الحوار المتمدن - موبايل


القوى الاجتماعية الفاعلة في الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية 2-3

هاشم نعمة

2012 / 3 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


القوى الاجتماعية الفاعلة في الانتفاضات الشعبية

عند بحث الانتفاضات لا ينبغي تناسي عامل تراكم النضالات من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والتي بدأت منذ سنوات في تونس ومصر وبلدان عربية أخرى من خلال سلسلة من التحركات الاحتجاجية والإضرابات والاعتصامات التي قادتها الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية وإن كانت بادوار مختلفة والتي ساهمت في صنع الحدث فحدث كهذا لا يمكن أن يكون مقطوع الجذور عن مقدمات هذا التراكم.

لتحليل القوى الاجتماعية التي ساهمت بفعالية في الانتفاضات لابد من النظر إلى مجمل اللوحة الاجتماعية دون اختزال الدور بمكون دون آخر. فهناك فئتان ساهمتا بفعالية أولا الشباب المتعلم، غير المنظم حزبيا، ولكن الذي تفاعل سريعا مع نشاطات الأحزاب والنقابات التي لعبت دورا كغطاء لهذه الحركة، وأعطاها الزخم اللازم للاستمرار والتعبئة والتأطير. وثانيا شرائح العمال، المنتمية للنقابات أو غير المنتمية، والتي أغلفها الكثير من المحللين في محاولة واعية أو غير واعية لطمس بعدها الطبقي. إذن، ما حدث في تونس ومصر حركتان اجتماعيتان اندمج بروعة فيهما البعد الطبقي الكلاسيكي مع البعد المدني الجديد.( ) وكانت الشعارات التي رفعت في البداية ذات طابع اجتماعي ولكن مع استخدام العنف ضد المتظاهرين سرعان ما تطورت إلى شعارات سياسية حيث تم التركيز على العلاقة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

دخلت النقابات بقوة على خط الأحداث، عندما أعلنت نقابة المحامين عن إضراب يوم الخميس 9 كانون الثاني/ يناير 2011 ليوم واحد. ونجح هذا الإضراب في إقحام الحركة النقابية في الأحداث، وصدر البيان الأول للاتحاد العام التونسي للشغل يوم 11/01/2011، والذي يقر فيه بمشروعية المطالب المرفوعة، ويطالب السلطات الرسمية بالاستجابة لهذه المطالب.( ) صحيح أن الشباب انتفض بشكل غير منظم، ولكن ما لبثت النقابات العمالية أن قامت بتنظيم الانتفاضة ونقلها من مدينة إلى أخرى. لقد كان الاتحاد العام التونسي للشغل بارعا في التعامل مع النظام: ففي شمال تونس، وخاصة في العاصمة، كان قياديوه يتفاوضون مع النظام، بينما في الجنوب كانوا يعارضونه.أما الإتحاد العام لطلبة تونس، وهو خليط من مجموعات يسارية وإسلامية معارضة، فقد لعب دورا أساسيا في تعبئة طلاب الجامعة ضد النظام. وكان دور نقابة المحامين، مهما ورائدا في توسيع التظاهرات من تظاهرات شابة إلى تظاهرات تشمل كافة الأعمار وبالأخص في العاصمة.( )

وإضافة إلى عنصر الشباب الذي لعب دورا بارزا في الانتفاضة في تونس لعبت الأحزاب السياسية دورا مهما والتي انضمت مبكرا إلى المتظاهرين والمحتجين، في مناطق البلاد، ثم في العاصمة مثل الحزب الديمقراطي التقدمي وحزب التجديد. كما لعب التيار الإسلامي دورا مميزا في مناطق القصرين وجندوبة والكاف وسيدي بوزيد، وبعض المجموعات اليسارية، مثل حزب العمال الشيوعي، والتكتل الوطني الديمقراطي. وأسهمت قيادات الأحزاب القانونية وغير القانونية في دعم التحركات إعلاميا وسياسيا، فيما لعبت المواقع الاجتماعية مثل الفيسبوك دورا حاسما في توفير المادة الإعلامية للفضائيات ووسائل الإعلام.

لقد لعبت الجمعيات الحقوقية والأهلية غير الحكومية دورا مساعدا للنقابات والأحزاب المعارضة وتجلى ذلك بقيام منظمات حقوق الإنسان في تونس وفي الخارج بمواكبة الانتفاضة ونشر معلومات موثقة عن حجم الخسائر البشرية، وبتحفيز القوى العالمية الأهلية والسياسية الرسمية على اتخاذ مواقف حازمة من النظام. ومن هنا فإن من أهم مواصفات المجتمع المدني الحي تعاضد النقابات والأحزاب مع الجمعيات الأهلية.( )

وفي مصر عندما بدأ دور حركات التغيير، التي يطلق عليها الحركات الاحتجاجية، يزداد منذ عام 2005، استهان كثير من السياسيين والمراقبين بها. كان ذلك عندما دعا بعضهم إلى إضراب عام في 6 نيسان (أبريل) 2006، وأسسوا حركة أخذت من ذلك اليوم اسما لها. وقد أسهمت في توفير الأجواء التي خلقت نموذجا جديدا للتغيير في مصر، بعد أقل من خمسة أعوام.

