الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مأساة الجاهلي

صبري هاشم

2012 / 1 / 18
الادب والفن


***
مأساة الجاهلي
***
كم إليكَ ستشتاقُ بريّةٌ
لن تتركَ لكَ فرصةً للكلامِ
وحين طيفاً تمرُّ
تُحاصرُكُ الرّمالُ
فتغمر أقدامَك شمّاً ثم تقبيلاً
ومِن نهرِ ودِّكَ كأساً ترتشفُ المسافاتُ
كما ترتشفُ مِن أنفاسِ الدّهورِ خمرةَ عاشقٍ
إليك يا صائغَ الحكايا تصغي الجهاتُ
وأمام سحرِ الكلامِ عيونٌ تُدهشُ
إليكَ تشتاقُ نسوةٌ
مِن أين تعرفُكَ العاشقات ؟
يا لعذوبةِ المرأةِ التي
قد سوّيتَ مِن بلسمِ هيامِها موطناً للفراشات !
قلتَ حين ألِفتَ المكانَ
كلّما تجوّلتَ في غابةِ النسيانِ دَهَمَتْكَ فيافي الذَّاكرة
أيُّها الجاهليُّ
يا صائغَ الحكايا
هل تُفَضضُ بدمعِ الذّاكرةِ واجهةً في الرّوحِ ؟
إذاً فالبسْ قميصَ وحشةٍ قبلَ أنْ يُهديَكَ الصّبحُ طَلَّةً لامرأةٍ لهثَ فوقَ صدرِها الياقوت
قبلَ أنْ يُهديَكَ الصّبحُ مِن الأفراسِ المُغيرةِ فرساً جموحاً
بكَ ستَعْبرُ بحارَ الجنونِ
وبها تعبرُ
تتلبّسُ روحُكَ روحَها .
تقتحمُ وحدتَكَ لتصبَّ فوقَ جحيمِكَ جحيمَها
سوف تحترقان
ثم في رقصةٍ ملائكيةٍ ساحرةٍ مِن الغرابةِ تُصَعِّدان
إلى حيثُ لا تعرفُ السّماءُ حدوداً
ولا يعرفُ المدى بُعداً
ولا ينتهي النظرُ في نقطةِ ما
هي امرأةٌ مِن نارِ
مشبوبةٌ حدَّ عذوبةِ الصراخِ
إنْ نطقتْ تجسّدتْ فتنةُ الغوايةِ في أشهى صورِها
فوقَ شفتين لم ترَ المُدنُ في هذه الأنحاءِ شبيهةً لهما
ولا أنجبتْ أوربا بكلِّ جمالِها وفتنتِها مثلَهما
هي امرأةٌ على الوصفِ عصيةٌ
أيُّها الجاهليُّ
هل أتيتَ وزورقَ الفاقةِ ؟
ربما مع جحافلِ اللاجئين أتيتَ
ربما خذلتْكَ القوافلُ
وعافتكَ السفائنُ
ربما أنتجكَ طينٌ مسالمٌ
تقولُ :
ما أغربَني في صبحٍٍ !
ما أوحشَني في ليلٍ !
ثم تزيدُ :
كأنني في ليلِ الحاناتِ أجيرٌ
أتنقّلُ ما بين الطاولاتِ بحثاً عن شيءٍ ضائعٍ
عن خاتمٍ يهِبُ المرءَ ما يشاء
عن سليمانَ في الخاتمِ
عن عَبْدٍ لم يلبسْ مِن فقرِهِ ثوباً
عن عبدٍ يُحررُني
أبحثُ فوق الطاولاتِ عن كأسٍ
مازالت مُترعةً
أو تناصفتْها الشّفاهُ فتورّدَ زهرُ بلُّورِها وأَنْبَتَ النّدى في صمتِ الليلِ
أبحثُ أنا الأجير عمّن يستأجرُني الليلةَ
صائغاً ، كشهرزادَ ، للحكايا
أو أنيسَ دربٍ
أو نديمَ كأسٍ
أو شريكاً في فراشِ امرأةٍ لا أعرفُها ، ملّتْ وحدتَها وعليها فاتِ النّدى وجفّتْ بواديها .
الليلة كأنني ذلك السّكيرُ الذي احتسى كلَّ ما في جوفِ الكأسِ وعلى يديهِ أغلقَ الحانةَ .
كأنني ذلك الملهوفُ الذي ظلَّ يبحثُ عن فضلةٍ لامرأةٍ سكرتْ قبلَ الأوانِ وحُمِلتْ بين ذراعي عاشقٍ مُنتشٍ إلى قصرِ الأميرِ .
