الحوار المتمدن - موبايل


نقد - التيار الديمقراطي - في العراق، تجربة الدنمرك أنموذجا

نادر عبدالحميد
(Nadir- Abdul-hameed)

2012 / 6 / 13
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


نقد - التيار الديمقراطي - في العراق، تجربة الدنمرك أنموذجا
بمناسبة إنعقاد المٶتمر الثاني(1) لـ"تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك"


نادر عبدالحمید ( جمال محمد ) عضو هيئة التنسيق لـ"تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك"


مقدمة مقتضبة
في بحثي هذا، لا أقوم بتقیم "التیار"(2) أي لا أبحث عن جانبیه الأیجابي و السلبي، بل أرکز فقط علی نقد المحتوی السیاسي و الإجتماعي للـ"التیار"، وهذا یختلف عن نقد الجوانب السلبیة، لأنني بصدد نقد جوهر هذه الظاهرة ککل وبصورة شاملة، ولا یهمني ما لدیها من نقاط إیجابیة و سلبیة. بهذا المعنی بحثي لیس بحثا أکادیمیا منصفا، بل یشکل نقدا فکریا و سیاسیا قاسیا لهذە الظاهرة. وطبیعي في بحثي هذا أشیر إلی بنود معینة و أستشهد بفقرات معیة من وثائق التیار ولکن لیس بغرض نقد تلك الفقرات أو کشف جوانب سلبیة للتیار وإنما أستعملها لکی أسلط الضوء من خلالهم علی جوهر هذە الظاهرة و نقد محتواه الإجتماعي و السیاسي.