وقد شهدت تلك الفترة تنامي حركات احتجاجية شتى يعتمد معظمها على الشباب، بالرغم من أن بدايتها كانت تقليدية على أيدي سياسيين كانت لهم تجاربهم في أحزاب وحركات سياسية ومنظمات مدنية في الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" التي أعلنت في نهاية عام 2004، وكانت بداية لنمط جديد في العمل العام في مصر، يختلف عن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في شكله وطابعه واتجاهه.

بدأت الانتفاضة في مصر بتحرك مجموعة شبابية (6 أبريل) التي نشأت بتفاعلها مع حركة الإضراب العمالية في المحلة الكبرى. وتحولت عن طريق الشبكات الاجتماعية (الفيسبوك وتويتر) إلى مجموعات متعاضدة، استطاعت باستخدام العالم الافتراضي تعبئة آلاف المتظاهرين من يوم 25 كانون الثاني| يناير 2011، ومن ثم قامت الأحزاب والنقابات المصرية برفع مستوى التعبئة إلى حد التحدث عن مسيرات مليونية في كل من القاهرة والإسكندرية والسويس، وغيرها. وهنا حالة يتعاظم فيها السياسي والحقوقي المدني على حساب الأيديولوجي. لقد ظن الكثير من الأنظمة وبعض المفكرين العرب والغربيين أن الشارع لا يعبئه إلا الإسلام السياسي. لكن أظهرت الحالتان التونسية والمصرية أن الإسلاميين قوى مهمة، ولكن ليست الوحيدة، وأن قوتها تجاوزت تبسيطية شعار "الإسلام هو الحل" لتطرح قضايا الحرية والديمقراطية كمثيلاتها من الأحزاب المعارضة.( )

ولم يتخلف عن تأييد الانتفاضة سوى قيادة المؤسسات الدينية الرسمية، وإن كانت دعوتهم لم تلق تأييدا من جانب المنتمين إليها. حيث انخرط في التظاهرات قيادات أزهرية وكنسية، رغم مواقف قيادتها من الانتفاضة، وتراوح موقف الجماعات السلفية بين تأييد النظام والتزام الصمت.

وعلى مستوى النقابات والاتحادات المهنية والعمالية وغيرها من التنظيمات، فرغم التأييد الواسع النطاق لأعضاء النقابات المهنية للانتفاضة منذ بدايتها، فقد عارض الانتفاضة رؤوساء مجالس بعض النقابات، وأبرزها نقابات المحاميين والصحفيين والفنانين. وتوضح المفارقة بين موقف القيادات النقابية وقاعدتها، حيث جاء بعضها بدعم من النظام، وكذلك بالرغم من اندماج قطاعات عريضة من العمال في الانتفاضة، فقد ظل الاتحاد العام للعمال- بطابعه الحكومي- كما هو متوقع مؤيدا للنظام، لكن قدم العمال إسهاما بارزا تمثل في العصيان المدني الذي عجل بسقوط النظام، وغابت عن تأييد الانتفاضة، الاتحادات الصناعية والغرف التجارية، وانخرط معظم رجال الأعمال في تأييد النظام، وشارك بعضهم في الجرائم التي ارتكبها الحزب الوطني ضد المنتفضين.( ) وهذا يعكس البعد الطبقي لهذه المواقف من الانتفاضة.

لقد ساهمت تلك السمات في نجاح الانتفاضتين حيث هبت العاصفة من داخل العالم الافتراضي على النظام السياسي المتجمد الذي لم يتوقعها. غير أنها سرعان ما تحولت إلى عبء عليها تبدى في بطء حركتها أو عدم جذريتها، ذلك أن الأفكار، مهما كانت جاذبيتها، لا تستطيع سوى أن تلهم وتحفز ولكنها لا تستطيع أن تحكم وأن بناء نظام جديد يظل بحاجة إلى قيادة مباشرة في عالم واقعي وليس افتراضيا، وهي القيادة غير القائمة. ومن ثم كانت مفارقات ما حدث يوم 25 يناير بالذات دفعت البعض للقول بأن ما حدث نصف ثورة لأنها لم تتسلم الحكم والقيادة.( )

أما الانتفاضات والحركات الاحتجاجية التي شهدتها البلدان العربية الأخرى فرغم دوافعها العامة التي تشترك بها مع كل البلدان العربية من حيث تسلط الأنظمة الأستبدادية وغياب الحريات والتداول السلمي للسلطة ونهب الموارد العامة والفساد الإداري والمالي والسياسي والإقصاء والتهميش لكنها امتلكت سمات خاصة. ففي اليمن وبسبب بنية المجتمع حيث يكون للقبيلة حضورا قويا على المستوى الاجتماعي والسياسي وامتداده إلى بنية الجيش إضافة إلى العوامل الدولية والإقليمية المتمثلة بالمبادرة الخليجية التي تهدف لتجنب سقوط النظام على الطريقة التونسية والمصرية خوفا من انتشار ذلك النموذج في دول الجوار أي الخليجية بالتحديد سلكت الانتفاضة مسلكا آخر. وفي البحرين فإن الاحتجاجات بالرغم من جذرها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فقد لبست طابعا طائفيا وهذا ما صب في مصلحة النظام الحاكم حيث استثمر ذلك للتلويح بخطر تمزق المجتمع نتيجة الصراع الطائفي رغم مشاركة الكثير من المكونات الأخرى في التظاهرات منها اليسار ومكونات من السنة وهتاف المتظاهرين "لا سنية ولا شيعية فقط بحرينية".

