الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشعب السوري: هو البطل الملحمي وقوة الحسم..شيئ من السياسة وبعض العاطفة

نصار إبراهيم

2012 / 2 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


أحد عشر شهرا ثقيلا مرت كانت أكثر من كافية لكي نلمس لمس اليد معالم وأبعاد المواجهة التي تتوالى فصولها تباعا في سورية، فسالت الكثير من الدماء السورية الغالية، وفي ذات اللحظة سقط الكثير من الأوهام والرهانات، كما تحددت الفواصل والتخوم بدقة بين حلف الصمود والمقاومة والكرامة والإنسانية وحلف الفجار من استعماريين قدامى وجدد ومعهم أدواتهم المحلية والإقليمية مثقلة بالجهل والتخلف والصفاقة والموت. وهنا لنترك الدين الإسلامي الحنيف جانبا فليس له أي علاقة بما يقال وينفذ باسمه من قبل قوى وجماعات وافراد، وأيضا لنترك الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان جانبا فليس لكل هذا علاقة بما يجري ويدور.
لقد قالت سورية قولتها وصالت صولتها، فأجبرت الجميع على الوقوف، هكذا كما هم، فقد أضاء الدم السوري والصلابة السياسية والأداء البارع كامل المساحات الرمادية والزوايا المظلمة، وبهذا أجبرت سورية الجميع على الاختيار وإنهاء لعبة الرقص على الحبال وبين التناقضات، فتجلت الاصطفافات على المستوى الدولي بأبهى وأوضح ما يكون، كما تجلت الاصطفافات على مستوى القوى والأفراد بلا رتوش أو مناورات أو مراوغات، وأيضا دفعت اللغة والخطاب والثقافة إلى أقصى درجات الوضوح، فكنست اللغة الضبابية والثقافة المائعة وأشباه المثقفين، وبهذا أعادت لمفردات الوعي القومي اصالتها بعد أن أعادت تعميدها في نيران المواجهة الشاملة مع مشاريع الهيمنة والجهل والتخلف.
في غمرة المواجهة الطاحنة التي احتلت سورية في سياقاتها مساحة الكون منذ أحد عشر شهرا سقطت استراتيجيات وتهيأت أخرى للصعود والتقدم ومعها تحركت موازين القوى على أكثر من مستوى وصعيد بما يبشر بمعادلات كونية وإقليمية جديدة، كما سقطت "الديمقراطية الاستعمارية" بعد أن استبدلت جماعة مجلس اسطنبول علم الاستقلال السوري بعلم الانتداب الفرنسي دون أن يكلفوا أنفسهم الانتظار ليسألوا الشعب السوري رأية في ذلك، كما سقطت حقوق الإنسان عندما تركت" الثورة، وجيشها الحر!" عنان قيادتهما لأكثر الأنظمة العربية تخلفا وجهلا، وعندما راحا يدمران برعونة وخفة مؤسسات الدولة ومقدراتها ومكتسبات الشعب السوري على مر التاريخ، كما سقطت راية الحرية في الوحل عندما أصبح هاجس "قيادة الثورة" المزعومة تمريغ جبين سورية العالي في وحول التبعية والمهانة، حين راحت تلك العصابة توزع الوعود برهن سورية وتاريخها لصالح الحلف الأمريكي - الإسرائيلي ولصالح تهويمات مشايخ النفط.
إذن، لقد قالت دمشق قولها الفصل: لن يمروا! ولكن كيف كان ذلك؟
يمكن أن يقال الكثير عن العوامل والقوى التي جعلت هجمات المشروع الإمبريالي الرجعي تتكسر الواحدة تلو الأخرى على أبواب دمشق، سواء كانت هجمات سياسية أو حربا إعلامية أو حربا نفسية طاحنة، أو كانت حربا ذات طبيعة ديبلوماسية أو حصار اقتصادي أو – وهو الأخطر – تشريع التدخل الخارجي، أو اتخذت شكل الهجمات الإرهابية المسلحة واسعة النطاق بكل ما يرافقها من تدفق للمقاتلين والأسلحة من كل حدب وصوب.
