الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحداثة السياسيّة بين العبوديّة الإراديّة و النزوعات الثوريّة

عمر بن بوجليدة

2012 / 1 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


حينما نطرح اشكالية ، السلطة ومرتكزاتها فإن مدار قولنا إنما يتمحور حول ما يذهب إليه العديد من المفكرين من أن هيمنة التيولوجيا ، تؤمن سيطرة مؤسسة الدولة ، ذلك أن اللاهوت رسم للدولة سبل وطرائق تفرض النظام و الرقابة ، كما أنه أبان لها مسارب حب النوع البشري ، وكأنها تقوم منه مقام نفسه . في هذا المستوى بالذات تتجلى المؤسسات ويمتد بيننا وبينها الممنوع الذي يطرح القانون من خلاله كمجال اجتماعي للخطاب وقد غطاه المشرعون .
إن قصدنا هو أن نكشف كيف أن الدولة تنفرد بالقدرة على خلق أسطورة الواحد ، وعلينا أن نعلم أن ذلك إنما هو مدخل إستبطان السلطة الأبدية ، الذي لا نفهم من أمره شىء ، نحن غرضنا هنا أن نمتحن مرة أخرى : كيف تعمل السلطة للسيطرة ؟ إن هذا التساؤل لم يعد اعتباطيا ولا هو من جنس فضول الفضوليين ، بل إنما هو شرط إمكان المسكوت عنه الذي يبرر محاولة فهم أشياء لامعقولة ، علينا أن نبصر أنه في هذه اللعبة الأبدية للمؤسسات ، يفترض القانون أوثانا يوجه الحب إليها بإستمرار ، وبالتالي يجب أن لا نجابه عالم المؤسسات بالأفكار بل بالاستيهامات كما بين Pierre legendre "،
إن صياغة المسألة على هذا النحو ، إنما تنطوي على إشارات إشكالية مخصوصة ، علينا البدء بالتقاطها من الجهة المناسبة لها ، وهي أن المؤسسات تستهلك الملايين من البشر ليس فقط بتأثير الآلية الاقتصادية ولكن أيضا باحترام ومساعدة جهل مؤسس و هذيان مقدس ، وإذا كنا قد رمنا التوقف عند طابع القداسة فلنؤكد أنه إنما هو إعطاء معنى للسلطة. إنّها ومضة كثيفة الدلالة و رامزة إذ تعني أنّه إذا ما قطعناها عن جذور المعتقد و آليّة الرّموز لألفينا تلك العلاقة مع السلطة مشوّشة و مضطربة ، و إنّه لمن الضروريّ أن ننتبه إلى أنّ هذا الخطاب حول السلطة يتجاذبه خطابان متوازيان: ولعلّ ما يكون بيانا لذلك ،الخطاب حول الطغيان و الخطاب حول التوتاليتاريّة ، ثمّ إنّ إنعام النظر في هذا الشأن يجعلنا نتساءل : كيف يمكن لكلّ هذه الجماعات من النّاس و المدن أن تحتمل طاغيا متوحّدا ليس له من قوّة إلاّ القوّة التي تعطى له و ليس له من سلطة في إلحاق الضرر بهم إلاّ بقدر ما يريد النّاس أنفسهم ضمان استمراريّتها .
هذا السؤال الخطير الوارد على لسان"إيتان دي لا بويتي " في كتاب له مغمور موسوم بـ "الخطاب حول العبوديّة الإراديّة " لا ينتظر جوابا بل إمكانيّات إجابة غير أنّه لا يسعنا إلاّ أن نسجّل أنّ "دي لابويتي" يغلّب الظنّ على أن الأمر ، إنّما يعود إلى الإفتتان باسم الواحد وحده .كما يرجّح أن يعود الأمر كذلك إلى ضعف البشر .و ليس يخفى ما لهذا الضرب من التقدير من أهمّية .إذ يجدر بنا أن نشير إلى أنّه كان بوّابة أنعشت أسئلة ستطرح و تكشف عن مطويّاتها وتفتح آفاقا للتحليل جديدة ، ذلك هو المسار الذي يجب تتبع أطواره لنفهم منطلقات و إشارات "كلود لوفور" الذي يذهب إلى أنّ قول " لابويتي" إنّما هو قول سياسيّ بامتياز حيث يكون المنبئ عن نقلة نوعيّة : فكيف يمكن التفكير في العبوديّة الإراديّة ؟