أولا: الشکل الدیمقراطي و المحتوی الیبرالي
تشکل "تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك"، کتجمع سیاسي في مٶتمره التأسیسي بتأریخ 18-6-2011، وذلك خلال عملیة تحضیریة، استغرقت أکثر من نصف سنة، أی منذ بدایة سنة 2011. عندها تم إحالة وثيقتين مهمتين هما النطام الداخلي (اللائحة الداخلیة) وبرنامج (خطة عمل تیار الدیمقراطیین العراقیین)، نطرا لكثرة الملاحظات عليهما، إلی "هیئة التنسیق" المنتخبة من قبل المٶتمر، لکي تمعن النظر بهما وتحیلهما إلی إجتماع عام إستثنائي للتیار للموافقة علیهما. واعتبرت تلك فرصة لي لکي أبدي ملاحظاتي حولهما وأطرح البدیل عنهما.
تكون "التیار" وتواردت مساعيه في مناخ الأنتفاضات والثورات في العالم العربي وکذلك في أجواء الحرکات الأحتجاجیة الجماهیریة الغاضبة في العراق وأقلیم کردستان. ولم ینعکس هذا الوضع الثوري، وضرورة تطویر الحرکات الأحتجاجیة الجماهیریة العراقیة في مسودة برنامج "التیار" (أو مایسمی بـخطة عمل تیار الدیمقراطیین العراقیین) المقترح للمٶتمر، لیس هذا فحسب بل حین کتبت ملاحظات إنتقادیة حول هذه الوثیقة وطرحت بدیلا عنها، وقدمته إلی "هیئة التنسیق" بتأریخ 15-8-2011، وجادلت مرات عدیدة في إجتماعاتها، لم أجد صدا لإنتقاداتي وإقتراحاتي داخل الهیئة، وهذا شئ طبیعي لأنها المناقشات جرت في جوي دیمقراطي حر والأکثریة في "هیئة التنسیق" غیر مقتنعة بإنتقاداتي وإقتراحاتي. (تجدون إقتراحاتي وبدیلي لـ"خطة العمل" لاحقا). هذا من جانب.
ومن جانب آخر، في الأجتماع الأستثنائي لـ"التیار" بتأریخ 18-2-2012، حیث عقد بحضور أکثر من خمسین عضوا، کانت أکثریة الآراء في هذا الأجتماع مال إلي تمیع هذا البرنامج الیبرالي أکثر مما کان هو علیه. حیث کان مقابل الطرح اللذي قدمته لتثبیت مبدأ "فصل الدین عن الدولة و عن التربیة والتعلیم" وکذلك مبدأ "حریة التعبیر للمتدینین والملحدین علی حد سواء" و "إلغاء کل مایسمی بالمقدسات الدینیة والقومیة للحد من الحریات"، و "المساواة الکاملة للمرأة بالرجل في حق الأنفصال وتربیة الأطفال وحق الوراثة" و "إرساء وتحدیث نظام الضمانات الأجتماعیة وتعویض العمال والشباب العاطلین عن العمل بمعاشات البطالة"، .... إلخ، نعم مقابل کل هذا، أوصى الأجتماع الأستثنائي (وبشکل أکثریة مطلقة تقریبا) علی إلغاء کلمات ومفاهیم مثل "العلمانیة" ... في وثیقتي "التیار" کونها تثیرون قلق أوساط وتیارات معینة، فلا داعي لذکرهم أو تواجدهم في برنامج "التیار". فإذا قارنا برنامج "التیار" هذا بالدیمقراطیة اللیبرالیة في الدنمارك مثلا، تجدونه برنامج شبه دیمقراطي، معوق، خجول، یستحي أن یقول مایریدە أمام مخالفه الفکري والسیاسي وتجامله مجاملة علی حساب مبادئه.
کان المفروض في أجواء ثوریة کهذە التي مرت بها منطقة شرق الأوسط،، و وجود حرکات إحتجاجیة جماهیریة غاضبة ضد الفساد والبطالة وإنعدام الخدمات الأجتماعیة، ضد سلطة المحاصصة والطائفیة في العراق، أن ینشغل أي تیار سیاسي أو دیمقراطي بکیفیة تعبئة هذه الحرکة، تنظیمها، قیادتها لکي تکون قوة إجتماعیة-سیاسیة دیمقراطیة جماهیریة ضاغطة علی الدولة وسلطة الحکومة لإجبارها بتنفیذ الأصلاحات وفسح المجال أمام الحریات السیاسیة والفکریة والتنظیمیة لجمیع فئات وشرائح وطبقات المجتمع. وأن ینعکس هذا التوجه في برنامجه في شکل فقرات وبنود برامجیة و ...الخ، وهذا ما لا نجدە في برنامج "التیار".
