الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شهقة جسد

محمد البوعيادي

2012 / 6 / 22
الادب والفن


كانت تلهث راكضة نحو أكمة قريبة، تعد أنفاسها اللاهجة، وقلبها يرقص مثل فرخ مذبوح، ضبابا يتبدى العالم من خلال زاويتي عينين دامعتين من الخوف والألم، قدماها ترقصان من الهلع وهي تبكي فيختلط مخاط الأنف بالدموع الحارقة عند مفرق الشفتين، تشهق..
أي جحيم هذا الذي يريده الإله للفقراء والضعفاء من البشر؟، بعد طفولة من الحروق على الجلد والضرب بالحزام السلكي، ها هم سيدمون جسدها الفتي قبل أن يزهر....
تركض تركض تركض، يتصاعد من رئتيها الأوكسجين عسيرا، تبكي وتصرخ بكلمات لا تدري معناها، وأي معنى بقي؟ تتخبط في جحافل فستانها الأسود الطويل، منذ ألف عام لم تلبس شيئا ملونا، منذ مات الذي رحل في انخطافة فجر، في دهشة عمر، في لحظة واحدة فقدت كل شيء، بل لم يكن هناك شيء...
والآن ما الذي يريدونه بها؟ أن تركض؟ إنها مثل فرس جريح في معركة خاسرة، تركض منذ ولدت، منذ فتحت عينيها على ظلام هذا الفراغ الغائم، لم تختر هذا الوجود فكيف اختارها هذا القدر الشيطاني؟، الصرخة الأولى كانت بسب ذلك السكين الذي ينغرس رويدا رويدا في القلب، وكأن القلب غِمدٌ أزلي له، جرحا بعد جرح يتمزق الكيان المعذب، وكأن الله يحكم بما شاءت شياطين الأرض، وكأن هذا الدم القاتم لا يكفيهم، كأن كل الدموع التي أهرقتها في ليالي البرد والوحدة لا تكفي بني قريضة، الجنس الأسود من بني كلاب، سليلو الجوع والقمل والسعال والطاعون...
كانت تركض هاربة نحو الأكمة وألف قدم تقفو خطوها المنهزم، يعانقون الأحجار من كل حجم، كل يحمل صخرتين، واحدة بين ضلوعه وأخرى في يده، يريد أن يغسل أدرانه بها، أن ينظف عهره الداخلي بسحق جسدها الرطب الذي لم يعرف سوى خشونة العالم وقساوة الحرمان، من الأم، ثم من الحب...أما الأب فسلّم للناس كبده وارتاح إلى جذع زيتونة مكلومة مثله، أسند قلبه بكفيه المعرورقتين وقال: تعال أيها الخراب، دمّرني، اجرفني، استسلمت لك حطّمني، خذ ما بقي مني فأنا انتهيت اليوم..
جميعا يركضون كالكلاب المسعورة، يتهافتون على الأحجار ويرمونها، واحدة في القدم ويسيل الدم أسودا، وتسيل دمعة غائرة...
قبل ألف عام كانت هناك تلك اليرقة الخبيثة، سكنت في جوفهم ورؤوسهم وصارت تأكل كل الأوراق الخضراء اليانعة، كي لا يبقى سوى الجُذام والخنز والكره والقيح في داخلهم، كيما تبقى الأعواد اليابسة والبراعم التي نخرها الذباب الأخضر...
من ألف عام ويسكن في جماجم هاته السحليات فيروس البغض والضغينة، لا هم يحبون ولا هم يتركون الناس تحب، يقتلون كل شيء يتحرك في دائرة السكون الأبدي، صلاتهم نفاق للرب وخيانة للطبيعة والأشياء والمخلوقات والمبادئ...
تقوم بنت الأحلام وتركض تركض، تسقط ثم تقاوم وتقوم مدفوعة بغريزة الحياة، تهتز يداها الراعشتان في غمرة الموت، مفجوعة الفرائص مثل رضيع لم يجد ذراعي أمه آن استيقظ، وتطلق من حلقها صرخة استغاثة، غير أن الذئاب لا تفهم لغة البشر ولا تسمع ذبذبات الضمير..
