجتماعية التي تؤدي إلى التهميش .
يقول :"إنها قصة عائلية قاتمة / عن إريك المحطم برصاصة سحرية / المشلول برصاصة في عمق الروح / تصطدم بي نظرته خطأ ... / المنحدر العذب يبدأ بالهبوط / و يتحول بلا شعور إلى هاوية".
في ذلك السياق الثقافي تختفي الحكايات الإنسانية الأصيلة في التفاوت بين ضخامة المدن ، و الذات المتوارية خلف التهميش القهري ، و إن كانت تحتل موقع الأصل في اتصالها بالجمال ، و الإيمان الروحي خارج الأبنية الطبقية الثابتة .
إن القيود المكبلة للعوالم الداخلية تنتقل من الذات إلى السياق الاجتماعي نفسه ؛ فيناله التلاشي ، و الهبوط ، و الموت أيضا.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عزاء والدة الفنان أحمد خالد صالح بالشيخ زايد


.. حواديت المصري اليوم | فنان من طراز فريد.. نحات الموسيقى أحمد


.. أخطر أسرار الأسطورة الراحل عمر الشريف لأول مرة مع المخرج عمر




.. go live - مع الممثل ميلاد يوسف


.. رغم عشقه المسرح كان للتلفزيون نصيب من إبداعه.. رحيل الممثل ا