حاولت جمیع التیارات السیاسیة أن تستغل أو أن تستفاد من هذه الحرکة الأحتجاجیة الجماهیریة في العراق و من ضمنها القوی المکونة للتیار الدیمقراطي العراقي. أنا لا أتحدث هنا عن الإستغلال و الإستفادة أو حتی عن مشارکة الحرکة الأحتجاجیة، بل أتکلم عن مدی إنعکاس آمال وتطلعات ومطالبات وشعارات، وکذلك أسلوب نضال الجماهیر الغاضبة و المحتجة لتلك الحرکة، و آفاق تطورە المستقبلیة في برنامج و سیاسات (تکتیکات) تیار سیاسي معین ونقصد هنا تیار الدیمقراطي العراقي. وهذا ما لا نلاحظه.
ألف: دیمقراطیة لیبرالیة أم دیمقراطیة الجماهیر المحرومة و المحتجة
نحن لسنا أمام ظاهرة "الإسلام" کمبدأ واحد، بل نحن أمام مذاهب وطوائف إسلامیة وأحزاب وتیارات إسلامیة متباینة ومختلفة ومتضادة. کذالك لسنا أمام ظاهرة "الشیوعیة" كحركة واحدة، بل أمام تیارات فکریة وحزبیة شیوعیة مختلفة سواء کان علی الصعید العالمي أم علی صعید العراق. وکذلك لسنا أمام ظاهرة "الحرکة القومیة" العربیة مثلا، كحركة واحدة، بل أمام حرکات وتیارات فکریة وحزبیة قومیة عربیة مختلفة ومتباینة ومتضادة.
وهنا يسأل سائل هل الحرکة الدیمقراطیة و التیار الدیمقرا‌طي مستثني من هذا المبدأ الدیالکتیکي الذي يشمل الأسلامیین و الشیوعیین و القومیین؟ أي بمعنی آخر هل توجد حرکات دیمقراطیة مختلفة ومتباینة ومتضادة فیما بینها، أم بعکس تنوع الأسلامیین والشیوعیین والقومیین، لا وجود للتنوع في الدیمقراطیة، و یوجد فقط نوع واحد من الدیمقراطیة ألا وهي التي یبنتاه التیار الدیمقراطي العراقي؟
بأمکان أي تیار دیمقراطي أن یأخذ محتوی مختلف؛ مثل الیبرالي المحافظ والیمیني كـ(حزب الشعب المحافظ) في الدنمارك، وهو حزب دیمقراطي عریق، أو أن یأخذ محتوی إصلاحي جذري ویساري کحزب (القائمة الموحدة) في الدنمارك، مثلا.
في المناخ السیاسي التي مرت بها المنطقة و العراق في السنة و نصف السنة الماضیة، کان بإمکان أي تیار دیمقراطي أن تتعاطف مع الجماهیر المحرومة والغاضبة أي مع الطبقات الکادحة وتتبنی آمالهم ومطالباتهم وکذالك أسلوب نضالهم. وهذا ما لم تبناه جمیع التیارات الدیمقراطیة العراقیة وبما فیها "تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك". بل هم تبنوا آمال ومطالبات وأسلوب نضال الطبقة المتوسطة، الموظفین والمثقفین التي ینظرون بعین الحزر في العملیة السیاسیة التي رسمها ورسخها الإحتلال الأمریکي في العراق، ضمن الإستراتیجیة الأمریکیة في الشرق الأوسط. لیسوا ضد هذه العملیة الـ (بورجوا-إمبریالیة)، التي هي لب مصیبة الشعب العراقي بل هم یحاولون تنقیة هذه العملیة الأمریکیة من شوائب الفساد وتضادات الطائفیة والقومیة وتعقدون آمالهم علی الإعمار الأقتصادي والنهوض بالقطاع النفطي، کي تتمتع هم في عراق متطور إقتصاديا وثقافیا، في ظل السلطة الراهنة (بعد تنقیتها من شوائبها طبعا).