جميعهم يحملون في داخلهم حقدا أزليا على الحياة، لكل منهم تاريخ مع الجسد، تاريخ حرمان وكبت لم يجدوا من سبيل لتخطيه سوى سحق الروح والغريزة، لم يصلوا إلى جداول الماء النقية ليرووا أُوارهم فصاروا يلوثون كل منبع صاف، كل المآزر الملونة مزقوها بخناجر الموت والكراهية باسم سيد مريض وشريعة دموية، ثم رفعوا رايتهم السوداء مغروسة في جسد طفلة...
كانت نجاة طفلة بِرُكنَيْنِ في القلب، واحد لله وواحد لذلك الجبان الذي هرب كقط خائف وتركها تنام تحت ركام الحجر والأعين الحمراء التي تتقطّر شررا وشواظا.. ثم صارت بِرُكنٍ واحد عشش فيه الذعر فقط....
نجاة طفلة بكفين رطبتين، واحدة تتطلع إلى السماء العريضة ضارعة لخالق الكون، وأخرى تمسح الغبار من على جبين منهك بالأحلام وصلاة النوافل..
لم يكن أمامها من مفر، في الشمس الأخيرة من يوم الجمعة الأخيرة، أمام ناظريها انحدَّ العالم، لم يعد بعد الأكمة من ملجأ آخر من بني كلاب، هاهم يطوفون بها مثل قبائل لاتينية ترقص دوائر دوائر حول النار، قبائل تقدم قربانا لإله القمر الذي لا يشبع من الدم، كانت في جيوبهم المثقوبة أمنيات كثيرة سقطت، بعضهم أحب الله لكنه لم يستطع أن يحب نفسه، وآخر أحب طفلة، بكى في ليلة ثم أصبح فظا غليظ القلب، أما الكثير منهم فلم يعرف معنى للحب، ما زار الحب قلوبهم ولا خَبِروا حُرقته، كانوا أشبه ما يكونون بتلك الصخور التي يحملون في أكفهم، لا تعرف الشفقة مدخلا إلى قلوبهم الزجاجية، أما نساؤهم الكريهات فلا يدري ما يدور في صدورهن إلا زوجة الشيطان...
لم تعرف هذه البقعة من الأرض مطرا منذ جاء إليها فقهاء الظلام، يسبّحون للخالق لكن في قلوبهم مرض عضال، يركعون لكن نفوسهم تطمح إلى ما بين أفخاذ القاصرات، بلحيهم الكبيرة مثل المكنسات يزرعون الكره في قلوب هؤلاء الأميين، يقولون لهم : اكرهوا الحياة اليوم وسيحبكم الله غدا، ويكرهون الحياة لكنهم لا يتوقفون عند ذلك الحد، إنهم يكرهون أنفسهم أيضا...
سمراء مثل برعم الرمان ينمو في غصن رطيب، نجاة بنت النجوم وأحلام الفارس القديم الذي يأتي على جواده المُطَهّمِ، لم تكن تريد أكثر من حب، أكثر من حياة مثل كل حياة، لم ترغب في شيء سوى كلمات حلوة وحضن دافئ وقت البرد، فبأي شريعة يمنعون عنك الهواء، وبأي شريعة يقتلونك يا غصن اللوز...
في التلوث أنواع، هناك من يلوث تاريخه، و هم لم يكونوا في حاجة لذلك، إذ إن تاريخ هؤلاء المنبوذين ملوث منذ الغزوات الأولى في صحراء الربع الخالي، منذ هتك عرض أول السبايا على جلد ماعز يابس، هناك من يلوث روحه، و أرواحهم أكثر تلوثا من مجاري الصرف الصحي، يلبسون الأبيض كالثكالى، يركعون ويبكون ليطهروا أرواحهم، ولكن هل ينفع الصابون مع بقع الكره والشر التي انطبعت في الجوف الفاحم؟...
في السماء الملبدة بالغيوم الداكنة كانت عيناها منغرزتان، تنتظر شيئا من هناك، لربما ترفعها يد الرحمة إلى الملكوت الأعلى أو تهطل أمطار فيشغلون عنها، كانت تنظر ضارعة إلى السحب السوداء المثقلة بالبنزين والبترول، كأن الله مُضارب في بورصة البشر، لم يعطهم سوى البترول من غيثه المنان وحرمهم من رحمة القلب ومن يقظة الضمير الإنساني...
