الحوار المتمدن - موبايل


النفط والفدرالية

هاشم نعمة

2012 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


كثيرا ما تم السعي لتطبيق النظام الفدرالي كوسيلة لدمج المكونات السكانية المختلفة في المجتمعات التي تتميز بالتنوع من أجل بناء نظام حكم موحد، وفي نفس الوقت بقاء الهويات الإثنية تتمتع باستقلالها، وقد سعى عدد من المحاولات لتحقيق الوحدة في التنوع في كثير من المجتمعات المتنوعة كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، الهند، البرازيل وعدد كبير من الدول الأخرى. ولم تكن نيجيريا استثناءا من ذلك.

تطور الوحدة في التنوع في الدولة الوطنية من خلال تقوية التماسك السياسي هذا الأمر ليس هدفا سهلا حيث تختلف درجة النجاح من دولة إلى أخرى استنادا إلى ما تتميز به السلطة الداخلية، ومرحلة التطور الاقتصادي وطبيعة القيادة السياسية المنتمية لمكونات المجتمع المختلفة.

تشترك الوحدات السياسية بوظائف ومسؤوليات محددة لكن الصراع الحاسم من أجل الهيمنة على الساحة السياسية يكون مصدرا منتظما للخلاف في أي نظام فدرالي، وأحدى النواحي التي يكون الصراع حولها شديدا هي الناحية المالية حيث تتقرر الأهداف النهائية للسياسية المالية.

في نيجيريا، التمازج التاريخي للظروف الاقتصادية والسياسية خول الحكومة الاتحادية سلطة جمع الجزء الأعظم من إيرادات البلاد وتقسيمها فيما بين إداراتها وبين مختلف المستويات الحكومية. وتشكل عملية انجاز تحويل الإيرادات ما بين الحكومية في النظام الفدرالي النيجيري جوهر هذه الورقة، خصوصا، في ضوء التغيرات السياسية والاقتصادية المعقدة، وتأثير عائدات النفط على التنمية على المستوى الوطني والإقليمي. وقد خلق الاقتصاد القائم على النفط في نيجريا فجوة مالية واضحة بين المناطق المنتجة وغير المنتجة للنفط حيث تمنح إيرادات الدولة من قبل الحكومة الإتحادية ويفرض توظيفها للتنمية والتطور اعباء أساسية على المناطق القليلة المنتجة للنفط التي يجب أن تدعم التنمية دون أن تحصل على منفعة أو رعاية كافية. هذه المسألة تعد أساسية لفهم أن الاحتياجات الدائمة للجنس البشري (كون مجموعة اثنية معينة تشكل أقلية أو أكثرية في نظام سياسي معين مثل نيجيريا) لا يمكن أبدا أن تلبى بتبني فلسفة توزيع الثروة الوطنية استنادا إلى المجموعة (الإثنية) أو التفاوتات الإقليمية (هناك صورة تبدو من عدم المساواة في المواطنة داخل البنية الإثنية للنظام السياسي). فمن المهم بالنسبة لنيجريا وصانعي قرارها السياسي تسخير طاقاتها باتجاه تبني الإنصاف في توزيع الموارد المالية والعمل على وحدة المجموعات الإثنية من أجل مصلحة كل الشعب. في الوقت الذي يسمح فيه بالاختلافات، يجب علينا أيضا أن نمعن النظر من أجل العمل على رعاية بعضنا البعض، خصوصا، رعاية المناطق القليلة المنتجة للنفط. وقد علمنا أحد رؤوساء نيجيريا الأوليين الرئيس اوبافيمي اولو بأن في الفدرالية الحقيقية، يجب أن تعامل كل مجموعة اثنية مهما كانت صغيرة مثل أي مجموعة اثنية كبيرة. إن من الأمور المستعصية على الحل في النظام الفدرالي في نيجيريا هي تعدد الأنماط الإثنية التي تمثل مصالح المجموعات ودورها في ماكنة صنع السياسة الفدرالية حيث لا ينظر إلى توزيع الإيرادات كمهمة اقتصادية، بل كمعركة حول من الذي يحصل على كمية من موارد البلاد. هذا الملمح التنافسي الخاص المتعلق بنظام توزيع الموارد في نيجيريا قد عمل لغير صالح مناطق إنتاج النفط القليلة، رغم مساهمتها الرئيسية في الثروة الوطنية.

