الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشعب العربي الإسلامي يلقن دروسا في علم السياسة.

الحايل عبد الفتاح

2012 / 6 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


الشعب العربي الإسلامي يلقن دروسا في علم السياسة.
هذا المقال موجه لكل من يؤمن بأن علم السياسة ملك للجميع. وهو موجه أساسا إلى من يعتبر نفسه من المتخصصين في علماء السياسة والسياسيين والمنظرين في دواليب السياسة.
فعلا، علم السياسة، سواء الوطني أو الدولي، يستمد قواعده من الواقع السياسي المعاش عبر التجربة المستوحاة من الوقائع داخل الزمان والمكان ومن الأنظمة على اختلافها...والعالم العربي الإسلامي اليوم، لا كما كان من قبل، اصبح يعطي دروسا ذات قيمة في علم السياسة بتجاربه الفريدة والغريبة بل الصادمة أحيانا. والسب في هذا العطاء المتميز هو الواقع السياسي الغريب والفريد داخل النظم السياسية القائمة بهذه الدول.
فعلم السياسة ظل لعدة عقود منكمشا ومنغلقا على نفسه كعلم قائم بذاته. فهو، فعلا، كان يستخلص العبر والقواعد والمبادئ من التجربة الأوروبية أو الأمريكية أو أبحاث المنظرين الغربيين. بل ثقافة علم السياسة كانت غربية بالدرجة الأولى. ومن ثم كان علم السياسة حكرا على الأوروبيين وأمريكان.
لكن الشعب العربي الإسلامي أتبث مؤخرا بعد تضحيات، ضخمة، وبثوراته العظيمة، قدراته وجدارته واستحقاقه أن هناك تقصير عميق في فهم السياسة الوطنية والدولية. أصبح يعطي للعالم جمعاء دروسا في السياسة، ويلقن للنظم على اختلافها عبر التاريخ، أن علم السياسة أوسع مما كان يعتقده العديد من المتخصصين في السياسة وعالمها المعقد.
فالعالم العربي الإسلامي أصبح يوفر للخزانة العالمية ثقافة ومعلومات ثمينة القيمة. وأصبح السياسيون وعلماء السياسة في كل بقاع العالم يفهمون أن منابع أو مصادر علم السياسة لا ينحصر في تاريخ أوروبا أو أمريكا بل يتعدى ذلك إلى العالم العربي الإسلامي وغيره من المجتمعات. فالشعب العربي الإسلامي بثوراته الربيعية سيجعل علم السياسة يتراجع عن العديد من مبادئه التقليدية المتواترة. ومن ثم أصبح يلح على الغربيين في مراجعة قواعدهم السياسية.
كيف ولماذا هذه الأحكام الجاهزة ؟
فعلا، العلوم السياسية أصبحت مادة تنتعش من التجربة العربية الإسلامية، بل أصبح العالم العربي حقل تجارب لعلم السياسة والسياسيين عبر العالم. و الأمثلة كثيرة لفهم هذا المعطى المهم ومراجعة العديد من الأفكار السياسية.
مثالنا نستقيه من الثورة العربية الإسلامية الحالية. ومفاذ هذا المثال أن الأحزاب الإسلامية أصبح لها وجود طبيعي بعد أن كانت محظورة وممنوعة في النسق الفكري السياسي داخل الأنظمة العربية والدولية. فغدت أحزابا شرعية وذات مصداقية كغيرها من الأحزاب. فقد كانت العديد من الأحزاب، المسمية لنفسها، إسلامية أو شبه إسلامية، ممنوعة الدخول في اللعبة السياسية الوطنية والدولية. وسبب هذا المنع نابع من سوء الفهم الذي كان قائما بين هذه الأحزاب والأنظمة القائمة.