تركض بلا اتجاه ثم تسقط على فمها فيغمره الثَّرى الأحمر الذي يختلط بدم اللثة، مُرّاً كقشور الرمان، حلوا كذلك الحلم القصي الذي نسيته في زاوية الحياة المظلمة، آآه كم أنت عجوز أيتها الأرض الميتة، كيف نقلوا إليك سمهم الأسود كيف؟ كيف قتلوا الأشجار والزهور والطيور وشتائل الطفولة؟ ولماذا سمحت لهم أيتها الحبيبة بقتلك...
كان الأصيل يرخي ظلاله الهادئة على الأكمة الصغيرة، رجل ضخم الجثة مثل كلب كبير ينبح، يبرم شاربيه الملتويين ويفرك لحيته المشعتة:
+ لقد جلبت العار إلى قبيلتنا يا بنيتي، لقد خرقت شريعة الرب المعظم ودنست شرف القبيلة بالزنا المحرم، وكلام الله في مثل هذه الواقعة فصل، والفصل في أمرك بيدنا، اطلبي الله أن يغفر لك فقط و أن لا يعذبك هناك، أما هنا فالعقاب نظافة لك من أوساخ ما فعلت يا طفلتي، الروح تطلب النجدة من جسدك المدنس فلنعطها حريتها..
الأوساخ؟ هل يكفي نهر النيل لتنظيفكم؟ هل تكفي المحيطات والبحار لتنظيف الدُّمالة التي تفجرت في قلبك أيها المخصي؟ أوساخ قلوبكم لا ينظفها إلا الدم، إلا الرصاص وأحذية المستعمر تركل مؤخراتكم مثل القطط المتشردة، تتمرجلون على امرأة ثم تتحدثون عن الأوساخ؟ يا لها من مهزلة مقرفة...

طفلتك؟ طفلتك أيها القواد الكريه، أيها الحمار الذي يحمل أسفار العالم على ظهره "المدبور"، لو أن جسدي الصغير كان فراشا لجثتك الضخمة لما كان مصيري هكذا...
غير أن القلب لعين، القلب لعين ومكروه، لو أن لها سلطانا على قلبها ما أحبت ابنهم، الجبان، الحقير دنيء النفس، الفرع الناتئ من شجرة الزقوم، لكنها وفي سكرات الموت النفسي قبل الموت الجسدي كانت لازالت تعشقه، غريزة هذا الإله الذي زرعها في نفوس البشر، ثم حرمها عليهم، ألاَّ تحبوا هكذا كان لسان الرجل ضخم الجثة يقول وكانت السماء تباركه بروث البهائم ورضاب الجراء الجذماء...
وتعوم الطفلة في نهر الذاكرة البارد...
هناك كانا قرب النهر، يقول كلاما يقطر بالشهد، كان يقول كلام الأبطال، سأبحث عنك بين الضلوع، سأحبك كِبر الشمس ووُسع الفضاء، وأعطيك النيروز والدفء والعشق وكل شيء، سأحارب ربّي في سبيلك لو أحببتني، كان يقول كل شيء ملء فم حالم غائص في تفاصيل ابتسامة خفيفة..كمن يعرف نهاية التراجيديا التي حاكتها يد القدر المقصود...
إيه يا زمن الدعارة الفاضلة، كيف يصير الحب تهمة كيف؟ ومتى صار الذي يقول أحبك مثل الذي يطلق رصاصة على رأس طفل، أو مثل الذي يقول : مُوتي يا زانية...
في عصر الزواحف ورباعيات الأرجل من بني البشر لا يجوز إلا الموت في سبيل فكرة أو حب، لكن طفلة في غمرة العمر لا تعرف لذلك معنى، خرجت لتوها من بيضة الدهشة، فبأي ذنب قتلت؟..
كحلم طويل قالت: ككابوس طويل يتبدى لي هذا العرس الجنائزي، أتراهم يحتفلون وهناك روح غضة ستدفن تحت الصخر؟، كيف تكون هذه العيون الوديعة التي أحببتها دوما حمراء مثل الرئة اليوم؟ أهكذا لم أعد أنتمي إليهم في لحظة واحدة؟ ألست نجاة الصغيرة التي يحبها صغيركم قبل كبيركم؟..صدمتي فيكم يا أبناء جلدتي كصدمة آدم في لحظة العراء...