الفدرالية المالية في نيجيريا

فيما يخص آلية توزيع الإيرادات في نيجيريا، ذكر اوسثيمر بأن الجانب المالي في النظام الفدرالي ثبت بأنه يشكل مسألة شائكة ويعكس بشكل واضح الرغبة في التمتع بالسلطة من قبل كل منطقة. تاريخيا، أيد النيجيريون من المناطق الغربية والشمالية الأغنى زيادة استخدام آلية الاشتقاق (أي تحديد نسبة معينة من الموارد للمناطق التي تنتج فيها، المترجم). وقد قاوم سياسيو المنطقة الشرقية إلى حد كبير هذا الإتجاه، على الأقل حتى بعد أن تعزز الشكل الدستوري لنيجيريا. لكن فقط بعد الاكتشافات الكبيرة للنفط في المنطقة الشرقية التي بدأت في أواخر الخمسينات من القرن الماضي بدأ الشرقيون يفضلون آلية الاشتقاق. في عام 1953، كانت مبادئ الاشتقاق تستند مائة بالمائة على مبدأ عدم سيطرة القبائل الرئيسية على إنتاج النفط الخام (كانت نسبة 100% من توزيع الإيرادات لكل منطقة تستند إلى الاشتقاق) وخلال فترات ازدهار اقتصاد المحاصيل النقدية، استفادت المناطق الشمالية والغربية بالأخص مما ورد في الدستور الذي ينص بأن أي منطقة تقرر تسليم مواردها سوف تعود لها نسبة 50% من عائدات أي من الضرائب التي تتسلمها الحكومة الإتحادية المتعلقة بأي استخراج للمعادن في تلك المنطقة. تتباهى نيجيريا لتطبيقها النموذج الفدرالي الأمريكي. لكن الجانب المالي في فدرالية نيجيريا يتناقض بشكل حاد مع ما معمول فيه في الولايات المتحدة الأمريكية. إذ تطبق الأخيرة فدرالية مالية تنافسية بشكل أساسي حيث أي شيء يعود إلى دائرة اختصاص الولاية، فيما إذا كان نفط أو أي مصدر آخر يعود لها. الشيء نفسه يطبق في كندا. في نيجيريا، عندما أصبح النفط أكثر الموارد القابلة للنمو في الثروة الوطنية، طرحت مسوغات سياسة تقول بأنه من غير العدل أن تعطى موارد النفط إلى الولايات أو المناطق لتكون لها حصة الأسد في أموال ريع مواردها، حيث ستجعل مثل هذه الأموال الضخمة وبشكل دائم المناطق المحظوظة بالموارد أكثر تطورا على حساب المناطق المبتلاة بالفقر في البلاد. لذلك، تم تبني توزيع العائدات المالية بشكل نسبي. وقد انخفضت النسبة من عام 1954 حتى الآن:عام 1954 (100%)، 1958 (50%)، 1970 (45%)، 1975 (20%)، 1981 (2%)، 1992 (1,5%)، 1994 (3%)، وفي الفترة 1994-1995 رفعت النسبة في مسودة الدستور إلى 13%.

في المجتمع الرأسمالي، سواء كان النظام فدراليا أم لا، فإن الأمر الذي لا يمكن الدفاع عنه ويعتبر مضلا أو مخادعا هو الاصرار بشدة على اقتسام ثروة ولاية أخرى على أي أساس كان بدلا من القواعد التي تسمح بها اللعبة الرأسمالية. في هذا النوع من المجتمع، يحق تماما لكل ولاية الاحتفاظ بأي ثروة تعود لها إما عن طريق ما بذلته من جهد في ايجادها أو عن طريق تنميتها بمهارتها أو براعتها أو أن الثروة تعود لها كونها هبة من دون مساعدة الطبيعة. في الفدرالية الحقيقية، ينبغي تبني مبدأ الاشتقاق في تخصيص الموارد.

