الحوار المتمدن - موبايل


القوى الاجتماعية الفاعلة في الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية 1-3

هاشم نعمة

2012 / 3 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


طرح اندلاع الانتفاضات الشعبية في العديد من البلدان العربية الكثير من الأسئلة ذات الأبعاد النظرية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية عن أسباب اندلاعها وقواها الفاعلة وتزامنها في هذا الوقت بالتحديد. وبما أن الانتفاضات حتى التي نجحت في إسقاط قيادات الأنظمة الاستبدادية لا تزال في طور الحدث غير المكتمل المتمثل في بناء أسس دولة مدنية ديمقراطية. إذن تبقى الإجابة عن هذه الأسئلة عملية مستمرة ومفتوحة ولا تكتمل لحظتها إلا بتعمق مسيرة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تصب في ذات الهدف. وبما أن الانتفاضات يقتضي دراستها بأبعادها المتعددة المركبة والمتبادلة التأثير التي خلقت حالة التراكم الذي أدى إلى اندلاعها وتسهيلا للبحث يمكن تناول بعض محاورها الهامة مثل المحور الذي تم اختياره عنوانا.
مفاهيم نظرية
من بين النقاشات الفكرية والسياسية الدائرة الآن حول الانتفاضات تلك التي تردى بأن المفاهيم النظرية الحديثة والمعاصرة لا تسعفنا كثيرا في تفسير وتحليل أسبابها وتوقع حدوثها والقوى الفاعلة فيها وملامح المرحلة الانتقالية التي تعقب نجاحها. وهذه في تقديرنا لا تأخذ في الاعتبار كثيرا السمات العامة للبنية الاجتماعية-الاقتصادية الطبقية في البلدان العربية حيث هناك تماهٍ في الحدود بين الفئات والطبقات الاجتماعية. وهذا عائد إلى أن هذه المجتمعات لم تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تساهم في تشكيل ملامح هذه الفئات والطبقات. وهذا ينعكس بالتأكيد على الأدوار السياسية التي تضطلع بها سواء في زمن الأنظمة الاستبدادية أو بعد سقوطها.
اعتبر ماركس استخدام الأساليب السلمية أو العنفية أثناء الثورة مسألة تتعلق بالإستراتيجية والتكتيك التي تسعى لتحقيق أهداف الثورة. إذ تحدد الشروط الاجتماعية والتاريخية في مكان وزمان معينين الأساليب التي يتعين استخدامها، وإن لم يسقط إمكانية استخدام العنف.( ) وفي حمأة الصراع الأيديولوجي، ظهر الكثير من الأطروحات الماركسية التي تجعل من الحركات الاجتماعية المحرك الفعلي للتاريخ مزيلة عنها تهمة "الجريمة" ومدرجة إياها في الشروط الموضوعية لبناء المجتمع الاشتراكي. فهذه روزا لوكسمبورغ تقول إن "الحركات الشعبية ناجمة عن قوة طبيعية تجد منبعها في الصراع الطبقي للمجتمع العصري"، فالأمر لا يتعلق بجماهير مجرمة، بل بنتاج موضوعي لفصول من الاستغلال والتوزيع غير العادل للثروات.( ) إن التراكم المعرفي الذي نتج في مجال الحركات الاجتماعية الاحتجاجية لم يسلم كثيرا من الأيديولوجيا؛ فالحركات الاجتماعية ظلت لزمن بعيد مصطبغة برهانات الصراع الدائر سابقا بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، مما أنتج قراءات ماركسية أكثر انتصارا للحركات الاجتماعية، باعتبارها صراعا طبقيا وجسرا نحو التغيير، وأخرى رأسمالية لا ترى فيها إلا "عدوا احتياطيا" يتوجب التخلص منه في أقرب فرصة تتيحها شروط التاريخ. بل إن تحليل الحركات الاجتماعية في الأدبيات الفرانكفونية ظل إلى حدود سبعينات القرن الماضي مرتبطا بالمقاربة الماركسية( ) التي تسربت إلى العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالأخص ولا تزال تستخدم كمنهج للتحليل حتى بعد انهيار المنظومة الاشتراكية.
ونجد (زيجمونت) في مراجعته لنظريات الثورة، بعد هبوب رياح التغيير على أنظمة الحكم في أوروبا الشرقية، يفرق بين الثورة السياسية التي تتعلق بتغيير طريقة إدارة الحكم وتأثيره في النظام الاجتماعي، وبين الثورة النظامية التي تتعلق بتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية التي يقوم عليها النظام. وقد جعل هذين النوعين نمطين مثاليين تقع الحالات الواقعية للثورات على الخط الواصل بينهما.( )
منذ عام 1995، بدأ بوردو ينظر للحركة الاجتماعية الجديدة، ويناضل في أطرها المختلفة. مقدما بذلك النموذج الناصع للمثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي، رافضا الليبرالية الجديدة كليا، ودليله في هذه المعركة ما انتهى إليه من مقاربات سوسيولوجية وما يؤمن به من التزام سياسي. ففي ذات السنة، عمل على تأسيس الحركة الاجتماعية الأوروبية بعيدا عن الأحزاب التقليدية، بما فيها الأحزاب القادمة من اليسار. فما ألفه من الكتب العميقة، جعله ينتصر للحركات الاجتماعية الجديدة، محتجا على العولمة والرأسمالية المتوحشة.( )