إلى سريرٍ يرتدي شهقةَ النّرجسِ .
قلتُ وأنا أتشهّى الكأسَ سيدبُّ فوقَ شفتيكَ أحمرُ شفاهٍ بالتبغِ مُبتلٌّ ،
ستدوخُ وبكَ الدُّنيا تُطوِّحُ .
ستلعنُ فضلةً تركتْها في قعرِ الكأسِ امرأةٌ .
ابحثْ عن منضدةٍ أشهى
يا هذا الربُّ وأنا الأجيرُ بك أستجيرُ
مِن ظلامِ الليلِ وظلمِ الليلِ في الليلِ
مِن وحشٍ زرعتْه في صدريَ الوحْشةُ
مِن قهرٍ تركَهُ عامراً في روحيَ القهرُ وولّى
مِن كدرٍ ألقاهُ إلى نفسيَ الكدرُ و على ظهرِ دابّةٍ مِن ريحِ ارتحل .
يا ربَّ المحرومين في هذا الليلِ ارحمْ أجيراً
مِن أبخسِ أثمانِ الأُجرةِ حين تُفرَضُ وأنا في ضيقٍ وحين تُعْرَضُ وأنا في عسرٍ .
يا ميسورَ الحالِ وسِّعْ ما استطعتَ فأنا الأجيرُ أكرهُ هذا الزمنَ المأجورَ وأكرهُ ثمنَ الأجرةِ .
أنا البدويّ عازف الرّبابةِ
أجدُ في الغربةِ جسدي وفي الوحشةِ روحي
أنا الأعرابيّ عاشق الرّبابةِ
في مشفىً أنظرُ مِن وراءِ لوحٍ زجاجيٍّ إلى باديتي التي ، ربما ، إليها لن أعودَ أو إليَّ لن تعودَ .
أنا الجاهليُّ وقد
تسلّقَتْ دَهْشَتي امرأةٌ
رَشَقتْني نفحةً مِن عطرٍ استوطنَ الذّاكرةَ .
هذا الصباحُ الكريمُ بها يجودُ عليَّ
مع سُمرتِها اشتبكتْ فوقَ وردِ خديها نشقةٌ
هي مِن زهرِ رُمّانٍ
أو مِن حُلمِ عذراء
نشقةٌ تاهتْ في صعيدِ الوجْنَتين
وتحت القرطينِ تلعثَمتْ .
هذا الصّباحُ الجوادُ
عليَّ يجودُ ـ أنا الجاهليّ ـ
بمتوحّشةٍ لا ترى لها مأتىً
فلا تدري مِِن أيِّ مكانٍ أشرقتْ
ولا لأيِّ الأممِ تنتمي ؟
أشرقيةُ الملامحِ هي ؟
أجل ، إنما لا تُخَمِّنُ إلى أيِّ شعبٍ ينتهي خيطُ وحدتِها
ولا تُمسِكُ لها غصناً مِن شجرِ السلالةِ .
أنا الجاهليّ
أحسدُ شالاً يلتفُّ على رقبةٍ نضرةٍ
يحتضنُ شَعْراً فاحماً مُنعماً في فوضى مُدْهِشةٍ
جعلتْهُ عرضةً لعاصفةِ الذَّوقِ .
تنغّمتْ وحدتُها حسرةً طويلةً
تابعي يا امرأة ، مِن خللِ الزّجاجِ ، المطرَ الغاضبَ
همساً انعزفتْ وحدتي :
هذه الأمطارُ جميعُها لا تغسلُ ذنوبَ بشرٍ أدمنوا الذّنبَ.
ترددَ في فيها كلامٌ :
ولا تمحو معنى الضِّعةِ .
ولا ترجمُ شبحَ الكراهةِ .
لم تُطهِّرْ بقعةً مِن يدِ الخُبثِ .
هذه الأمطارُ لم تكنسْ بذرةَ ساقطٍ
ولن تُعيدَ ترتيبَ نفسٍ .
هذه الأمطارُ منها لا فائدة تُرتَجى .
أصرخُ في الوحدةِ :
أنا الجاهليّ
نحوي ثانيةً تُصوّبُ الكلامَ :
أبِأُمِ اللغاتِ تُخاطبُني أيُّها الأعرابيُّ وكأنكَ مُذ خُلِقَ الزمانُ تعرفُني ؟
هي الفراسةُ
ففي بحري عينيكِ
قرأتُ كلاماً بدوياً وخلصتُ إلى كثرِ المعاني .
ثمَّ ماذا ؟
وهذا كتابٌ لحيانيٌّ بين يديكِ يتبسّمُ وهو مَن أوحى
فاضحكي يا امرأة واهدلِي
