الحوار المتمدن - موبايل


إبراهيم الوائلي

سعيد عدنان

2012 / 2 / 21
الادب والفن


إبراهيم الوائلي
1914- 1988

كان شاعراً،وكانت شهادتهُ العليا في الأدب العربي الحديث ، لكنه من ألمع من درَّس النحو وما يتصلُ به في كلية الآداب بجامعة بغداد ومن أعلاهم قدراً، وإذا بدا الأمرُ على خلاف السنن الأكاديمي فإنَّه لدى الوائلي من صميم النهج القويم في تلقي المعرفة ، وفي إشاعتها ، وذلك أنه أتى الأكاديميةَ من بابها الوسيع ، فقد استقامت له اللغةُ بنحوها وصرفها وفقهها منذ سنوات الطلب الأولى على أفضل ما تستقيمُ لغةٌ لطالبها ، وكان رائدُهُ إليها أباه يأخذُ بيده إلى ميادينها ويريه أسرارها.
نشأ في قرية من قرى البصرة المتناثرة على ضفاف شط العرب ، ودرج بين الحقول شأنه شأن لداته ، وزاولَ الفلاحةَ ، وأحبّ الأرضَ والماءَ ، وامتزج بعناصر الحياة الأولى ، متعرفاً الخير والشرّ ومايدعو إليهما ، وكان ريفُ العراق يومئذٍ مباءةَ فقر ،وضنى . وكان الفتى طُلَعَةً تواقاً إلى أُفق أرحب ، ومدى أوسع .وكانت أسرتُه شطر منها يفلحُ الأرض ويبذرُ الحبّ ويرتقبُ رزقاً شحيحاً ، وشطر يطلبُ العلم الديني وما يتصلُ به في النجف .
نفض يديه من الماء والطين واتجه نحو النجف سالكاً نفسه في حلقات الدرس ، يدرسُ اللغةَ بنحوها وصرفها وبلاغتها ؛ لكي ينتقلَ منها إلى دراسة الفقه ، وهو في ذلك (( رفيق كتاب وأستاذ قد يمهدان الطريق إلى قمة من قمم الزعامة الدينية ، وقد يرميان بصاحبهما إلى السفوح والمنحدرات ))
ومضى مع درسه شوطاً حتى إذا فرَغ من مطلب اللغة وماهو منها ، وشرع يأخذُ في الفقه وجد أنَّ نفسَه بقيت معلقةً باللغة والأدب لا تكاد تجري معه في ميادين الفقه ، ووجدها تصغو إلى الشعر وتحاول نظمه ، وكان والده الشيخ قد انصرف عن الشعر وطوى ما بينه وبينه ورآه يزري بمكانة العالم،و أراد لابنه الفقه ولم يرد له الشعر ! فجهد الابن أن يخفي ما يقع له من أبيات ، وأن يحجبها عن أبيه ، ولكنّ النبع المتدفق لا يحجزه حاجز فعرفته المدينة شاعراً يُنشد شعره في مجالسها الأدبية ، وعرفته صحفها ، وكان مما يدعوه إلى قول الشعر ما يطرأ من شأن من شؤون مجتمعه من تهنئة أو تعزية أو ما يتصل بهما بنحو ما .
وربما اتسع الشأن لديه وخرج إلى معالجة قضية من قضايا المجتمع كالظلم وغياب العدل ، والفقر ، وكان مرماه في ذلك رفيعا ساميا، يريد الحقّ في نصرة المستضعف ، ورفعة الوطن وله رصيد في ذلك أتى معه من البصرة وأرضها ومائها وشقاء فلاحها . عرفته المدينة في مجالسها ، وفي صحافتها ، وعرفت انصرافه عن درس الفقه إلى ميدان الشعر فأسف على ذلك من أسف ، وفرح به من فرح ، ولقي هو إقبالا وصدودا ، ولكنه على الحالين قد صدق نفسه ، وأخلص لها ولا يريد أن يحملها على ما ليس لها ، وتاق الى أفق آخر .
غادر النجف إلى بغداد ، حيث الرحابة والسَّعة ، واختلاف المشارب ، وتنازع الأفكار ، واضطراب السياسية ، لكن بيئة بغداد الأدبية استقامت له كما استقامت البيئة الادبية في النجف ، وشهدته المحافل والصحف شاعراً يلتقي لديه الشأن العام بالشأن الخاص ويؤلفان مسار تجربته .
ورأى في بغداد ما يسر وهو قليل ، وما يحزن وهو كثير حتى إذا مضى زمن رسب الحزن في قرارة النفس وراح يستدعي أشباهاً له ونظائر ، وعزت مفارقته !
وكانت أضواء القاهرة ما تفتأ تخطف بصره ، عرفها وهو في النجف كتاباً ومجلة ً ، يحملان الجديد في الفكر والأدب ، وأراد أن يعرفها نمط حياة ، وأن يقترب من النبع .
والقاهرةُ ، يومئذٍ ،في الاربعينيات ، في ذروة من ذراها الرفيعة أدباً وفكراً ، يقولُ عن أيامه فيها : " وهو في القاهرة بين الكتاب القديم والكتاب الجديد وبين المحاضرة والدفتر مع الطلبة المتعبين أو في زاوية من مقهى ينظم خاطرة أو يقرأ في صحيفة ، أو يراجع كتاباً وقد يشايع تظاهرة تصرخ في وجه الاحتلال الإنكليزي فتذكره بثورة العشرين على الفرات "
واستقامت له القاهرة ، وامتدت الأواصر بينه وبين أدبائها، ووجدت آثاره طريقها إلى مجلة "الرسالة " ، وعُرف في مصر أديباً عراقياً ينزع نحو الرومانسية التي كانت موجة الأدب يومئذٍ .
درس في القاهرة " الشعر العراقي في القرن التاسع عشر " وتناول الشعراء الذين كانوا أسلافه الأقربين فقد كان يسمع شعرهم يُنشد ، وأسماءهم تملأ كل مجلس ، وهم ، في جملتهم ، كانوا صحوة الشعر العربي بعد قرون من السبات ، وكانوا إلى ذلك شعراء قضية ، ليس الشعر لديهم زخرفاً ولهواً .
لكنه حين عاد إلى بغداد ، والتحق بكلية الآداب بعد مدة من عودته درّس النحووما يتصل به ، ولم يدرّس الأدب وهو الأديب الشاعر ، فكان أن بثّ الحياة في القاعدة النحوية ، وأجرى في يبسها الماء ، وصار النحو على لسانه متعة من أرقى المتع ، كان يقرأ رجز ابن مالك فيستحيل -على جفافه –طريّاً نديّاً تلذه الأسماع وكأنه من حاق الشعر ، وقلما جرت عربية على لسان كما جرت على لسانه فصاحةً وبلاغةً ومعاريضَ كلام تنفذ نفاذا وحيّاً إلى ما تريد .