باء: الکیمیاء السیاسي لـ"تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك"
في غمرة الأحتجاجات وغلیان الشارع العراقي کنا في هیئة التنسیق، علاوة علی وثائق "التیار" والوضع السیاسي العام في العراق، نناقش أیضا (في شهري آب و أیلول 2011) بعض القضایا العملیة کأن یقوم "التیار" بإقامة حفلة بمناسبة عید الفطر ودعوة السفیر العرا‌قي لها. [وبالمناسبة کان السفیر قد رتب عشائا فاخرا للإفطار في وقت سابق، وکان من بین المدعویین والحاضرین أعضاء من "التیار".] وحینها کانت النقاشات حول التنسیق مع السفارة ودعوة السفیر والمشارکة بولیمة العشاء أکثر حیویة وتثیر إشتهاء الحاضرین وتسیر لعابهم السیاسي أکثر من الجدل حول مواضیع مثل (فصل الدین عن الدولة، المساواة الکاملة للمرأة بالرجل في حق الأنفصال و تربیة الأطفال، تعویض العمال و الشباب العاطلین عن العمل بمعاشات البطالة). وهذە هي کیمیاء الحیاة السیاسیة. حیث تجلب محلات الأحذیة و الملابس أنظار الإناث وتبعث الشوق في نفوسهن في حین تجلب محلات عرض منتوجات التکنولوجیا کالموبایل والکومبیوترات و السیارات... أنظار الرجال و الذکور. أي حسب الحاجة البایلوجیة و الجینیة یمیل "نوع" معین إلی شئ معین یخصه و یعجبه. وهنا تکون الحاجات الجینیة و البایلوجیة السیاسیة لـ"نوع" دیمقراطیة "تیار الدیمقراطيین العراقيین في الدنمارك" تفرض علیه أن یمیل و یتعاطف مع سیاسیة معینة تخصه و أسالیب نضالیة معینة و لیس غیره.
هناك الکثیرین من الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك، الرابط الذي یجمعهم في إطار "تیار الدیمقراطیین العراقیین" لیس إطار الدیمقراطیة کمفهوم عام بل محتوی نشاطهم الیبرالي هو الذي یجمعهم. وهذا المحتوی الیبرالي یتطابق مع المحتوی الیبرالي لتیارات الدیمقراطیة العراقیة الأخری في بعض دول العالم وکذلك یتطابق مع المحتوی الیبرالي لتیار الدیمقراطي في داخل العراق.

