الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


منافقون وحكّام

أحمد الجنديل

2012 / 6 / 6
حقوق الانسان


على مرّ العصور ، والشعوب تبني مستقبلها بعرق جبينها وعقول مفكريها ، وسواعد أبنائها ، متلاحمة مع حكوماتها تارة ، ومختلفة معها أخرى ، لكن مسيرة التقدم لا تتوقف ، وعجلة الزمن لا تسير إلى الوراء .
أستثني من هذه القاعدة بعض الشعوب وبعض الحكومات ، وأستثني من هذا البعض شعبي وحكومتي وعلى مرّ العصور والأزمان .
بالأمس ، كانت دماؤنا تغذي مواقد الخليفة ، ومعارك السلطان ، ونزوات صاحب السمو ، وكنـّا نتسارع إلى موتنا على قرع طبول المنتصر بالله ، وأناشيد جلاوزته وهم يعدونا بالفرج القريب ، وكلما يغادر خليفة مخلفا وراءه بحورا من الدم ، وعالما من الخراب ، يخرج لنا خليفة آخر بطبول جديدة وجلاوزة يشتمون كلّ أصحاب الجلالة الذين حكمونا قبله ، ويعيدوا على مسامعنا نشيد ( لاحت رؤوس الحراب ) ويزفـّون لنا بشرى النصر المؤزر .
وكنـّا في كل مرحلة نرى جموع الفقراء والمحرومين ، يدقـّون أبواب الخليفة ويعرضون على أبوابه الواسعة نثار ذلهم وبؤسهم ، ولا يجدون غير وعاظ الملك المبجل ومستشارو الخليفة في انتظارهم ، يرشّون على رؤوسهم بركات ظل الله في الأرض ، وحامي حمى المسلمين ، بعدها يهبّ جند راعي الرعية ليحشوا مؤخراتهم هؤلاء المساكين بالخوازيق ، ويلفـّوا على رقابهم الحبال ، ويطعموا لحومهم قضبان الزنزانات المظلمة .
وكلما يرحل أمير ، نكتشف إننا ضحية في مسلسل الخداع الذي ذهب به آباؤنا وأجدادنا عبر صفحات تاريخنا المجيد .
ومع تقدم الزمن ، تطورت أساليب المكر والكذب لدى الحكومات ، وتطورت أساليب النفاق لدى الشعوب ، وأصبحت العلاقة بينهما قائمة على جدلية المنافع والمصالح ، فالحاكم يحتاج إلى مَنْ يقرع له الطبول ، ويقشّر جلد يديه بالتصفيق لمقامه الرفيع ، وشريحة منافقة تحتاج إلى عطايا وهبات الحاكم لكي تعيش في رخاء .
كما أفرزت هذه المسيرة المباركة الرائدة سلوكا مزدوجا لدى الحاكم ، يتلخص في خطابين متنافرين ، الأول يتمثل في الهتاف باسم الشعب والوطن والدين ، ورفع راية الكفاح والنضال من أجل الفقراء والمضطهدين للضحك على ذقونهم ، والثاني يتمثل في نهب أموال العباد والبلاد ، وقطع ألسنة ورقاب المشاغبين الذين يحلمون في حياة هانئة مستقرة ، ونتيجة لهذا السلوك خرج إلى الوجود جيل من المنافقين ، يعرف كيف ومتى ينشر بيارقه وهتافاته ، وكيف ومتى يخفيها !!؟ وكيف ومتى يتخلص من الولاء الكاذب للسلطان الراحل ليخلق ولاء كاذبا جديدا للسلطان القادم !!؟، حتى أصبح من الصعب أن تعرف كم من الوجوه يحمل كلّ واحد منهم ، وأصبحوا حملة الرايات في كلّ المآتم والأعياد ، وغذاء الانقلابات الدموية التي يضجّ بها هذا البلد المنكوب ، ومشاريع ناضجة للفتنة وعلى الدوام ، والوجوه المستنسخة في جميع الفصول والأدوار والأزمنة ، فهم أمويون بامتياز ، وعباسيون باقتدار ، وعثمانيون بكفاءة ، وقوميون حدّ النخاع ، ووطنيون حدّ العظم ، وإسلاميون بطريقة تخجل الكفرة الملحدين ، ويساريون هرب اليسار من صراخهم ، ويمينيون لم يلتفت اليمين إليهم ، وليبراليون لم يميزوا بين رائحة النفط ورائحة الخروّع .
ومع شدةّ الصراع ، وتعقيدات المرحلة ، وتشابك الأوراق والألوان ، أصبح الحاكم لا يميّز بين رأس الثور ورأس الضفدعة ، وأصبح شغله الشاغل ينحصر في الحفاظ على العرش الذي يتنعم بسحره ، وأصبح المنافقون لا همّ لهم سوى إرضاء الخليفة وكسب المزيد من مكرماته وعطاياه ، وتحولت المسيرة الظافرة برمتها إلى حيّة أم راسين ، همّها أن تتبختر بين أدغال حياتنا لتثير الفزع والهلع في نفوس الفقراء ، وما بين رأسي الحيّة ، ظلّت عجلة الحياة متوقفة ، حيث لا وقود يحركها غير أكداس الشعارات التي لا تحرك نملة في جوف الأرض .
إلى اللقاء .
[email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أوروبا : ما الخط الفاصل بين تمجيد الإرهاب و حرية التعبير و ا


.. الأمم المتحدة: دمار غزة لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية ا




.. طلاب جامعة ييل الأمريكية يتظاهرون أمام منزل رئيس الجامعة


.. مقتل عدنان البرش أحد أشهر أطباء غزة نتيجة التعذيب بسجون إسرا




.. كم عدد المعتقلين في احتجاجات الجامعات الأميركية؟