الحوار المتمدن - موبايل


صورة باهتة

عبد الستار العاني

2012 / 1 / 12
الادب والفن


صورة باهتة....... عبد الستار العاني كان للمسرح صوت مثل برق في السماء
صار للمسرح لغط مثل لغو الببغاء
الى المسرحي الراحل عبد الجبا ر عباس
التقيته على عجل وحين غادرني تركني مثقلا بالحزن والالم .
( د سألوا علي..... مات .... عاش ....وين راح .... مات الله يرحمة.... )
بهذه الكلمات المقتضبة والمشحونة بنبرات واضحة من الحزن واليأس راح يردد
كلماته الحزينة .
دشداشتان تهرأ ذيل احداهما وقد اتسختا بشكل واضح بعد ان فقدتا لونهما ، تقطعت ازرارهماوهما تكشفان عن فتحة صدر اشتبكت فوقه حزمة من اشواك فضية سترة
بالية باهتة اللون اكمامها تهرأت هي الاخرى ، جسد هزيل نتأت عظام وجهه بشكل
بارز،تقدمته اسنان منخورة تفرقت في مقدمة الفم تعلوها طبقة من صدأ النيكوتين .
حين هم بالجلوس كانت لاتزال نبرة الحزن تعلو صوته وبصوت خفيض قال:
( حياتي تحولت الى زنزانتين بيتي وبيت ابنتي ازهار )
راح يرنو وكأنه يقرأ سطورا على صفحة الافق، ثمة نكهة غريبة حملته بعيدا
الى سنوات خلت حين كان ينتقل بين تلك المحاريب ذات العبق المقدس والتي ما ان ينتهي من ترتيلة حتى يبدأ بترتيلة اخرى، كان ينسلخ تماماوهو يحاول ان يسبر اغوار اولئك الذين كانوا يقدمون عصارات افكارهم من خلال تلكم الشخوص ،
الحواريات التي يتضمنها المشهد وحركات الشخوص هي طقوس وصلوات من نوع غريب ،كانوا مثل رهبان في طقوسهم الكنسية مصحوبة بهالات من الخشوع تتجلى
فيها الايماءات والاشارات وهي تومض مثل البرق لتأتلق وتتماها مع تلك الخطوط البلوريةمترجمةمعبرة بذلك تلك الاحاسيس والانفعالات التي تشتبك مع الحدث
لايجد المشاهد نفسه بدا من الانغماس وهو يتأمل صفاء ذلك البحر الواسع وصخبه
حين تتلاطم فيه تلك الامواج العاتية وحين وقف ظلت الاصداء تترد بالضجيج
والحركة، اصطخبت اعماقه، شخوص يتحركون هنا وهناك ، فضاء مسرحي يضج بكل شيئ ، خطوط الاضواء تنعكس تتقاطع وهو ينتقل من مكان الى آخر مثل حمامة طليقة ، شد على حنجرته وبصوته القوي ذي البحة المتميزة قال :-
( الله كم اشتهيت الآن رائحة حصان....)
ومن الطرف الآخر للمسرح رد عليه صوت : اانت خائف....
:- شلون ما اخاف والطولة ( الاسطبل ) راح يهدموها .... ( 1 )
تنامى كل شيئ وتصاعدت الحوارات وتقاطعت خطوطها حين كانت ثمة اجنحة
بيضاء تخفق برفيف ناعم وهي تحوم عاليا ، كان سيظل هو الآخر محلقا لولا ان
انتشله صوت صديق قديم جاء يسأل عنه قائلا: ابو صادق قبل يومين قرأت في الصحف نبأ وفاتك ..؟
اتسعت حدقتا عينيه ثم ترك رأسه يتدلى فوق صدره،رفع يده وهو يمسد بها فوق صدره وكأنه يتحسس قلبه ،ثم راح راح يدق على الارض بعقبي حذاءه ببلاهة واضحة توقف فجأة وهو يصيخ السمع ، تناهت اليه ضربات حوافر خيول ذكرته
بصورة تلك السيدة الانيقة التي كانت تدرج بعربتها فوق اسفلت ذلك الشارع الباريسي ( 2 ) حين احتشد الجمههور حول العربةوبالفرح والحب فكوا رباط
الخيل ثم راحوا يجرون العربةنحو المسرح ،تململ قليلا ثم انتفض واقفا وهو
يطلق ضحكة ساخرة وحزينة :- الا تدرون انني قد مت قبل سنين....؟
غادرنا دون ان يلتفت الينا تاركا فوق وجوهنا حوارات من صمت تكسرت
كلماته فوق وجوهنا حين تحولت الى نثار لوح زجاجي فوق ارض صخرية .
( 1 )من حوارات النخله والجيران للاديب الراحل غائب طعمة فرمان
( 2 ) الفنانة الباريسية الكبيرة سارة برنار .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سلسلة تحليل الفيلم الروسي العودة (3-1)| كيف عكست الصورة أزمة


.. قصة شارع - شارع المتنبي.. منارة بغداد الثقافية وعبق الحضارة


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة




.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة العر


.. مسرحية جورج خباز: أغنية -يا هالعمر شوي شوي-