فأنا أصبتُ مِن جسدِ الحقيقةِ كَبداً
اضحكي وأهدري فأنا غريبٌ في المنزلِ الغريبِ
أنا هنا مُذ هطلت سحابةٌ ماءَ ضياعٍ
وأنتِ لصاحبةٍ تعودين
لصاحبةٍ أتلفَ فؤادَها الشوقُ
فهل كان لأشواقِنا حدُّ ؟
يا امرأة مِن شهدِ اشهدي
ليس لأحلامِنا المُسافرة مدىً
و ليس لمياهِنا المندفعةِ مصبُّ
أنتِ صُحْبةُ الغربةِ
وأنتِ رائحةٌ وردُ
أنا الجاهليُّ عندي تفيضُ النفوسُ
فافعلي إنْ شئتِ
تقولُ امرأةٌ جاد بها الصبحُ :
لو قُدِّرَ لي أنْ أبكيَ شوقاً لذرفتُ مِن الدّمعِ أنهاراً.
حسرتي على فرصٍ ضاعتْ و لوعتي على مَنْ فقدتُ !
أرى غموضَ الدَّهرِ يكتنفُكِ يا امرأة أهداها صبحٌ كريمٌ.
أنا التي أطلقتْ بكاءَها شعراً
تناقلتْهُ الألسنُ ودوّنتْهُ كتبُ السِّيرةِ
ألم تسمعْ بكائيةً تقولُ :
"يَا رَاكِباً إنَّ الأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ "*
لا تكملي
لا تكملي يا امرأة
اللعنة
لقد عرفتُ القَتِيلةَ **
أنتِ يا أُخْت صائغٍ للحكايا
لا تكملي
بل أنا المفجوعةُ بِمَن قُتلَ صبراً ***
أتدري أنَّ مِن بعدهِ استمرؤا قَتْْلَ الأسيرِ ؟
لم تفعلِ العربُ مِن قبل ما فَعَلَهُ الرَّجلُ ****
كنّا جاهليين
حين بالأسرِ علمْنا
صفقنا الراحَ بالراحِ وقُلنا
سوف تُحزُّ الرِّقابُ
ونحن أهلُ جاهليةٍ على عفّةٍ ورقّةٍ في الكلامِ
فلم نؤذِ قاتلَنا
وعن جاهليتِنا وَهْمَاً تتكلّمُ البشرُ
مثلما عن مَوْؤُدتِِنا باطلاً تكلّمَ النصُّ
فيما نحن لم نُخْبَرْ حالةً عنها
ونحنُ للتوحيدِ أقربُ
وللأديانِ أعرفُ
ونحن قومٌ وثنيون
لكننا أهلُ عفوٍ وسماحةٍ
وفينا القبائلُ تتنوّعُ
نحن قومٌ أحرارٌ
خُلِقْنا عراةً واستبقينا على طينةٍ منها جُبِلْنا
أنا الجاهليُّ
رأيتُ ما لم يرَهُ الراؤون
وسمعتُ ما لم تستقبلْهُ المسامعُ
فحين إلى الصفراءِ صرْنا*****
دبَّ دبيبُ فجورِهِ
فأوعزَ إلى مِخْلبٍ كان بعينيهِ يحاورُهُ******:
قال : تشهّى مِن تلك الرّقابِ ما شئتَ
فاضربْ بيمينكَ عنقَ ملاكِ القومِ .
وفي الحالِ فعلَ
قتلَ ندّاً كان يبزّهُ معرفيا
يا لغدرِ الأنبياء !
عَزفَت نواطيري ـ أنا الجاهليُّ ـ لحنَ وحشتِها
وبهامِ أشجاري عصفتْ غيمةُ أطيارٍ
للحظاتٍ لفّنا شجنٌ شفيفٌ
قُلتُ لها أنا عازف الرَّبابةِ المُتحضِّر
هجرتُ بلاداً لم تَعُدْ بلدي
وألفيتُ نفسي في مشفى نزيلاً
قُلتُ لها أنا الأعرابيّ العاشق
أضعُ باديتي في جيبِ قميصي وأرتحلُ
ثم أُخرجُها متى ما جُنَّ ليلي
فأنتزعُ مِن أجمةِ غضاها ربابتي وأشدو
غادرتْني القتيلةُ
تركتْ رقمَ تلفونِها وعنوانَ شقّتِها وودعتْني
لم أتعرّفْ بعد على صاحبتِها
لكنها وعدتْني بعودةٍ قريبةٍ
أجل أنا مُنتظرٌ
و عن جاهليتي مازلتُ راضياً