جیم: مسألتان
أولا: "تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك" له الحق و الحریة التامة أن تختار نوع معین من الدیمقراطیة کالدیمقراطیة اللیبرالیة مثلا، ولا یختار النوع الآخر للدیمقراطیة التي تنتمي للجماهیر الکادحة، وهذا من حق التیار. لکن لیس لدیه الحق بأن یتکلم بأسم الجماهیر الکادحة العراقیة، وأن یظهر نفسه بمظهر الممثل و المدافع عنهم.
ثانیا: صحیح "تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك" تیار دیمقراطي لیبرالي لکن برنامجه شبه دیمقراطي ولیس بدیمقراطي مبدئي راسخ، بل تجامل و تساوم التیارات الآخری علی حساب قیم ومبادئ الدیمقراطیة. هذا تظهر بجلاء في البنود البرامجیة في وثائقه.


ثانیا: مسألة حریة المرأة و مساواتها بالرجل

الف: مسألة حریة المرأة. توجد ستة فقرات تحت بند السابع حول المرأة في وثیقة "خطة العمل". الذي یهمنا هنا لیست فقرات مثل "إنشاء موقع فیسبوك، علاقات تعاون مع مواقع مماثلة، إشاعة روح التعلیم،......"، بل الفقرة الثانیة من هذا البند وهي [2- نشر معاناة المرأة العراقیة وتوعیتها وتحریرها من أطر العبودیة والالحاق وسلطة التبعیة والتخلف بشقیه الاجتماعي والدیني].
صیغة تدوین هذه الفقرة تجهل وجود حرکة تحرریة نسائیة في العراق لها ماضي مضئ وملئ بالتضحیات، وحاضر ملئ بالأجهاد والنشاط من أجل التحرر، وتتکلم بلهجة ذکوریة عن توعیتها وتحریرها، بیمنا المفروض أن یدون هو دعم نضال المرأة العراقیة من أجل تحررها ومساواتها. أي الأعتراف بوجود نضال المرأة العراقیة کحرکة إجتماعیة أولا ومساندة هذا النضال ثانیا من قبل "التیار". أي دعم الحرکة التحرریة النسویة من أجل توعیة النساء وتحررهن. هنا لا أتکلم عن منظمة نسائیة معینة بل أتکلم عن حرکة نسائیة معینة في بلد معین (العراق)، حیث تضم منظمات وتیارات فکریة سیاسیة مختلفة.
باء: مسألة مساواة المرأة. أن نجهر بأننا مع مساواة المرأة لیس له أهمیة بقدر أهمیة کیف نثبت في برنامجنا بأننا نختلف عن تیار سلفي رجعي حتی النخاع ویدعي بأنه مع مساواة المرأة، وتوجد في أیامنا کثرة من هذە التیارات وإدعائاتهم. هنا تکمن لب المشکلة، لذا یجب أن نضع النقاط علی الحروف ونتکلم بشکل ملموس؛ ماذا نعني بمساواة المرأة بالرجل في برنامجنا؟ في ملاحظاتي الأنتقادیة والتي قدمتها بتأریخ 15-8-2011 لـ"هیئة التنسیق" جاء:
1- نناضل من أجل الغاء جمیع القوانین المعادیة لحقوق المرأة ولحریتها ولکرامتها کقانون مایسمی بـ "غسل العار".
2- نناضل من أجل تثبیت المساواة القانونیة الکاملة للجنسین فی جمیع شٶون الأجتماعیة کحق الأنفصال، رعایة الأسرة والاطفال، وکذلك فی الشٶن الأقتصادیة کحق الوراثة والمساواة فی الأجور...الخ.
3- نناضل من أجل سن قوانین التمیز الإیجابی لصالح المرأة لکی ترفع من شأنها وتعمل علی تجاوز ما حصل من إضطهاد ضدها خلال عصور وأجیال.
هنا الرجعي یمسك یدك و یقول: الرجال قوامون علی النساء وبیدیهم حق "الطلاق"، الأب هو رب الأسرة و یتولی الأطفال في حالة الأنفصال، وفي حال موته تأخذ إبنته نصف حصة مقابل حصة کاملة لولده. في وضع کهذا أمامك خیارین، فإما أن تناضل مع المرأة المناضلة من أجل حقها وتواجه الرجعي بکل جدارة أو أن تتسفسط وتتفلسف بعبارات جمیلة و جوفاءة.