في الأردن ضمت المسيرات في قلب العاصمة أغلب القوى السياسية المنادية بالإصلاح والفاعلة بالشارع، سواء من الأحزاب مثل حزب الوحدة الشعبية، والحزب الشيوعي، والبعث الاشتراكي، أو من حركة المعارضة الكبرى في البلاد جماعة الإخوان المسلمين، أو القوى المعارضة الجديدة، مثل حركة المعلمين والمتقاعدين العسكريين، والقومي التقدمي، وحركة "جايين" (الحملة الأردنية للتغيير).( ) وقد ارتفع سقف المطالب من إسقاط الحكومة وحل البرلمان إلى رفع شعارات تطالب بملكية دستورية وأحداث تغييرات جوهرية في بنية النظام السياسي وليس شكلية تتمثل بتغيير الحكومات كما حصل في فترات سابقة.

وفي المغرب فقد عرفت حركة 20 فبراير، التي تكونت من ناشطين على الفيسبك ومدونين، نفسها بأنها حركة سلمية مستقلة عن الأحزاب والتنظيمات السياسية والدينية والنقابية في الداخل والخارج، واعتبرت نفسها معبرا تلقائيا عن تطلعات فئات واسعة من المجتمع. وإذا كان الإعلان عن تأسيس الحركة قد قوبل بدعم بعض النخب والأحزاب السياسية والهيئات النقابية والمدنية، مثلما هو الشأن بالنسبة لأحزاب اليسار الديمقراطي وتنظيماتها وجمعياتها الموازية، وفصائل من شبيبة أحزاب الإتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية ونقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وجماعة العدل ولإحسان ذات التوجه الإسلامي، فقد ساد طابع من الحذر والشك والتحفظ مواقف غالبية الأحزاب السياسية، سواء المشاركة في الحكومة أو المعارضة، حيث اعتبرتها شكلا من التقليد لما يحدث في مناطق أخرى.

إن النقاشات التي أعقبت احتجاجات 20 فبراير في المغرب، وما سبقها من تحولات في مناطق عربية أخرى، تنطوي على أهمية كبرى، بالنظر إلى كونها أعادت موضوع الإصلاح والتغيير بقوة إلى الواجهة، وسمحت ببروز أصوات وتصورات نخب كثيرا ما ظلت مغيبة عن النقاش العام، نتيجة التهميش والإقصاء الذي عانته. كما سمحت أيضا بتجاوز طرح النقاشات داخل مجالس النخب السياسية والحزبية أو المثقفة إلى حديث يومي لمختلف فئات ومكونات المجتمع المغربي.( )

يبدو أن التغيير في المغرب يتجه نحو نموذج الإصلاح السياسي التدريجي ويتوقف نجاح هذا النموذج إلى حد بعيد على قبول وتطبيق الإصلاحات الدستورية والسياسية التي استهلت بالاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد الذي أقر بغالبية ساحقة في1 تموز| يوليوز 2011 والذي قاطعته حركة 20 فبراير وبذلك لم يكن بالإمكان معرفة وزنها الجماهيري. وطبقا للدستور الجديد يتم اختيار رئيس الوزراء من الحزب الفائز في الانتخابات ويتمتع بصلاحيات أوسع من السابق بعد أن رحلت بعض من صلاحيات الملك له رغم أن الأخير ظل يتمتع بصلاحيات مهمة. كذلك توسعت صلاحيات البرلمان في التشريع والمراقبة. وفي تقديرنا يعود هذا الاتجاه إلى أن المغرب كان يتمتع بهامشا مهما من الحريات منها حرية التعبير وحرية الصحافة. وبعد الإصلاحات السياسة في بداية التسعينات سيطر تحالف القوى اليسارية الذي تشكل من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي) على البرلمان وشكلوا الحكومة وإلى الآن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أزمة لبنان.. انهيار يهدد بانفجار -الأمن غذائي- | #غرفة_الأخب


.. بايدن يشكل لجنة خبراء لإصلاح المحكمة العليا | #غرفة_الأخبار


.. نشرة الصباح | التحالف: تدمير مسيّرة مفخخة أطلقتها الميليشيات




.. فيديو: هكذا كشفت مصر النقاب عن مدينة الحرفيين التي يفوق عمره


.. السيد فليفل: إثيوبيا فشلت في جميع الجولات السابقة ولا يوجد م