فالأحزاب السياسية الإسلامية لم تكن تستعمل لغة العصر ولا تعترف بكثير من المبادئ العقلية في إطار ما نسميه الآن حقوق الإنسان. بل كان حوارها صلدا وآرائها جامدة وانتقاداتها لاذعة ولغتها تقليدية داخل الأنظمة القائمة. وزاد في تلطيخ صورها قلة تجربتها وتعاملها مع الواقع السياسي القائم. فكان حسن أو سوء نيتها لا يعتبر. بل أن الأنظمة القائمة عملت كل ما في وسعها لتجاهلها ثم منعها ثم محاربتها بذريعة المس بالأمن العام أو بالنظام العام أو المس بحرية التعبير... وفعلا، كانت الحركة إسلامية السياسية لا تعرف إستراتيجية التموقع في الشرعية. فهي كانت تقاطع كل ما يقترحه النظام القائم وترى فيه استبدادا أو مسا بحقوق المواطنين...
ومن ثم زج بالعديد من المناضلين السياسيين من الحركة الإسلامية في السجون بل قتل بعضهم تقتيلا لا إنسانيا لإخراسه وتحت دريعة حماية المصلحة العامة للوطن والمواطنين.
وهناك أمثلة كثيرة علىذلك : السيد قطب، حسن البنا...
بل انتهى الأمر إلى اتهامها بتحريك زوبعة الإرهاب على اختلاف أنواعه وأشكاله.
لكن، الجيل الجديد لأواخر التسعينيات من القرن الماضي، أو ما يسمى بالجناح المعتدل من الحركة الإسلامية، دشن طريق جديدة في التعامل مع الأنظمة القائمة المستبدة أو العاجزة... بل أصبح في هذه الفترة من الضروري الإعتراف بالنظام القائم قبل دخول الحركة الإسلامية في اللعبة السياسية والشرعية السياسية.
ومن ثم أصبحت الأنظمة القائمة، سواء الشرعية أو غير الشرعية، تعترف لهذه الحركات بوجودها باحتراز وتحفظ. ومن ثم ظهرت أحزاب سياسية إسلامية تتصف، في نظر النظم القائمة، بالمعتدلة...وكان الطريق صعب التجاوز داخل هذه التيارات المعتدلة، بل خلق انشقاقات في صفوف الحركة الإسلامية نفسها...وظهرت الإتهامات الجاهزة...والحرب داخل الحركة الإسلامية نفسها.
ومن ثم أصبحت النظم القائمة، عسكرية أو مدنية، تميز بين المتطرفين والمعتدلين وبين الأرتدكسيين والإرهابيين. فمصلحتها كانت تفرض هذا النوع من الترصد والتمييز بين الحركات الإسلامية.
الحركة الإسلامية المتشددة مقتنعة بصدق ومصداقية مبادئها، أخرجت من صلبها ما يسمى بالجهادية المتطرفة. فأصبح لهذه الأخيرة سلاح الإرهاب والسلاح مخرجها من القمع. وهكذا اشتد النزاع والتصادم وسوء الفهم. فتجند كلا الطرفين للتصدي لخصمه التقليدي أو الجديد بكل الطرق ولو كانت على حساب الشعب والديمقراطية.
واستمر الوضع على ما هو عليه إلى حدود بداية القرن الواحد والعشرين...حين أصبحت الأحزاب الإسلامية تعترف بشرعية النظم القائمة، أصبحت هذه الأنظمة متيقنة من حسن ظن هذه الأحزاب.
ولا يغيب عن أللأذهان أن الغرب بإمكانياته الهائلة كان يمول الأنظمة القائمة ويحارب بشدة هو الآخر كل ما له علاقة بالتطرف أو التشدد الديني. بل كانت تمنح إعانان مالية لكل قضية إرهابية أو شبه إرهابية. فاصبحت تحارب الإرهاب في كل مقال ومقام. ومن ثم ظهرت بالدول الغربية عدة قوانين تمنع الحجاب والبوركة والنقاب وغيرها من الممارسات الدينية التي ترى فيها تطرفا...خاصة أن الدول الغربية أصبحت تحتضن في مجتمعاتها أفرادا متحدرين من العالم الإسلامي العربي.
فاصبح للتطرف الإسلامي عدوان : النظم الوطنية القائمة والنظم الدولية المناوئة لهذه الأخيرة...وهذا يعني في الفكر المتطرف أن الدول الغربية متواطئة مع النظم القمعية للحركة الإسلامية...
وكانت النتيجة الحتمية هو الجرائم الدولية. وكان إجرام 11 شتنبر 2001 هو النقطة الفاصلة بين الفهم الصحيح لما يطرأ بالعالم...رد فعل تلقائي همجي لا إنساني.