هذا يؤكد أن الاهتمام النظري بالانتفاضات والحركات الاحتجاجية لم يكن غائبا تماما كما يدعي البعض وبأن حدوثها لا يشكل "صدمة نظرية" بسبب عدم توقعها في هذا الوقت بالتحديد. حيث يرى صادق جلال العظم بأنه "ليس من مهمات الفكر السياسي أن يتنبأ أو يصدر أحكاما قاطعة. فهو يمكنه أن يكون دقيقاً ومنظماً وعلمياً بقدر نسبي. ويمكنه أن يرصد عوامل الظواهر والحوادث وخلفياتها، ويقدم بعض التوقعات. أما التنبؤ فنادراً ما يكون صحيحا، إلا بالمصادفة."( ) ولكن هل نحن بحاجة لتطوير مفاهيمنا النظرية استنادا لما يستخلص من دروس الانتفاضات؟ نعم لأن المفاهيم النظرية تتطور وتغير أو تعدل من مضمونها ومن أشكال تطبيقها تاريخيا مع تطور الواقع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي أنتجها كما تتطور مع تبدل المكونات التي تدخل فيها والحاجات الجديدة التي ترد عليها حسب برهان غليون.
بالنظر إلى التطورات التي تشهدها المنطقة العربية، نجد أنها تستدعي مجموعة من المفاهيم النظرية، مثل مفهوم الثورة والعدوى والحروب الثورية، والتي ساد اعتقاد بين المتخصصين بأن نجمها قد أفل. حيث كان هناك تيار من الأكاديميين قبل اندلاع الانتفاضات يفضل تصنيف النظم السياسية العربية على أنها من النظم المستقرة. ولكن حالة الثورة تفيد بأن حالة الاستقرار تلك، والتي استمرت في بعض الحالات ما يزيد على 40 سنة، لم تعبر عن استقرار حقيقي، بقدر ما عبرت عن حالة من الركود، وأن تغيير الحكومة أو النظام ليس بالضرورة مؤشرا على عدم الاستقرار، بل قد يعبر عن حالة من الاستقرار السياسي الحقيقي في النظام، كما هو حال النظم الديمقراطية، فعدم التغيير في العديد من الدول العربية عبر عن غياب استقرار سياسي حقيقي فيها( ) وليس العكس.
ساهمت بعض المفاهيم دون توقع انفجار الانتفاضات. بعد أن تمادى التحليل في تركيب ترسانة من المفاهيم التي لا يقارب مجتمعا عربيا دون الاستعانة بها. وهكذا تم مثلا ترويج مفهوم "التجانس المجتمعي| الثقافي" بصفته شرطا مسبقا كي يحدث التغيير. كما تم البناء على "المقولة" التي ترى أن القرب الجيو- إستراتيجي من مركز الصراع العربي-الإسرائيلي يحفظ للأنظمة سلامتها ويقيها من السقوط تحت ضغط شعوبها. استندت نظرية التجانس "الثقافي" إلى معطى مفترض يتمثل في أن التجانس المجتمعي هو شرط لا بد منه كي تتوافر إمكانات التغيير السياسي في المجتمعات العربية. وبالاستناد إلى هذا المنطق، لم يكن تغيير السلطة مدرجا من تحت ما دامت الغالبية الساحقة من المجتمعات العربية "مركبة" من مكونات "موروثة"، مثل القبيلة والإثنية والطائفة. وهذه التكوينات، بحسب المنطق نفسه، كابحة للتغيير لأن ديناميتها الأساسية انقسامية عمودية من جهة أولى، وتتمثل من جهة ثانية، في إعادة إنتاج بسيطة لشروط استمرارها على حالها.
هذا المفهوم يتم إسقاطه على الدينامية الاجتماعية وعلى مكوناتها دونما اعتبار للتحول الحاصل في البنية الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية والثقافية والذهنية في المجتمعات العربية. والمفهوم في هذا المعنى لا تاريخي لأنه يتعامل مع المكون "الثقافي" بصفته ثابتا ومحددا لهذه المجتمعات؛ كيف يمكن لهذه المكونات أن تبقى ثابتة على الرغم من انتشار آليات السوق والتعليم الحديث ووسائل التواصل والهجرة من الريف إلى المدن والاندماج في بنية السلطة؟ ولماذا يبقى المكون "الثقافي" منطلقا للتحليل فيما آليات التمييز والعزل والتهميش الاجتماعي والسياسي هي التي تكون موضع الشكوى؟( ) إذن هذا المفهوم ينظر للبنية الاجتماعية ككتلة جامدة بعيدة عن التطور والتحول وبهذا المعنى يخرجها من سياق التحليل المادي العلمي بمجالاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة: الشرطي المتهم بقتل جورج فلويد يرفض الإدلاء


.. ليبيا: رئيس حكومة الوحدة الوطنية يطلب الدعم الروسي لإنهاء ال


.. بلينكن يعد ب-شراكة أمنية دائمة- مع أفغانستان بعد انسحاب القو




.. أفغانستان: مخاوف من انهيار الوضع الأمني بعد انسحاب القوات ال


.. إلى أين وصلت محادثات فيينا حول الاتفاق النووي الإيراني؟