الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نجاح جديد للهند في سباقها على مصادر الطاقة

عبدالله المدني

2005 / 1 / 31
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


في مقال سابق قلنا أن العملاقين الهندي و الصيني ، من أجل تأمين أمنهما الاقتصادي و متطلبات نموهما المتسارع و المدهش، يتنافسان بشراسة على مصادر الطاقة العالمية. و ضربنا مثالا على صحة ما نقول بتنافسهما على الدخول كشركاء في قطاع النفط و الغاز الإيراني عبر صفقات بعشرات البلايين من الدولارات مع طهران ، و تسابقهما على الحصول على حصص مجزية من أسهم شركات الطاقة الروسية المتعثرة.

ويبدو أن هذه المنافسة سوف تنتقل الآن إلى بورما (أو ماينمار) ، البلد المجاور جغرافيا لكليهما والذي يحتفظ باحتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي. فقد نجحت نيودلهي مؤخرا في عقد اتفاق مبدئي مع حكومة رانجون من جهة و مع حكومة دكا من جهة أخرى لبناء خط لأنابيب الغاز بتكلفة تزيد على البليون دولار يربط ما بين حقل شوي البحري في إقليم أراكان البورمي (حيث توجد احتياطيات من الغاز تتراوح ما بين 15-20 تريليون قدم مكعب وتقوم شركات كورية جنوبية و هندية باستغلاله بحصة 70 بالمئة للأولى و 30 بالمئة للثانية) و كلكتا في ولاية البنغال الغربية الهندية مرورا بأراضي بنغلاديش وولايتي ميزورام و تريبورا الهنديتين.

وينظر المراقبون إلى هذه الاتفاقية التي لا تزال بحاجة إلى صياغة نهائية على انه انتصار للهند و للتعاون الإقليمي في جنوب آسيا. ذلك أن الصفقة تأخرت طويلا بسبب رفض حكومة دكا السماح للخط بالمرور في أراضيها رغم مردوده الاقتصادي الكبير على بنغلاديش ، وذلك بسبب العلاقات الهندية-البنغلاديشية الباردة و ما يعتريها من شكوك ناجمة عن ملفات شائكة عديدة.

فعلى الرغم من أن بنغلاديش مدينة للهند في قيامها ككيان مستقل في عام 1971 ، إلا أن علاقاتها مع جارتها الهندية منذ ذلك الحين ظلت متأرجحة و غير مستقرة و تفتقر إلى الثقة لأسباب تاريخية ناهيك عن خلافاتهما حول مسائل الهجرة غير المشروعة عبر الحدود المشتركة و تجارة المخدرات و دعم الحركات الانفصالية في شمال شرق الهند و تقسيم مصادر المياه و غير ذلك. و قد أضيفت إليها مؤخرا استياء دلهي مما تعتبره توافقا و انسجاما ما بين سياسات بنغلاديش و باكستان الإقليمية وذلك في أعقاب وصول حزب بنغلاديش الوطني بقيادة رئيسة الحكومة خالدة ضياء إلى الحكم قبل ثلاثة أعوام عبر التحالف مع الجماعات الإسلامية ذات الروابط الأيديولوجية مع مثيلاتها في باكستان واستغلال هذه الجماعات لمواقعها الرسمية الجديدة في إضفاء طابع متشدد على توجهات البلاد الداخلية و الخارجية بما في ذلك معاداة الهند و استهداف أبناء الطوائف غير الإسلامية.

و إذا كان التطور الراهن مؤشر على وجود تبدل في السياسة الخارجية لبنغلاديش، هي التي لم تسمح قط منذ قيامها لأي دولة باستخدام أراضيها لأي غرض ، فان هذا التطور لم يحدث مجانا وإنما بمقابل. إذ يبدو انه جاء بعد تأكيدات هندية بأن نيودلهي سوف تلبي كل أو بعض مطالب دكا القديمة المتجددة. وهكذا يتوقع أن تحصل دكا ليس على رسوم قد تصل إلى 125 مليون دولار سنويا من جراء مرور خط الغاز في أراضيها فحسب وإنما تحصل أيضا على تسهيلات تتمثل بسماح الهنود لتجارتها البرية مع النيبال و بوتان بالمرور عبر أراضيهم و حصولها من هاتين المملكتين على الطاقة الهيدروليكية عبر الهند أيضا.

ولا يستبعد أن تثير الاتفاقية ردود أفعال من قبل بكين في صورة اندفاعات اكبر نحو تعزيز نفوذها القوي في بورما و الذي تعاظم منذ مطلع التسعينات من القرن المنصرم. فهذه البلاد التي فرضت على نفسها عزلة اختيارية طويلة بسبب نظامها الديكتاتوري و سياساتها الاشتراكية المتخبطة ، من بعد أن كانت في الخمسينات شعلة من الحركة و النشاط الدبلوماسي باسم العالم الثالث و نموذجا واعدا للديمقراطية و التنمية المدروسة، وقعت مجددا تحت عزلة مريرة قادتها هذه المرة الولايات المتحدة و دول أوروبا بسبب ممارسات نظامها العسكري الرعناء ضد أنصار الديمقراطية و نشطاء حقوق الإنسان. و كنتيجة لهذه العزلة لم يجد حكام رانجون أمامهم من يمكن أن يمدهم بأسباب الحياة سوى الصين التي وجدت في ذلك فرصة ذهبية لمد نفوذها إلى المحيط الهندي. و هكذا أغدقت بكين المساعدات الاقتصادية و العسكرية على بورما و ساهمت في تحديث بنيتها التحتية و تنشيط تجارتها ، لتحصل مقابل ذلك على قواعد و تسهيلات عسكرية في الموانيء البورمية على خليج البنغال و المواجهة لسواحل الهند الشرقية ، بما في ذلك إقامة مراكز للرصد و التجسس في جزيرة كوكو البورمية القريبة من جزر أندمان و نيكوبار الهندية.