وتعمق سوء الفهم بين الفكر المتطرف الإسلامي وفكرة الديمقراطية الغربية، إلى درجة أن كلا الطرفين ( المتطرفين المسلمين والدول الغربية ) أصبحا متطرفين أكثر مما مضى بوسائلهم الخفية.
أما الشعب فهو الذي كان يقاسي ردود فعل كلا الطرفين. أصبح يعاني من التطرف في كل اتجاه أو اختيار. ضاعت قضيته بين سوء الفهم وسوء التدبير.
تخيلو معي لو كان بالإمكان أن يجلس الرئيس الأمريكي بوش مع السيد بلادن. تخيلو معي لو كان ممكنا أن يقنع أحدهما الآخر بصدق هدفه ومحتوى إديلوجيته وفهمه. مع هذين التخلان : هل كان من الممكن أن يتصرف كل واحد كما تصرف في ماضيه؟
كلاهما أخطأ الفهم لأفكار الآخر ومقاصد تحركاته وحركته. كلاهما كانا يتحكمان في مصير أبرياء قتلوا بدون معرفة كنه سوء التفاهم بين بلادن والإدارة الأمريكية.
وكلاهما ساهما في خلق سوء التفاهم. كلاهما تشبث بموقفه من التطرف وفهمه له.
وسيستمر سوء الفهم لنظرة الآخر ولمصالحه وطريقة استخلاصها...
لكن الغرب والأنظمة العربية الإسلامية ستنتبه في الآونة الأخيرة بأن الأحزاب المتمسكة أكثر بالدين في فهم السياسة ليست أقل ديمقراطية من الأحزاب الأخرى، وأن بإمكان هذه الأحزاب المبنية على الدين أن تساهم ( شاءت أم رفضت) في الحوار الديمقراطي؛ بل أنها في الآونة الأخيرة أصبحت الوسيلة الوحيدة لضمان الاستقرار داخل الأنظمة العربية الإسلامية...
هذا مثال من بعض الدروس التي تضاف إلى الثقافة السياسية بالعالم العربي الإسلامي خاصة وعلم السياسة عامة...ولإننا مقتنعون بأن الثورات العربية الإسلامية سيكون لها رصيد مهم في إغناء خزانة علم السياسة الوطني والدولي وعلوم أخرى...
فالتجربة السياسية بالعالم العربي الإسلامي أتبتت أن الواقع لا يدار ولا يحسم فقط بالقرارات السياسية. فالقرار السياسي قد يرى فيه السياسي مصلحته اليوم ويتنكر له في الغد. القرار السياسي هو الظلام الذي لا نعرف عقباه في المستقبل. قد يفي بالهدف الذي قرر من أجله أو قد يصبح مقصلة لمقرره. فأي قرار يتخده السياسي من أي اتجاه أو إديلوجية كان فهو قرار لا يمكن التكهن بنتائجه...
ففي علم السياسة يضن البعض أن مصداقية قرار ما تصلح لحالة أو حالات أخرى. لكن التجربة أتبثت أن أغلب القرارات السياسية لحد الآن كانت فاشلة ومخيبة لأمل الشعوب المقهورة والمستبد بها...بل أن عدة قرارات سياسية انقلبت على مقرريها بعد مضي فترة من الزمن.
فليعلم كل مقرر سياسي أن اتخاذ أي قرار سياسي لابد فيه من معرفة قرار الشعب بعد تنويره وإفهامه...فالشعب لا يضره تحمل قرار، لأن له من القوة ما هو أشد من فعل القرار.
فعلي أي مقرر سياسي أن يعي أن نجاح اي قرار سياسي هو رهين بموقف الشعب. فحين يقتنع الشعب بفكرة فهو يؤيدها بكل الطرق، وحين يرفض قرارا فهو يتصدى له بكل الطرق عاجلا أم آجلا...لأن الشعب يهتدي بالواقع أما السياسي فيهتدي بالممكن من الإحتمالات...

الحايل عبد الفتاح








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تونس: الرئيس يجري تعديلا وزاريا مفاجئا ويقيل وزيري الداخلية


.. ما إجمالي حجم خسائر إسرائيل منذ بداية الحرب على قطاع غزة؟




.. بعد فشله بتحرير المحتجزين.. هل يصر نتيناهو على استمرار الحرب


.. وائل الدحدوح من منتدى الجزيرة: إسرائيل ليست واحة للديمقراطية




.. وول ستريت جورنال: أسبوع مليء بالضربات تلقتها مكانة إسرائيل ا