و ليس يمكننا في هذا الموضع تدبّر إرهاصات إجابة بغير إعادة التفكير في العبوديّة، وهو ما يمكن أن يكون كفيلا بإجلاء أنّه لا نذالة النّاس ولا خوفهم يمكن أن يشكّل مدخلا من مداخل العبوديّة الإراديّة . و إذا ما صرفنا النظر على ما تنطوي عليه تلك المداخل من إمكانيات إجابة أدركنا أنّ الكلّ إنّما يتصاهر و يتعالق و يكون ألصق بلعبة الواحد واسعة الفضاء رحبة الدلالات ضمانا لهويّة الجماعة ، ووفق هذه الاعتبارات فكلّ واحد يريد التماهي مع الطّاغية من خلال صنعه من نفسه سيّدا على الآخر، هكذا و في سياق سعينا إلى الظفر بنحو من التعريف الأصيل و الصّارم لمعنى العبوديّة الإراديّ يتراءى لنا أنّها إنّما هي وليدة سلسلة تماهي مركّب و مزدوج ، إلاّ أنّ "لوفور " يستأنف التفكير في هذه المسألة مؤكّدا على البعد النقدي في التعاطي مع هذا المنجز ، و بذلك فليس يمكن إدراك مقتضى الحياة السياسيّة في عصرنا دون التساؤل حول التوتاليتاريّة ، ولقد كان لـ"لوفور "فضل استشفاف مرتكزاتها ،حيث بيّن أنّها تعتمد على نظام الدولةـ الحزب و على قوّة الإيديولوجيا و إنّ هذا الأمر ليفترض إبادة الخصوم من أجل ضمان تماسك الجسد السياسيّ ، بل أنّه لينبغي في تقدير "لوفور" التأكيد أنّ التوتاليتاريّة إنّما هي نقيض الديمقراطيّة .
مما قدّمنا يصبح من الموقن به أنّها يمكن أن تكون نتاجها الطبيعيّ، وبعد لفته النظر إلى هذا المأزق يأتي إلى ما مفاده أنّ مواجهة التوتاليتاريّة ، لا يكون إلابإبداع للديمقراطيّة مستمرّ ، وهو ما يضمنه تعالق وتعانق الاحتجاجات و الثورات ودوامها . و خليق بنا أن نعود إلى سؤال "لابويتي " فنراه يحقق انزلاقا خارج التاريخ كما يوضح "بياركلاستر" وتبدو هنا الحاجة ملحّة لتفهّم الانتقال من الرّغبة إلى حبّ العبوديّة من جهة ما هو غير عقليّ، و المتبادر إلى الذهن أنّ كلّ علاقة بالسلطة هي علاقة استحواذيّة قمعيّة ، لقد استقام لدينا لحظتئذ سؤال ينطرح حول سياسة غير قسريّة إلى أخرى قسريّة ، من أجل ذلك نحن نميط اللثام عن صرامة تختزنها تلك الاستفهامات ، كونه يمكننا أن نبصر جليّا أنّ نزعة التمركز الأروبيّ تتزعزع ، لقد قطعت هذه التساؤلات مع ما كانـــــــــــــه التاريخ إلى حدّ الآن في تمثّله، لقد اهتدى العارفون إلى أنّها مجرّد حالة خاصّة بالمجتمعات "الغربيّة" إنّه ما يرسم ملامح مجتمعات لا توجد فيها مؤسسة سياسيّة . إلاّ أنّ السياسة حاضرة و مسألة السلطة مطروحة.
يستبين بالتالي أنّ الجهاز المفهوميّ الذي انبجست من رحمه هذه المفردات و قدّت منه هذه التراكيب ليؤكّد أنّ ما يظهره "المتوحّشون " هو ذلك المجهود الدّائم من أجل منع الزعماء من أن يكونوا زعماء .و إنّه لمن الضروريّ أن ننبّه إلى هذا الكشف العظيم و الذي ينتهي إلى إمكان إقصاء كلّ سلطة قمعيّة لا تتعاطى إيجابا مع النوازل و المستجدّات و المقتضيات و الما يحدث...ومن المناسب أن نذكّر أنّ "حنا أرندت" لا تؤمن بأنّ الأفكار وحدها تغيّر العالم بل الأحداث ، وهو ما يفترض أنّ الإنسان إنّما هو كائن مقاوم للظلم و الحيف و الاستبداد و العبوديّة و السلطة و التوتاليتاريّة...، ليقاوم و ينتصر...
Pierre legende jouir du pouvoir ed Minuit 1976
Etienne de la Boetie discours de la servitude volontaire Payot1978
Claude le fort ,L’invention democratiqueFayard1981
Pierre clastres La société contre l’etatMinuit1974








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش الإسرائيلي يُصدر أوامرَ إجلاءٍ من رفح ويقصف شمال القطا


.. قصف متبادل بين مليشيات موالية لإيران وقوات سوريا الديمقراطية




.. إسرائيل و-حزب الله- يستعدان للحرب| #الظهيرة


.. فلسطين وعضوية أممية كاملة!.. ماذا يعني ذلك؟| #الظهيرة




.. بعد الهجوم الروسي.. المئات يفرّون من القتال في منطقة خاركيف|