الحوار المتمدن - موبايل


دين الله واحد

كرمل عبده سعودي

2012 / 1 / 24
حقوق الانسان


من الشائع في الأحاديث العادية بين الناس أنّ المقصود بالدين هو المجموعة الكبيرة من الفِرق والشيع والمذاهب الموجودة حاليًا. وليس من المستغرب أن يثير مثل هذا التعريف الاحتجاج فوارًا عند أوساط أخرى تعتبر أن الدين هو واحد أو آخر من النظم العقائدية الكبرى المستقلة التي عرفها التاريخ ، والتي ساهمت في رسم معالم حضارات إنسانية باكملها ، وكانت مصدر إلهامها . بيد أن هذا الرأي بدوره يجد صعوبة في الرد على سؤال لابد من طرحه وهو أين يجد المرء مكان هذه الأديان التاريخية في العالم المعاصر ؟ ويكون السؤال بالدقة :
أين الدين اليهودي أو الدين البوذي أو الدين المسيحي أو الدين الإسلامي أو غيرها من النظم الدينية ، إذ من الواضح أنه لا يمكن التعرف إليها من خلال تلك الهيئات والتنظيمات التي تتعارض وتلك الأديان تعارضًا لا سبيل لإزالته ولكنها تدّعي التحدث رسميًا بأسمائها ؟ ولا تنتهي المشكلة عند هذا الحد . إذ إن الرأي الآخر ردًا على السؤال سيكون حتمًا بان المقصود بالدين ببساطة هو النهج الذي يتبناه الإنسان في الحياة، إضافة إلى شعوره بعلاقة تربطه بتلك الحقيقة التي تتجاوز حدود الوجود المادي. وفي هذا الإطار من التفكير يصبح الدين صفة تميز شخصية الفرد ودافعًا لا يخضع لمؤثرات أي تنظيم، أو يغدو تجربة من التجارب سهلة المنال وعامة الانتشار. ولكن الأغلبية من أصحاب الأفكار الدينية سوف ينظرون إلى مثل هذا الموقف على أنه موقف يخلو من تلك السلطة بالذات التي تفرض الانضباط على النفس ، وينفي وجود أي نفوذ لتوحيد الصفوف وهو الأمر الذي يعطي الدين معناه .
وقد يذهب بعض معارضي هذا الموقف إلى أن المقصود بالدين عكس ذلك ، إذ هو حسب قولهم يعني منهجًا للحياة يتبناه أناس من أمثالهم هم ، يتِّبعون أسلوبًا دينيًا صارمًا بما يحتويه من شعائر دينية وطقوس يومية وتعفف وإنكار للذات ، يميزهم عن سائر أفراد المجتمع . فإن هذه المفاهيم المختلفة مشتركة أيضًا ، إذا نظرنا إلى المدى الذي تحاول فيه احتواء ظاهرة متعارف عليها ، ظاهرة لا سبيل للإنسان إلى نيلها إطلاقًا ، ولكنها تصبح تدريجيًا حبيسة حدود مفاهيم من وضع الإنسان ، أكانت هذه المفاهيم تنظيمية أم لاهوتية ، أم تجريبية ، أم شعائرية .
إن تعاليم حضرة بهاء الله تمر عبر هذه الآراء المتناقضة مختصرة الطريق فتأتي بصياغات جديدة لكثير من الحقائق التي كانت، جوهر الوحي الإلهي ظاهرًا أم باطنًا. ورغم أنه لا سبيل لأي إنسان أن يحيط إحاطة كاملة بما يقصده حضرة بهاء الله ، فإنه يوضح لنا أنّ أي محاولة لتحديد الحقيقة الإلهية أو الإشارة إليها في الكتب الاهوتية والفقهية أو في العقائد المذهبية إنما هي من قبيل خداع النفس ،
{ ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة ، أنّ غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسًا عن البروز والظهور ، والصعود والنزول والدخول والخروج ، ومتعاليًا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك }
فالواسطة التي أبدعها خالق كل شيء ليتفاعل مع خلقه في أطوار التقدم والنمو هو ظهور أصحاب النبوة الذين بهم تظهر صفات الحقيقة الإلهية المُنزهة عن الإدراك.