يرفرف طائر في كبد السماء، صوت الجناحين أدق في أذنيها الصغيرتين، من علوك الشاهق أيها الطائر اشهد، اشهد على رابعة العدوية تموت في سبيل عشقها المخملي، صوت الماء يندلق في أذنيها أقرب من ضربات القلب المتعب، يتبدى العالم قريبا جدا من حواسها اليقظة، وكأن شيئا غريبا يحدث في لحظة الوداع الأخير، تنفرج شفاه السماء عن خيوط ذهبية دافئة تراقص الخدين الشاحبين، فتشعر بخيوط الحنان الأخيرة تنساب على البشرة الجائعة..
قبل أعوام ماتت هنا امرأة، بالصخور نفسها، لا شيء تغير منذ قرون، لا زالت آثار الدم على بعض الصخور، تموت النساء بنفس الحجر، يتغير شكل الصخور وحجمها ولا يتغير هؤلاء...
حتى العقبة الغبراء لم تتغير، قبل قرون مر ابن العذراء من عقبة كهذه، كان يحمل صليبه على كتفيه الممزقين بسياطهم المُسننة، و الآن تقول هي: أمرُّ من هنا أحمل صليبي طيّ ضلوعي، صليبي ليس من خشب قديم، صليبي منسوج من أحلامي البالية ومن رغبة كسيرة ليتها لم تكن، بل ليتني لم أكن..
تغوص في الذاكرة مرة أخرى...
يراقص حُلمتيها بأطراف أصابعه الرشيقة، يهتصر خصرها الممشوق بين ذراعيه، يحط بشفتيه الدافئتين على جلد عنقها المُحبّب، يصعد و يهبط فتغيب في غمرة اللحظة، ترتخي بين كفيه كعجينة الخلق الأولى، كالهُيولى تتلوى ليصنع منها كائن النور الشفاف، يمد يديه إلى نهدين طائشين فيعصرهما، تمد يديها إليه تحترق فيه، يموت فيها وينبثقان كزهرتي لوتس في ضفاف النهر، ينزع عنها التويجات البيضاء ويغيبان تحت الغيوم النّدية، قبل أيام كانا ينشدان لحن الحياة، يتعانقان تحت ظلال الكروم غيلة، لحظة عشق واحدة كانت كفيلة بإحراق كل أعشاش الدبابير...
أقول لكِ: فليذهبوا إلى جهنم وبئس المصير، أنت وأنا والقمر فقط، ليتنا وحدنا ركبنا السفينة...
القمر شاهد أيضا مثل ذيّاكَ الطائر البعيد، في لحظة الأصيل كان يتجلى ببرودته المعهودة، يا لك من قمر أيها الإله، لك يذبحون الأجساد الفتية، فهلاَّ شبعت من الدماء؟
تقدّم شيخ القبيلة نحو نجاة:
+ بنيتي، انطقي الشهادتين حتى يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك.
نظرت إليه بحقد ثم بشفقة:
+ إلهكم هذا لا يعرف الحب، وأنا أموت من أجل حبي، قضيتانا مختلفتان، يريد هو ما تريدونه أنتم، وإلهي أنا يريد لي ما أريده، لم أحصل عليه كله، لذلك سأموت وأنا أحاول...
وقف الشيخ مشدوها أمام جرأة الفتاة، البنت المتبرعمة أمام عينيه في أزقة القرية، الخجولة الخائفة من نفسها، تلك الصغيرة التي لم تكن لترفع صوتها، تتكلم كلام الكتب؟، وقف الجمع حائرين، يلعنون ويفورون غضبا وشوقا إلى لحظة السحق، فتقدم فقيه القبيلة نحو نجاة:
+ اتق الله يا ابنتي، الشاب أخذ عقوبته وهو راض بحكم الله، استغفر وطلب الله أن يسامحه، وأنت كذلك سيغفر لك الله فرحمته وسعت كل شيء..
كل شيء؟ كل شيء يا أولاد الزناة، هل يحتاج الحب إلى مغفرة؟ أليس الأحرى أن تطلبوا المغفرة أنتم يا قلوب الكلس..
كانت نجاة تنظر إلى الشاب واقفا مع الجموع، مئة جلدة خفيفة على ظهره، هو ابن شيخ القبيلة يضربونه ضربا يليق بمقامه، هي بنت فلاح فقط، سينهشون لحمها كالضباع ثم تبكي النساء كالعاهرات، يقرأون قليلا من تعاليم شريعتهم الخراء وينسى الجميع تلك الطفلة، تُنسى كأنها لم تكن...
