الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قصة قصيرة : مندوب وزارة الصحة

محمد بقوح

2012 / 5 / 22
الادب والفن


هذا الجبل القاسي ملعون. المنازل الحجرية، تبدو كأعشاش الطيور، من هنا. بيضاء اللون و منقطة بنوافذ. الكل في هذا المكان المنسي، مولع بالمراقبة. خاصة مراقبة الغريب، و الأشخاص الجدد. كل من وطأت قدماه قرية أيت لحسن، يجب أن يعرف أصله و فصله. عند من نزل، و لماذا، و ما علاقته بمضيفه، و كم من الوقت سيقضي عنده..؟ و بعد ضبط جميع هذه الإجابات و التفاصيل، و التحقق منها، تهتم مجموعة المراقبة بالبحث، عن نوع آخر من القضايا و الأسئلة. حتى و إن كانت هذه المرة أسئلة شخصية. مثل ما نوع الأطعمة، التي يأكلها الضيف المعني؟ و كيف يتعامل مع أشجار أرضهم، و مع حيوانها؟ هل ارتاح حين جاء، أم تراه غير مرتاح ؟ و بالتالي، فهو ينتظر بشوق أن يرحل من أرضهم.. لكن هذا الأمر، لكي يقتنعوا به كل الاقتناع، يجب على حاملي هذا الرأي أو الحكم، أن تكون لديهم أدلة دامغة تثبت ذلك. لأن جماعة أيت لحسن، تعتبر من الجماعات المتعصبة، فيما يخص هذا الموضوع. يتعمدون فرض نوع من العقوبة القاسية، التي هي العزلة الكلية، و التجاهل التام، لضيفهم، حين يقتنعون، بشكل أكيد، بأنه يحمل في نفسه رفضا، لنمط الحياة السائد في أرضهم.. و بين ذويهم و أشجارهم و حقولهم و دوابهم. يجعلنوه منفيا بالمرة، رغم وجوده، كضيف لدى فرد عزيز منهم. يصبح في رمشة عين عدوهم اللدود. أساليبهم وقحة، و لها صلة وطيدة بأساليب الثعالب الماكرة. يتحولون كلهم إلى رجل شرير واحد، لتكون ضربتهم قوية و قاضية، إلى أقصى الحدود. إنه الهجوم الأعنف، ضد المواقف المختلفة و الرافضة لموقفهم. هم لا يؤمنون بالاختلاف. و لا يعترفون إلا بلغة النسخ و التكرار و التقليد..، و التماثل و الانسجام و التفاعل و التشابه.. يتكلمون بنفس الطريقة. كبيرا و صغيرا و شيخا و امرأة و فتاة. الجميع هنا كأسنان المشط. و تكمن قوتهم، في اتفاقهم بالإجماع، حول رأي أو موقف، مهما كانت طبيعته. أذكر مثلا، اليوم الذي استقبلوا فيه مندوب وزارة الصحة، بحفاوة قل نظيرها، و كيف عاقبوه في نفس اليوم.. دون تأخير.
اطمأن المندوب. فاعتقد، واهما، أنهم نسوا، حين اجتمعوا أمام مقر المندوبية، قبل ثلاث سنوات، احتجاجا على تماطل وزارته، في شأن تعيين طبيب إلى منطقتهم النائية.
خرج عليهم، أنذاك، السيد المندوب الصحي، ليبشرهم أن وزارته مهتمة بموضوعهم، و ستعمل على الاستجابة لطلبهم المعقول، و المستعجل في الأجل القريب.. فقط سيعود الوزير من الطايوان في مهمة رسمية. و ( سأسهر شخصيا على هذا الملف ). صفق بعض الحاضرين، و صمت البعض الآخر. تراجعوا، و عادوا إلى جبلهم النائي، يفكرون في كلام المندوب الصحي، داخل شاحنة الحاج علي.. المحشوة بأكياس الطحين و قنينات الغاز الكبيرة و الصغيرة.. و بالكثير من ركاب أبناء المنطقة، بالإضافة إلى ديكين، و نعزة مشدودة من قرنيها إلى قضيب فلادي مطروح في أرضية الشاحنة.
انتظروا تعيين الطبيب في منطقتهم. فلم يروا لا طبيبا، و لا ممرضا، و لا هم يحزنون.. فقط عدد الخنازير هو الذي تزايد، في حقولهم الزراعية. و تفاقمت معه خسائره التي لا تحصى. كما ارتفعت عضات الثعابين، و قرصات العقارب لصبيان و أطفال و نساء المنطقة، دون أن يجدوا جهة، تحمي حياتهم من الموت، الذي يتربّص بهم، أينما حلوا و ارتحلوا، لولا عقاقير و أعشاب و لعاب مولاي سدي عبل، الذي قيل أيضا، أنه يعالج الممسوسين أو المسكونين بالجن الأسود.