ثالثا: فیما یتعلق بالنشاط في الدنمارك

هنا لا أتطرق إلي نشاط "التیار" في أوساط الجالیة العراقیة والعربیة في الدنمارك بشکل عمومي وإنما أود أن أشیر هنا إلی نقطة واحدة فقط من ملاحظاتي وإقتراحاتي التي قدمتها لـ"هیئة التنسیق" بتأرخ 15-8-2011، وهي:
[یعمل "التیار" علی تفعیل الجالیة العراقیة والعربیة فی الحیاة السیاسیة الدنمارکیة، وخصوصا فی الحرکات المناهضة للعنصریة والحرکات المقاومة لتقلیص الخدمات الاجتماعیة والمقاومة لتدمیر بنیة دولة الرفاه.].
الكل يعلم ان الشبح الذي يراود المواطنین من أصل أجنبي في الدنمارك، ویهدد مستقبل أطفالهم، هي توسع نزعة الکراهیة للأجانب و تقویة الحرکة العنصریة إثر الأزمة الأقتصادیة الراهنة وزیادة نسبة البطالة.
ومن جانب آخر تنشط الحرکات الدینیة والقومیة لإعطاء وإبراز هویة دینیة وقومیة لهٶلاء المواطنین من أصل أجنبي کي تضع تلك الهویات مقابل الهویة الدانمارکية، وبذلك یتمیز "الأجنبي" وتضعه مقابل "الدانمارکي"، وهذا هو أیضا کراهیة للغیر وعنصریة بشکل مقلوب. وتٶدي إلی شحذ الجهة المقابلة أیضا أي تقویة العنصریة في المجتمع الدنمارکي.
ما العمل؟ ما لذي علی الأحرار وذوي الشعور الإنسانیة داخل إطار "تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك" أن یفعلوه؟ لحسن الحض هناك طریق ثالث، طریق إنساني وهي جبهة مقاومة العنصریة، وجبهة مقاومة تقلیص الخدمات الأجتماعیة من جانب الحکومة والبلدیات. لسنا مدعووین بأنشاء حرکات مثل هذه بل لهما وجودهما المستقل من زمان في المجتمع الدنمارکي.
تقویة العنصریة وزیادة نسبة الکراهیة للأجانب مرتبطة بشکل مباشر بتدهور الوضع الأقتصادي للمواطنین وبزیادة نسبة البطالة. لذلك جبهة مقاومة العنصریة غیر منفصلة عن جبهة مقاومة تقلیص الخدمات الأجتماعیة. وفي هذین الجبهتین یقف المواطن من أصل دانمارکي ومواطن من أصل أجنبي جنبا إلی جنب، حیث لا مکان لهویات متناقضة تضع المواطنین في الدنمارك ضد بعضهم البعض.
عدم درج مهمة کهذا في برنامج "التیار" [و عدم الأستجابة له بعد طرحه من قبلنا لدرج هذە المهمة بتأریخ 15-8-2011،] لیس مسألة نظریة أي نسیان أو عدم معرفة نشاط کهذا، بل مسألة عملیة سیاسیة، مرتبطة بالکیمیاء السیاسي للـ"تیار". خلف عدم درج مهمة کهذا، تکمن مجاملة کراهیة الغیر والعنصریة المقلوبة لدی الجالیة العراقیة والعربیة. لأن إدراجها یستوجب علی "التیار" أن یصبح هو نفسه جزءا من هذین الحرکتین في الدنمارك، و تخاطب الجالیة العراقیة والعربیة المشارکة في فعالیات و نشاطات هذین الحرکتین، وأن یقوم بمحاولة إبعاد المواطنین من أصول عربیة و عراقیة عن الهویات العنصریة المقلوبة. أي أن تفعل ما یفعله الناشط الدانماركي ضد العنصریة داخل شعبه. وهذا تضعه مقابل تیارات اخری، وهو الذي لا یحبذه، بل یحبذ المساومة و المجاملة.
هذان الحرکتان لیستا من الحرکات الوطنیة أو القومیة، ولا من الحرکات الدینیة أو الطائفیة، ولا من الحرکات الإشتراکیة أو الشیوعیة، بل هما حرکتان دیمقراطیتان، تحرریتان متعلقتان بحیات المواطنین البسطاء سواءا کانوا من أصل دانمارکي أو من أصل أجنبي، من الفئات والشرائح والطبقات الکادحة في الدنمارك. ومثلما فرض الکیمیاء السیاسي علی "التیار" بأن لا تنعکس أو تندرج آمال الحرکة الأحتجاجیة الجماهیریة الغاضبة للمواطنین البسطاء، من الفئات والشرائح والطبقات الکادحة في العراق في برنامجه، شعاراته ومطالباته وأسلوبه النضالي، هنا أیضا في الدنمارك لهذا الکیمیاء السیاسي نفس المفعول، بأن یغض "التیار" النظر عن هذین الحرکتین في الدنمارك.
جاء في بند (أولا: في مجال المهجري- الفقرة الثالثة) في وثیقة "خطة العمل" [3- في مجال عمل الدیمقراطي ... تسعی هیئة التنسیق قدر الإمکان لإقامة محاضرات لأساتذة وأکادمیین وأحزاب دنمارکیة]. هنا تشخص "التیار" مجال عمله الدیمقراطي في الدنمارك وهي إقامة محاضرات لأساتذة وأکادمیین وأحزاب دنمارکیة، وذلك من أجل تقویة الوعي الدیمقراطي ونقل التجارب الدیمقراطیة الدنمارکیة والأوروبیة للجالیة العراقیة والعربیة. وهذا شئ جید ولا أعترض علیه، لکن سٶالي هو لماذا یختار "التیار" بشکل واعي فقط مجالا واحدا للعمل الدیمقراطي في الدنمارك، ألا وهو مجال متعلق بالعمل مع الفئة المثقفة الدانمارکیة والنخبة السیاسیة في الأحزاب الدنماركیة؟ ویغض النظر عن مجال عمل آخر دیمقراطي أیضا تخص حیاة جماهیر البسطاء والکادحة في الدنمارك وخاصة المواطنین من ذوي الأصول الأجنبیة؟ و علی الرغم من وجود إقتراح کهذا له بعد شهرین من المٶتمر الأول؟ هنا تکمن سر کیمیاء السیاسي لـ"تیار الدیمقراطيین العراقیین في الدنمارك". إنها حرکة دیمقراطیة بمحتوی لیبرالي للشرائح والفئات من الطبقة المتوسطة؛ المنفصلین والبعیدین عن آمال وتطلعات الجماهیر الغفیرة والمحتجة و المعترضة، وکذلك غریبین بأسالیب النضال الجماهیري ومحنکین في نفس الوقت بأسالیب النشاط لیبرالي!