{ وما كانت عرفان أبواب ذات الأزل مسدودة على وجه الممكنات لهذا باقتضارء رحمته الواسعة ........... قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نورانية من عوالم الروح الروحاني على هيكل العز الإنساني ، كي تحكي عن ذات الأزلية وساذج القدمية . }

إن تجرأ أحد على رسل الله ممجدًا أحدهم على الآخر ، سيكون ذلك بمنزلة استسلام لذلك الوهم المضلل بأن صاحب الديمومة المحيط بكل شيء خاضع لنزعات البشر وأهوائهم الطارئة فيما يفضلونه . وبهذا الصدد يُعبِّر حضرة بهاء الله بصريح البيان قائلاً: { إن من المعلوم والمحقق... أنّ جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله ، الذين ظهروا في أقمصةٍ مختلفة ، وإذا ما نظرت لهم بنظرٍ لطيف لتجدهم جميعًا ساكنين في رضوان واحد ، وطائرين في هواء واحد ، وجالسين على بساطٍ واحد ، وناطقين بكلامٍ واحد ، وآمرين بأمرٍ واحد . }

وبعد كل هذا سيكون من الغرور أيضًا أن يظن أحد أن في الإمكان – أو أن هناك حاجة إلى – تحديد طبيعة هذه النفوس الفريدة في قالب نظريات مستقاة في قالب من تجارب العالم المادي . ومن ثمّ يشرح حضرة بهاء الله ما تعنيه عبارة " معرفة الله " مبينًا أن هذه المعرفة هي معرفة مظاهر مشيئته وصفاته ، وهنا تتصل الروح اتصالًا وثيقًا بالخالق المُنزّه عن الوصف والإدراك ، ويعود حضرة بهاء الله ليصف المظاهر الإلهية مؤكدًا : { وأشهد أن بجمالك ظهر جمال المعبود ، وبوجهك لاح وجه المقصود . }
فإذا تيسر لنا أن نفهم الدين حسب هذا الاعتبارتستيقظ في النفس الإنسانية إمكانات لا يمكن تصورها . فبقدر ما يتمكن الفرد من معرفة كيف يستفيد من نِعم الظهور الإلهي التي أغدقها الله على العصر الذي يعيش فيه ذلك الفرد، تغتني طبيعته على نحوٍ تصاعدي بما يُسبغ عليها من صفات العالم الإلهي، ويتفضل حضرة بهاء الله:
{ حتى يتعلم الناس جميعًا في ظل شمس الحقيقة ، ويفوزوا بذلك المقام الذي استودعه الله في حقيقة ذواتهم ...... } [ وبما أن هدف الإنسانية هو السعي الدائم " لإصلاح العالم " وخلق مدنيّة دائمة النمو والتطور، فالقوى الخارقة التي يمتلكها الدين ليس أقلها قدرته على تحرير نفوس مؤمنيه من قيود الزمان نفسه ، وباستطاعته أن يبعث فيهم روح البذل ، فيقدموا التضحيات لتخدم أجيالاً متعاقبة من المؤمنين قرونًا متتالية في المستقبل . والحق يقال إن الروح خالدة، ولهذا السبب أنها إذا استيقظت فإنها سوف تدرك جوهر حقيقتها، فيمنحها ذلك قوة وقدرة ليس في هذا العالم فحسب، بل عبر تلك العوالم الغيبية الأخرى بصورة أكثر مباشرة، وذلك بهدف دفع عجلة التطور والتقدم والرقي. ويؤكد لنا حضرة بهاء في ذلك فيتفضل قائلاً :
{ إن ما تشرق بها تلك الأرواح هو سبب ترقي العالم وعلو شأن الأمم... فالأشياء كلها لها أسبلبها ودوافعها ، والسبب الأعظم في تحريك العالم هو هذه الأرواح المجرَّدة .... }

ومن ثمَّ فإن الإيمان دافع قوي لا تخمد جذوته بالنسبة للإنسانية التي وصفها أحد مفكري العصر الحديث من ذوي الشأن بأنها " إنسانية تعي في ذاتها معنى التطور والرقي . " فإذا ما سُدَّ الطريق ليُعبِّر تعبيرًا طبيعيًا عن إيمانه فإن ذلك سيدفعه إلى ابتداع صوامع للعبادة تُلبي لديه دافع الإيمان واليقين إلى حدٍ ما ، وقد تكون هذه الصوامع إما وضيعة أو غير لائقة ، والدليل القاطع المؤسف تؤكده لنا أحداث القرن العشرين ، فالإيمان دافع لا يمكن أن يُحرم منه الإنسان .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اليمن: الأمم المتحدة تندد بحصار الحوثيين على مدينة تعز واستف


.. الأمم المتحدة ستواصل مهمتها السياسية في أفغانستان بعد رحيل ا


.. بين سام وعمار: الفرق بين أميركا وأوروبا في دمج الأقليات المس




.. حديث الخليج - مستشار قانوني: قوانين السعودية تحمي حرية التعب


.. شاهد: متطوعون يوزعون وجبات الإفطار على النازحين السوريين في