مرت أكثر من ثلاث سنوات، على ذلك الخطاب.. خطاب مندوب الدولة في الصحة، الذي قاله و أتحفهم فيه بكلمات رنانة أمامهم، قرب بناية مندوبية الصحة في المدينة. ماتزال الأمور كما هي. حتى الممرض الوحيد المسمى صالح، و الذي يوجد في منطقة مكتظة بالسكان، أصبح يهذي في الكثير من الأحيان. قيل أنه لم يعد طبيعيا، هو الآخر يحتاج إلى طبيب. بسبب إدمانه على استعمال المخدرات.
شاءت الظروف أو الضرورة، لست أدري، أن يزور هذا المندوب منطقتهم الجبلية، في ربيع سنة من سنوات الخير. فردوا له الصاع صاعين. أهل الجبل، تحولوا إلى جِمالا، لم ينسوا فعلة المندوب. ما أشبه ذاكرة الجبل بذاكرة الجمل. حتى من حيث بنية العبارة الدالة على معناهما العميق.

بعد الترحيب و الاحتفاء بضيفهم الكريم. و كأن الأمور بخير، دخل الجميع إلى خيمة نصبت، لغاية تناول وجبة الغذاء، على شرف حضور السيد المندوب الإقليمي لوزارة الصحة، إلى منطقتهم الجبلية البسيطة و النائية. لكن، ماذا حدث، بعد ذلك ؟

اختفى أهالي المنطقة، بشكل مفاجئ. و كأن الأرض ابتلعتهم. بقي السيد المندوب مع ثلاثة أشخاص، هم سائقه و نائبه و شيخ منطقة أيت لحسن. كانوا برفقته، داخل الخيمة الواسعة جدا. جلسوا لوحدهم، إلى مائدة تقليدية الشكل، يتوسطها عمود سامق جدا. حتى شيخ المنطقة، الذي انتبه، بفعل فطنته، و حدسه القبلي، إلى شيء غير طبيعي سيحدث. لم يفهم ماذا وقع. أو أنه تصنع عدم الفهم. أخذ يذهب و يجيء، كالتائه بين كثبان رملية عاصفة. في الأخير، و بعد انتظار طويل، تقدم الشيخ حسن، حاملا (طاجينا) كبيرا، بين يديه المرتعشتين. و كأنه يحمل لغما. وضعه ببطء شديد على المائدة الخشبية. ثم تراجع إلى الخلف، و عاد إلى خارج الخيمة. بعدها جاء بالخبز. جلس إلى جوار السيد المندوب. رفع غطاء الطاجين الكبير. بدت بداخله بيضتين، و جزرة واحدة، تسبحان في زيت العود. فقال لهما: بسم الله. ثم أكلوا جميعا ما تيسر. فكانت تلك الحادثة، بمثابة الضربة القاضية، لما تبقى من العمر المهني، لهذا النمدوب الصحي المسكين. لأنه، بعد تلك الزيارة المشؤومة بقليل، قيل أنه أصيب بمرض خبيث، ذهب بعقله أولا، ثم عجل بوفاته أخيرا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سامر أبو طالب: خايف من تجربة الغناء حاليا.. ولحنت لعمرو دياب


.. فيديو يوثق اعتداء مغني الراب الأميركي ديدي على صديقته في فند




.. فيديو يُظهر اعتداء مغني الراب شون كومز جسديًا على صديقته في


.. حفيد طه حسين في حوار خاص يكشف أسرار جديدة في حياة عميد الأد




.. فنان إيطالي يقف دقيقة صمت خلال حفله دعما لفلسطين