رابعا: النشاط فی مجال تعزیز الدیمقراطیة داخل العراق

الفقرات الواردة هنا هي فقرات کنت قد قدمتهم لـ"هیئة التنسیق" و جادلت حولها لتثبیتها في وثیقة (خطة العمل):
1. یعمل "التیار" لکي تصبح جزءا حیویا من نضال الشعب العراقی ضد الفساد والطائفية والمحاصصة والتفرقة الدينية والطائفية والقومية، وضد العودة بالبلاد الى عهود التردي والظلامية. ویحاول تنظیم و تعبئة هذا النضال.
2. یری "التیار" بأن فصل الدین والقومیة عن الدولة و عن التربیة والتعلیم فی العراق، هو أساس عراق دیمقراطی مبنی علی أساس المواطنة ولیس علی أساس المحاصصة القومیة والدینیة والطائفیة.
3. یناضل من أجل حریة التدین وحریة الإلحاد، حریة الفکر والنقد، حریة الطبع والنشر، وإلغاء أي محدودیة علیهم تحت زریعة المقدسات الدینیة والقومیة أو أمن الدولة.
4. یناضل ویدافع عن الحریات السیاسیة، کحریة التنظیم السیاسی (الحزبی) و المهنی (النقابي) لجمیع الطبقات، الشرائح والفئات الأجتماعیة، ومن هنا یناضل من أجل إلغاء قرار النظام البعثي، رقم 150 لسنة 1987 والمحتفظة به من قبل السلطة الحالیة لمنع عمال القطاع العام من تشکیل نقاباتهم.
5. تدعم مطاليب الشعب العراقی من اجل توفیر الخدمات العمومیة للجماهیر [کالماء، الکهرباء، الخدمات الصحیة...]
6. النضال من أجل إرساء وتحدیث نظام الظمانات وألإعانات الاجتماعیة العراقیة حسب المعاییر العصریة.
7. تدعم نضال الشباب والشابات العاطلین عن العمل من اجل الحصول علی العمل او ضمان البطالة.
8. تناضل من أجل الغاء عقوبة الأعدام فی العراق.
9. تٶمن بمبدأ حق التقریر المصیر للشعب الکردی عن طریق الأستفتاء.
10. تری من واجبه مراقبة الأحزاب والتیارات السیاسیة فیما اذا کان نشاطاطهم تتعارض مع قیم الدیمقراطیة ومع مبادئ حقوق الأنسان. من هنا أولا، ومن مدی قرب برامجهم من برنامج "التیار" ثانیا، تری ضرورة التعاون والعمل المشترك مع تلك الأحزاب والحرکات والقوی.


خامسا: المشکلة العویصة:

جری النقاش علی وثیقتي (اللائحة الداخلیة) و (خطة عمل تیار الدیمقراطیین) مرات عدیدة حتی بعد الأجتماع الأستثنائي الذي من المفروض أن ینهي الجدل حولهما. لکن الجدل والنقاش حولهما لم ینتهي بعد، لذا بقي للمٶتمر الثاني بأن یجدد النظر فیهما. وجرت تعدیلات کثیرة حول معضم فقرات وبنود تلك الوثیقتین، خلال مشوار طویل من الجلسات و المناقشات، بحیث تظهر الآن کقمیص غطى بلصوق تجميلي من کل شاکلة وألوان وأحجام حتی تغطي علی شقوقه وتمزقاته. وذلك لأنه کل منا ینظر الی "التیار" من منظورە وتحاول لصق مالدیه بهذا القمیص. بعض الأعضاء ینظرون لـ"التیار" کمنظمة من منظمات المجتمع المدني. وهناك من یعتبر "التیار" جزءا ملحقا من هیکلیة تنظیم الخارج لحزب عراقي معین، رغم إسقلالیة "التیار". وهناك آخرون یعتبرونه أو الأصح یحاولون أن یصبح تیارا سیاسیا مستقلا بذاته. فإذا سألنا عن ماهیة "التیار" لا نحصل علی جواب موحد. وجاء کل واحد منا من منظوره الخاص بمقترحات لإضافة أو لتعدیل فقرات و بنود وثائق "التیار" حتی صار الوثیقتین المذکورین عجینة مخلوطة تحتوي علی أشیاء شتی بعضها متناقضة.
صحیح من الممکن أن نغیر ونصلح ونعدل ونحسن البنود والفقرات البرنامجیة لـ"التیار"، بحیث يتحول من برنامج لیبرالي شبه دیمقراطي، غیر مبدئی، غیر مکتمل إلی برنامج دیمقراطي، عصري، مکتمل، مبدئی، راسخ و واضح. هذه العملیة رغم إنها صعبة جدا وتستغرق الوقت و تحرق الأعصاب، لکنها لیست بمهمة مستحیلة.

تبقی في هذە الحالة مشکلة عویصة: ألا وهي، إضافة أو تحسین وتکمیل بعض الفقرات والبنود (رغم إنها شئ جید) لکن تبقی حبرا علی ورق. لأن آلیة (میکانیزم) الحیاة السیاسیة لـ"التیار" تکونت بشکل، بحیث تعمل جیدا مثل عقرب الساعة و تدق في موعدها، في نشاطات معینة مثل إقامة الندوات و الحفلات ... حیث شکلت 90% من مجمل نشاطاته خلال السنة الماضیة، ولا تصلح لعمل آخر مثل العمل الجماهیري حیث لا تتطابق مع کیمیائه السیاسي. علی سبیل المثال بإمکان "التیار" أن یتبنی الفقرة المقترحة من جانبي والمتعلقة بالنشاط والعمل الدیمقراطي في الدنمارك فیما یخص قضیة مقاومة العنصریة ومقاومة تقلیص الخدمات الأجتماعیة من جانب الحکومة. لکن كما اسلفت يبقی حبرا علی ورق وکأن المرء یطلب من السیارة الشخصیة التي صنعت لغرض تنقل الأفراد، أن یحصد الحصاد في حین تتطلب عملیة الحصاد ماکنة الدراسة. هل بأمکان "التیار" أن یعدل من خصائصه ومن آلیة عمله وکیمیائه السیاسي لکي یصلح لعمل سیاسي إجتماعي آخر؟ الجواب هو برأیی کأن يطلب من العنز أن يصبح خروفا. فدع العنز يعیش حیاته!

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- يعقد المٶتمر الثاني لـ (تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك) یوم الأحد بتأریخ 17-06-2012. لمزید من الأطلاع حول وثائق التیار و نشاطاتها و الأستعداد للمٶتمر الثاني راجع الرابط التالي، الصفحة الجانبیة للتیارفي صفحة الحوار المتمدن:

http://www.ahewar.org/m.asp?i=3962

2- أستعملت کلمة "التیار" و ذلك تلخیصا لإسم (تیار الدیمقراطیین العراقیین في الدنمارك).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات في عدة دول عربية ضد القصف الإسرئيلي لغزة ودعما للفلس


.. هل ما يحدث بين الفلسطينيين وإسرائيل أولوية للعرب؟ باحث سياسي


.. المبعوث الأميركي يبحث في تل أبيب سبل التوصل للتهدئة




.. مقتل 10 فلسطينيين من عائلة واحدة في غارة على غزة


.. غارات إسرائيلية تستهدف بنوكا تابعة لحركة حماس