كان مكين المجلس في قسم اللغة العربية بكلية الآداب ينتهي إليه مجرى الكلام ، وقوله فصل في ما يُختلف فيه ، وله منزلة رفيعة هي منزلة الشاعر النحوي الذي تمَّ له الشعر بأداته السامية ، واكتمل لديه النحو على أفضل ما اكتمل به عند أحد .
ولم أرَ له - على علمه المستفيض - بحثاً في النحو أو دراسة تتناول عَلَماً من أعلامه ، أو ظاهرةً من ظواهره ، بل إن ما له من أبحاث أدبية قليل نزر ، لكنّه من أقدر الناس على تبين أسرار العربية والنفاذ إلى خفيها ودليل ذلك ما يشهد منه طلبته في قاعة الدرس وماكان يقف به على أغلاط الكتاب مصوباً .
وربما أُغفل شاعراً بتعاقب الأمواج على الشعر العراقي ، وكل موجة تريد أن تُنكرَ ما قبلها ، وكأنَّ ما تقول هو الشعر وحده! ربما أُغفل ! غير أنه لم يكن من ذلك في شيء ، وله من وثاقة نفسه ما يعصمه من أيِّ منزلق .
ومع ذلك كانت منزلتهُ في الشعر لدى البصراء بفن القول جليةً واضحةً لا يداخلها ريبٌ ، وكان يُدعى إلى محافل الشعر العليا ، فلما أُريد للمربد أن يحيى ، وأن يستعيد شيئا مماكان له على زمانه الأول ، أُلفت من أجل ذلك لجنة عليا كان الوائلي أحد أعضائها ، فكان المربد في انعقاده الأول سنة 1971 على سمت رفيع ، بعيداً عمّا سيحور إليه من بعد ،و كانت له قصيدة من رائع الشعر حيّى بها الأرض التي شهدت مولده واستعاد من زمن الطفولة صورا عزيزة ، وبث نجوى ، وهو على نهجه في صياغة الشعر إذ يلتقي ما هو خاص بما هو عام على نحو يصهرهما معاً :
سـاجٍ عـلى الأعـشـاب والرَّبـــــــــــواتِ
شبحٌ عـلى جفـنـيـهِ لَـمْحُ سنــــــــــــاتِ
نشـوان تُدْنـيـه بقـايـــــــــــــا نغمةٍ
مـنـي ويُبعـده صدى خَلَجـاتــــــــــــــي
نـاجـيـتُه شغفـاً وبـي تهـويـــــــــــمةٌ
تطـوي العَشِيَّ عـلى رفـــــــــــــيف غداة
حتى ارتـمـيـتُ عـلى الشـواطئ مُثْقــــــلاً
بـالـذكريـات تعجُّ مُزْدَحـمــــــــــــــات
صديـانَ للضَّفَتَيْنِ أمـرحُ فـيـهـمــــــــــا
وأعبُّ مـن رئتـيـهـمـا نهلاتــــــــــــي
يـا شَطُّ مـا نسـيَ الـمـلاعبَ شـاعــــــــرٌ
غنَّى عـلى أفـيـــــــــــــــائكَ الخَضِلات
.... ـ ياشطُّ إنـي فـي رحـابك فـــــــــــاغتفِرْ
وِزْرَ السنـيـنَ مضـيـن مُحْتـربـــــــــــات
وكانت قصيدة عامرة تتردد بها أصداء الطفولة والصبا على إيقاع الكهولة المتئد ، وكانت من روائع المربد الأول ومباهجه .
وتساءل السامعون عن مظان شعره ، وأين يجدون قصائده ! ولِمَ لم يضمها ديوان ، ولِمَ بقيت أشتاتا في جرائد قديمة ومجلات بعد عهد الناس بها ، وأرادوه على أن ينهض بلمّ شملها حتى تكون قريبة ممن يبتغيها ، غير أنه استمع وابتسم وكأنه لا يريد ذلك وكأن حاجزا يحجزه عنه ، ولو أراده لما استعصى عليه ، لكنّه على نهجه في الريث والأناة والزهد وحب الاكتمال .
وتمضي سنون ، وتفجؤه علّة تقطعه عن الكلية مدة ، ويثقل غيابه حتى إذا عاد عاد هزيلاً شاحباً تحيط به أشباح المغيب ، وكان لا بد أن يلتفت وهو في حاله هذه – في ما يلتفت إليه – كان لا بد أن يلتفت إلى شعره وأن يصدره في ديوان ، وقد كان ، فصدر ديوان الوائلي في سنة 1981 بقسمين تتصدر القسم الأول :" كلمة الشاعر " : " لعل في هذه المجموعة ما يعبر عن جانب من سيرة لا شأن لأمثالها من السير في هذا المجتمع الكبير المضطرب ولكنها – على أية حال – حصيلة عمر يبدأ يومه الأول في كوخ من القصب لا ستائر له سوى أغصان الشجر وسعف النخل ... ويكاد ينتهي – هذا العمر – في بيت من ضواحي بغداد لا مكان فيه لمولود جديد من الأحفاد "، وتمضي الكلمة على هذا النحو من التذكر الذي يلتقط من عناصر السيرة ما يهبها معنى ، متنقلة بين الأزمنة والأمكنة حتى يبلغ بها ختامها فيقول : " أخي ... .في هذا الديوان صور من الريف ، هدوئه وشقائه ، وبؤسه ، وفيه هموم الشباب ، وما بعد الشباب ، وفيه آلام الحرية الضائعة في الوطن الكبير ، فإذا كنت ممن يؤمنون بحرية الإنسان وبالصدق والحب والحياة والجمال ، فأنت رفيقي في هذا الدرب الطويل ، وإلا فحسبك ما أنت فيه ، وحسبي وحدي رحلة الضياع "
قال صاحبي وهو يقرأ معي " كلمة الشاعر " هذه : إنها قصيدة أخرى من قصائد الديوان جاءت على غير الموزون المقفى !
قلت : وإنه لكاتب ناثر لا يقل نثره روعة عن شعره !
صدر الديوان ، وسُرَّ به من كان يعرفُ قدرَ صاحبه ، ورضي هو عنه بعض الرضا ، فقد كان يريد له مقدمة أرحب وطباعة أفضل . وكانت على ذلك أشباح المغيب لا تفتأ تقترب منه ، وتدعوه إليها ، فكان لا بد أن يودّع الأرض والناس ، وكان له في " ميسان " أهل وذكرى ، فمضى إليها يستقري الأرض ويستنشق النسائم ، وكان من ذلك أن أنشأ " على شواطئ ميسان " القصيدة التي قامت بالوداع على أتم قيام :