قد يقال بأن السبب يعود إلى الدعم الروسي – الصيني بما شكله من إسناد وقاعدة ارتكاز راسخة. بالتأكيد إن هذا العامل في غاية الأهمية، غير أن دور مجال فعله تمثل أساسا في حالة التوازن التي فرضها على صعيد الصراع الديبلوماسي الذي دارت رحاه في المؤسسات الدولية وخاصة مجلس الأمن، وقد يقال بأن السبب يعود إلى تماسك المؤسسة العسكرية أي الجيش العربي السوري،إلى جانب تماسك المؤسسة السياسية للدولة والنظام في سورية.. كل هذا صحيح ومنطقي، غير أن جميع هذه العوامل على أهميتها وما تمثله من ثقل لا تفسر جوهر الحالة السورية، فهي تبقى في جميع الأحوال عوامل قابلة للحراك والانزياح لو لم يتوفر عامل العوامل الذي بدونه لا تستطيع كل العناصر المشار إليها التماسك والصمود، إنه بمثابة الأرض التي تتحرك عليها جميع العوامل الأخرى، والمقصود بذلك الشعب العربي السوري بأغلبيته الساحقة، هذا الشعب الذي أخطأ الجميع في قراءته، وخاصة قوى الرجعية والإمبريالية وأدواتهما في الداخل السوري أو أولئك الذين يجوسون الحدود.
الشعب السوري هو البطل الملحمي الحقيقي الذي تمكن بوعيه العميق وذاكرته الممتدة في الزمان والمكان من حماية سورية، وبالتالي حماية ذاته الوطنية والقومية، وفي السياق حماية دوره الذي تأسس في تاريخ المنطقة والإقليم عبر آلاف السنين.
بعد مرور ما يقارب السنة على انفتاح جحيم التآمر على سورية بكل الأشكال ومن مختلف الأوزان والعيارات، تقف وكالات الاستخبارات في مختلف العواصم البعيدة والقريبة مدهوشة ومحبطة، أمام عجزها عن إدراك جوهر وشيفرة المعادلة السورية، ذلك لأنها تعودت أن تحقق انتصارات سهلة بمجرد خوض مواجهات افتراضية إعلامية وسياسية ونفسية، كانت تنجح في إسقاط الأنظمة بدون كلفة تذكر، مشكلتها مع سورية أنها لم تأخذ في الحسبان ذاكرة ووعي هذا الشعب العربي العملاق، كما لم تأخذ بعين الاعتبار قدرته على التمييز المذهل والرهيف ما بين نضالاته المحقة لتحسين وتغيير واقعه على كل المستويات وتحقيق طموحاته المشروعة دائما في الحرية والعدالة والكرامة الفردية والجمعية وبين خطوطه الحمراء تجاه وطنه وأرضه وتاريخه ووحدته الوطنية، تلك الخطوط التي تتخطى في قيمتها ومكانتها حسابات الأفراد والطوائف لترتقي إلى المقدس الذي يدفع ملايين السوريين إلى الميادين والشوارع بكل عناد وعنفوان لصد الهجمات القاتلة والبائسة التي تستهدف اليوطوبيا السورية المقدسة المشبعة بذاتها ولذاتها، ذلك لأنها تتكئ على مخزون هائل من الاعتداد بالذات والدور والكرامة على مر التاريخ وصراع الحضارات أوتفاعلها، بحيث نجحت سورية دائما في فرض ذاتها ودورها كرقم مركزي صعب في الإقليم وفي العالم القديم والمعاصر، عدم رؤية أو إدراك هذه المعادلة تحديدا، من قبل مختلف دوائر التآمر على سورية هي التي دفعت بهم وبسياساتهم وبملياراتهم وبأتباعهم وزعرانهم للوقوف عاجزين محبطين ومربكين أمام اصالة الوعي والإحساس القومي النبيل لشعب سورية المذهل في عمقه وقدرته على التحمل، وصلابته وتماسكه وإبداعه في فن إدارة الصراع واستنزاف الخصم الذي تعود على الانتصارات السهلة وتمرير أجنداته المعلنة والمضمرة بلا حسابات معقدة.
هو الشعب السوري إذن من حسم المواجهة وحدد نتائجها ضد "حلف الفجار المعاصر"، ولو كانت الأمور غير ذلك، أي لو سقط الشعب السوري في مصيدة الإعلام المضلل وداعبت خياله الشعارات البراقة والساذجة التي حمل لواءها عتاة المتخلفين العرب وعتاة القوى الاستعمارية، لو كان الشعب السوري هشا وسطحيا لاكتسحت الهجمة سورية وجعلتها قاعا صفصفا، وحينها ما كان للجيش العربي السوري بكل وعيه وتماسكه ليصمد أمام الملايين، وما كان لروسيا ومعها الصين بكل جبروتهما أن يغامرا بالرهان على معركة خاسرة من بدايتها، إذن الشعب السوري هو عامل العوامل وفرس الرهان الأول الذي لم يخذل ذاته ولا تاريخه ولا كل من اختار الوقوف إلى جانبه مهما اشتدت الزلازل من حوله وأمامه وخلفه.