هذا النفوذ الصيني غير المسبوق في بورما قرع أجراس الخطر في الهند ، مما حدا بصناع القرار في نيودلهي إلى التخلي عن سياستهم السابقة بالابتعاد عن جارتهم البورمية كنوع من الامتعاض و التنديد لممارسات نظامها الرعناء ، و استبدالها بسياسات تقوم على الانفتاح على رانجون و بناء نفوذ فيها كيلا تبقى الساحة متروكة للصينيين وحدهم. من جانبه رحب النظام البورمي العسكري بالتوجه الهندي الجديد ، لا سيما وانه كان يبحث عن مكاسب اكبر من تلك التي كانت توفرها لها الصين. وهكذا شهدت سنوات التسعينيات و ما بعدها تعاونا هنديا بورميا مضطردا شمل تبادل الزيارات بين كبار المسئولين و تنشيط التجارة البينية و تقديم نيودلهي قروضا مالية لجارتها لتمويل مشترياتها من السلع الهندية (مثل قرض بمبلغ 15 مليون دولار لشراء معدات صناعية و كهربائية و قرض آخر بمبلغ 10 ملايين دولار لإقامة مشاريع صناعية و تحديث شبكة السكك الحديدية) ، ناهيك عن مساهمة الهنود في تطوير حقول النفط و الغاز البورمية و بناء شبكات الطرق(مثل طريق الصداقة الرابط ما بين شمال شرق الهند و مدينة كاليوا البورمية بطول 160 كيلومترا و بكلفة 30 مليون دولار) و إنشاء مراكز تحليل المعلومات و التنبؤات الجوية و الأبحاث البيئية و تطوير المحاصيل الزراعية.

هذا الاندفاع الهندي نحو بورما من بعد طول إهمال أحدث استياء في صفوف أنصار الحركة الديمقراطية البورمية بقيادة السيدة اونغ سان سوتشي الذين عبروا عن صدمتهم و هم يرون كبرى ديمقراطيات العالم تساعد في إطالة عمر نظام ديكتاتوري شرس في الوقت الذي كان من المفترض فيه على الأقل أن تنبذه و تشدد الخناق عليه . ونسي هؤلاء أن سياسات الدول الخارجية في النهاية تتغلب فيها المصلحة الوطنية على المباديء.

وبالمثل أحدث تزايد التعاون ما بين نيودلهي ورانجون في عهد حكومة بهاراتيا جاناتا استياء داخل البرلمان الهندي و في بعض الأوساط الصحفية و الأكاديمية المحلية التي رأت في سياسات الحكومة ازدواجية واضحة ، في إشارة إلى رفض الأخيرة التفاوض مع باكستان بحجة خضوعها لنظام عسكري ديكتاتوري ، وتعاملها في الوقت نفسه مع نظام مماثل في بورما. بل وصل الاستياء إلى داخل الحكومة نفسها بدليل ابتعاد وزير الدفاع الهندي جورج فيرنانديز المعروف بدعمه لحركة الديمقراطية في بورما عن المشاركة في محادثات أجراها نائب رئيس الطغمة العسكرية الحاكمة في رانجون الجنرال مونغ آيه مع المسئولين الهنود في نوفمبر 2000 .

وقد ردت الحكومة الهندية على المعارضين بالقول أنها رأت أن احتواء النظام البورمي بالانفتاح عليه أكثر جدوى من مقاطعته ، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن هذا الانفتاح سهل عملية التصدي المشترك للجماعات الانفصالية على جانبي الحدود و عملية مكافحة تجارة المخدرات عبر تلك الحدود ، وهو ما كان مستحيلا في ظل الظروف السابقة.

و من المتوقع أن تثير الصفقة الهندية-البورمية الأخيرة حول خط أنابيب الغاز مخاوف جديدة لدى نشطاء الديمقراطية و حقوق الإنسان البورميين و الأجانب من احتمالات أن تستخدم حكومة رانجون قبضتها الحديدية في التشغيل القسري و العنيف للعمالة البورمية من اجل إنشاء الخط ، لا سيما وان هناك سابقة على هذا الصعيد. حيث ثبت أن سكان 14 قرية بورمية اجبروا في التسعينات على العمل دون إرادتهم ووسط ظروف بالغة القسوة بهدف إتمام أعمال مد خط أنابيب يادانا للغاز الشبيه بالخط الجديد المقترح.

د. عبدالله المدني
*باحث أكاديمي و خبير في الشئون الآسيوية
تاريخ المادة: 29 يناير 2005
البريد الالكتروني: [email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الانتخابات التشريعية في بريطانيا.. هل باتت أيام ريشي سوناك م


.. نحو ذكاء اصطناعي من نوع جديد؟ باحثون صينيون يبتكرون روبوت بج




.. رياضيو تونس.. تركيز وتدريب وتوتر استعدادا لألعاب باريس الأول


.. حزب الله: حرب الجنوب تنتهي مع إعلان وقف تام لإطلاق النار في




.. كيف جرت عملية اغتيال القائد في حزب الله اللبناني؟