عروس دجلة – والشطآن تأتلقُ
هل في الخمائل من عبريك مرتفق
تنهد الشوق في جنبي محتدما
وما تنهد لولا السحر والعبق
وكاد قلبي- لولا الهم -يدفعه
طين ويحفزه من خفة نزق
عروس دجلة إني ضيف ناعسة
يكاد يغفو على أهدابها الغسق
أهدت إلي الليالي طيفها خضلا
شِف الجناح مع الأنسام ينطلق
حتى أطل وأكوابي محطمة
واللحن يخفت والأوتار تختنق

وتمضي القصيدة حتى تكتمل بين يديه نجوى ، ومساقاة ذكر لا تفارقه ، وإذ تبلغ قرارتها يعاود صدى المطلع فيختتم به :
يا صاحبيَّ دعا كأسي وما ملئت
فإنها – دون ما عاطيتما – حَرَق
لا تسقياني سلاف الكرم صافية
إني بما اعتصرت كف الأسى شرِق
قالوا : الرحيل فقلت: المنتأى قدر
وقد يطول بنا- يا ميس – مفترق
لكن ذكراك أغلى ما يرافقنا
وإن نأى الركب وانداحت به الطرق
ويطول به " المفترق " لكنّ ما أقام من أدب ، وما أرسى من فضائل يجعله قريبا دانيا عذب المورد .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة يسرا: -الله بيحبنا وبيحب مصر- |#مع_جيزال


.. صباح العربية | أربيل توثق مئة عام من الموسيقى


.. الإخواني الذى غدر به زملائه.. الفنان يوركا نجم مسلسل الاختيا




.. كيف كانت تجربة مهرجان -مالمو- للسينما العربية بنسخته الحادية


.. رمضان 2021 - الف ويلة بليلة - الفنانة ناانسي عجرم في ضيافة