لهذا، نصل إلى خلاصة القول وهي: شعب كهذا لا خوف منه على ذاته ولا خوف عليه، شعب كهذا هو الذي يحمى النظام والجيش والرؤية والسياسة والدور والمكتسبات، شعب كهذا لا يخون ماءه وهواءه وذاكرته ووعيه. إذن شعب كهذا من حقه الحرية كاملة وبما يفوق منسوب كل الحريات الممنوحة في مختلف بقاع الأرض، شعب كهذا من حقه أن لا يهان أي فرد فيه لأي سبب كان، سواء كان سياسيا أو طائفيا أو جنسيا أو اقتصاديا، إنه شعب هو من يعطي لمن يقوده الكرامة والحماية والشرعية وليس العكس، ولهذا من حق هذا الشعب السوري العظيم أن ينال كل ما يشاء، فإذا لم يكن هذا الشعب السوري العظيم هو من يستحق كل الحقوق والاحترام والحريات والعدالة والديمقراطية الأصيلة التي يريدها بما أبداه من روعة وبسالة ووعي، ومع كل ما سال من دماء وما تعرض له من غدر وقتل فمن إذن يستحق الحقوق والاحترام والحريات والعدالة والديمقراطية على وجه هذه الأرض!
أيها السوريون لقد وجدنا ذاتنا فيكم، فبدونكم عروبتنا منقوصة وبدونكم لن يكون لها العمق الذي نريده أو نتمناه، وستصبح كما هي حال الجامعة العربية اليوم ليس لها طعم أو لون أو دور بعد أن توهم صغار القوم أن بمقدورهم اختطاف الدور، ليكتشفوا سريعا بأنهم يثيرون السخرية، فحملوا راية الجامعة الباهتة والممزقة وحاولوا تسويقها في مجلس الأمن عله يعيد لهم بعضا من ماء الوجه، فتلقوا صفعة أكثر هولا، فراحوا يتلفتون حولهم، يهيمون هنا وهناك في محاولة البحث عن مخرج يدارون به غباءهم ورهاناتهم الخاسرة والمهينة.
أيها السوريون أينما كنتم، جرحكم جرحنا، وكرامتكم كرامتنا، ودمكم دمنا، وانتصاركم انتصارنا، لكم الوفاء والموقف الذي لا يساوم على قطرة من دمكم أو دمعكم، لكم الوفاء ووقفة العز في سهول درعا وحوران وقمحها الذي يطعم جياع العرب، في جبل العرب الأشم الذي رفع راية الثورة، في جبال إدلب وزيتونها الذي يضئ ليلنا، في الرقة ودير الزور والحسكة حيث الكرامة والكرم، الأصالة والأصل والخيل التي في نواصيها الخير، في حلب الشهباء مهد ذاكرتنا وأشعارنا، في اللاذقية وطرطوس وهما تغسلان أقدامهما على شواطئ المتوسط لتقلع السفن وهي محملة بمعاني الحضارة وأبجدية الكلام، في حمص العدية بخفة روحها وصلابتها، في حماة وهي تغفو على هدهدة النواعير، في تدمر التي قالت في التاريخ قولتها كي لا تنحني أمام غاز عابر بعد أن مهد له غدر الأقربين فشمخت وهتفت " بيدي لا بيد عمرو"..
وأخيرا أم البدايات وأم النهايات دمشق الشآم، أم العواصم والحضارات، دمشق العروبة الشقيقة الوفية دوما لقاهرة المعز وبغداد الرشيد.
أيها القادم إلى دمشق قف عند بوابتها وانحن تأدبا واحتراما لتمر، قف إجلالا في حضرة التاريخ والمواقف، قف وتأمل ما شئت رسالة ميسلون وهي تجدد اليوم ذاتها، قف بأدب فأنت في حضرة دمشق الشآم التي تواصل منذ الأزل مهمتها، تحمل سيفها الدمشقي لتذب به عن كل العرب حتى وهي تراهم يتكالبون عليها، لكنها دمشق هكذا هي، تسمو وعينها على التاريخ الذي مضى والتاريخ الذي سيأتي، حساباتها دائما كبيرة وبعيدة.
أيها القادم إرفع رأسك فأنت في دمشق، حيث يطير الحمام على سفوح قاسيون يهدل في السلم حنينا للياسمين وفي الحرب يحمل حجارة من سجيل، هي دمشق التي تسكننا ونسكنها حتى وإن تعثر أو تعذر الوصول إليها.
لسورية سلام، ولشعبها العربي السوري كل السلام، ولسيف دمشق العزة والحرية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الخارجية الروسية: أي جنود فرنسيين يتم إرسالهم لأوكرانيا سنعت


.. تأجيل محاكمة ترامب في قضية الوثائق السرية | #أميركا_اليوم




.. دبابة إسرائيلية تفجّر محطة غاز في منطقة الشوكة شرق رفح


.. بايدن: لن تحصل إسرائيل على دعمنا إذا دخلت المناطق السكانية ف




.. وصول عدد من جثامين القصف الإسرائيلي على حي التفاح إلى المستش