13 ـ 7 ـ 2009 برلين

***
ــــــــــــــــــــــــــ
* قصيدة قتيلة بنت الحارث في مقتل أخيها النضْر بن الحارث :
يَا رَاكِباً إنَّ الأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ
مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ
أَبْلِغْ بِهَا مَيْتاً بأَنَّ تَحِيَّةً
مَا إِنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ
مِنِّي إِلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً
جَادَتْ بَوَاكفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ
هَلْ يَسْمَعَنَّ النَّضْرُ إِنْ نادَيْتهُ
أمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لاَ يَنْطِقُ
أمُحَمَّدٌ يَا خَيْرَ ضَنْء كَرِيمَة
فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا
مَنَّ الْفَتى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ
أوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلَيُنْفَقَنْ
بأَعَزَّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ
فَالنَّضْرُ أَقْربُ مَنْ أسَرْتَ قَرَابَةً
وأحقُّهُمْ إِنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلَّتْ سُيُوفُ بَني أبيهِ تَنُوشهُ
للهِ أرْحَامٌ هُنَاك تُشَقَّقُ
صَبْراً يُقَادُ إِلى الْمَنِيَّةِ مُتْعَباً
رَسْفُ الْمُقَيَّدِ وَهْوَ عَان مُوثَقُ

** قتيلة بنت الحارث .
*** في إشارة إلى النضْر بن الحارث .
**** إشارة إلى محمد صاحب القرآن .
***** الصفراءُ هو المكانُ الذي قُتلَ فيه النضْر بن الحارث صبراً .
****** إشارة إلى علي بن أبي طالب .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لأي عملاق يحلم عبدالله رويشد بالغناء ؟


.. بطريقة سينمائية.. 20 لصاً يقتحمون متجر مجوهرات وينهبونه في د




.. حبيها حتى لو كانت عدوتك .. أغلى نصيحة من الفنان محمود مرسى ل


.. جوائز -المصري اليوم- في دورتها الأولى.. جائزة أكمل قرطام لأف




.. بايدن طلب الغناء.. قادة مجموعة السبع يحتفلون بعيد ميلاد المس