من ناحية أخرى، سيعاني النظام الفدرالي في نيجيريا إذا أخذت موارد السنة المالية من النفط أو أي مورد آخر على أساس التفضيل المستمر لمصالح أقلية من دون مراعاة مصالح أقلية أخرى ومن ثم زيادة مخاوف الابتعاد عن تبني العدل والإنصاف لخلق توازن في بنية النظام الفدرالي. من الضروري لصانعي القرار السياسي في نيجيريا، العمل على موازنة حالة عدم المساواة المتأصلة في توزيع الإيرادات بين مستهلكي هذه الإيرادات الرئيسيين (الغالبية مناطق غير منتجة للنفط) ومنتجي الإيرادات (مناطق قليلة منتجة للنفط) على المستوى الفدرالي. حيث تساهم الولايات القليلة المنتجة للنفط بمعظم إيرادات الخزينة الإتحادية. هذا الإجراء قد يقلص عدم المساواة الهيكلية في نظام توزيع الإيرادات الفدرالية لكن من ناحية أخرى، يبدو أن النظام لا يحس بالظروف البيئية والاجتماعية-الاقتصادية في المناطق المنتجة للنفط.

من وجهة النظر العلمية المتعلقة بالتأثيرات البيئية والاجتماعية-الاقتصادية لاستخراج النفط في المناطق النهرية في نيجيريا، يشير انغاي بأنه رغم أن النفط خلق ازدهارا اقتصاديا لكل الدولة، لكنه نتجت عنه مشكلات بيئية واجتماعية-اقتصادية ذلك أن قاطني المناطق الايكولوجية للأراضي النهرية في نيجيريا حيث ينتج النفط يكونون بوضوح أكثر ضحايا الأضرار البيئية والاجتماعية-الاقتصادية الناتجة عن استخراج وانسكاب النفط الذي يجري يوميا في البلاد.

أيضا، بول كولير من منظمة العمل الدولية نورنا بملاحظة تقول بأن ثروة الحلم التي تتمثل بالنفط كانت توزع بشكل غير متساوي. حيث كانت الوضعية الاجتماعية-الاقتصادية للسكان تتقرر بواسطة حصولهم على الأراضي في حين استحوذ استخراج النفط على أجزاء من الأراضي الواسعة التي يعتمد عليها السكان الريفيون. وقد عزز التصدير السريع للنفط فعليا من انخفاض دخل المناطق الريفية؛ ببساطة، كان المرء يتوقع ارتفاع دخل هذه المناطق.

في الحقيقة، المرء ليس لديه خيار سوى الاتفاق مع الناقد الاجتماعي البارز يوسيوفو بالا اسمان الذي يزعم بأن البترو-نايرا (نايرا هي العملة النيجيرية، المترجم) لم يكن ينعم على (المنتجين النيجيريين) بأساسيات الوجود وبدلا من ذلك أصبحت وفرته جزءا من عملية حرمانهم من فوائد ما ينتجونه حيث استمر فقرهم.

الترجمة من كتاب: .Augustine Ikein et al, Oil, Democracy, and The Promise of True Federalism in Nigeria, 2008.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طهران تتهم تل أبيب بالوقوف وراء الهجوم ضد موقع نطنز لتخصيب ا


.. خريف العشاق وعلى صفيح ساخن.. الماضي يصنع الحدث بمسلسلات سوري


.. مشاهد مسلسل #كوفيد25 و #يوسف_الشريف تتصدر التريند | #منصات




.. إطلاق حملة -100 مليون وجبة- في شهر #رمضان من #الإمارات | #من


.. اتجاه عالمي للحد من الانبعاثات ودعم قضايا تغير المناخ