نظرت إليه، تراجع مختبئا خلف الجموع، كامرأة كان يبكي، يجهش بالبكاء فيشزره أبوه، أحست بغصة جارحة تصعد من الجوف، من الداخل، من عمق العمق، تمنت أن يعيشا معا أو يموتا متعانقين، تمنت لو يتحدى الجميع من أجلها، أباه بالخصوص، لو يمد يديه إليها ليقول لها – كما في الماضي القريب – سأحرق العالم من أجلك، سأنسف قبيلتهم وأحرق بيت إلههم من أجل دمعة واحدة منك...
حتى في لحظة الخذلان والخصاء فكرت فيه رجلا شهما، تمنت لو أنه يأتي إليها كي تحط رأسها المتعب على صدره وتنام، تنام تنام تنام في طمأنينة الأطفال، تمنت لو يتعانقا تحت قصف الحجارة، فيصيرا دما في دم ولحما في لحم تحت الركام، لكن الجينات الملوثة كانت تسري في دمه، هو مِنهم، من سلالة الليفياتانات البشرية، حيث فساد المُضغة الأولى هو القاعدة، لا يستقيم ما فسد عبر أربعة عشر قرنا إلا بالموت، لكنها لن تستطيع، لا تملك إلى شنقهم سبيلا، لذلك ستموت...
تقدم الشيخ إلى الفقيه ليستشيره في أذنه، تراجع الشيخ وهو يمسد لحيته المقيته ثم أشار بالإيجاب، حرّك رأسه إلى أسفل ثم إلى أعلى، و في حركته صعدت أول نُدفة من نُدَفِ الروح، تجمدت أطراف الطفلة الغضة، برودة ما قبل الرحيل، كأن بداخلها جبلا ثلجيا يذوب، لم يعد لدماغها تحكم في الأطراف والعينين، ترفض العين أن ترمش، يتسارع دفق الدم في الشرايين، هو الموت، هو الموت يا شقية الطفولة، يا مجروحة الكفين والعينين، تصاعد الدم إلى أعلى، أحست بأن رأسها ساخن وأطرافها باردة بقدر سخونته، توترت أعصاب اليدين وتقلص تدفق الدماء في العروق، أصبح الشهيق والزفير مثل سَلِّ خنجر مصقولٍ من الصدر... تعالوا، تعالوا يا سلالة الإجرام، فلتسقط السماء، لتمطر ضفادعا وجرادا ودما، ما الذي بقي لي سوى لعنكم حتى تفنى الأفلاك...
أشار الشيخ إلى أحد أعوانه، فرفع حجرا و رماها به...
توقف الزمن للحظة وجيزة كأنها عمر بحاله، هو الحجر الأول، هو الأصبع الأول في عالم ما بعد الموت، في جبهتها المنيرة كفتيل الزيت فتح الحجر جرحا بعرض المحيط، بعرض السماء، أكبر من السماء، فماذا تكون السماء في مقابل جرح امرأة؟، أول قطرة دم زكية نزلت ساخنة على الجبهة الندية، تناسلت قطرات الجرح نحو الأسفل، بين العينين مر الدم الزكي، معطَّرا كمسك الليل، عند مفترق الشفتين المشقوقتين بندى الصباح الجارح التقت قطرتان، كانا كتلك القطرتين، يلتقيان في الصباح أيضا، يتعانقان كقطرتي دم زكي، يندغمان حد انمحاء الفروق و اندحار أشياء العالم الخارجي، والآن قطرات الدم فقط تأتي مثنى مثنى، هو ينتحب هناك خائفا من أبيه وهي تغادر بلا رفيق هنا، التقت القطرتان عند الشفة، ساخنتنان، حين امتزج الدم الحار بالرضاب ارتعشت ركبتاها الضعيفتان، سقطت عليهما مثل تمثال صغير لإلهة منسية، على الركبتين واجهت الحجر الثاني، في مؤخرة الرأس، ويسيل الدم، يسيل الدم المغدور على الرقبة البيضاء النحيفة، من بين مفارق الشعر كان الدم يمتزج بالشعيرات القصيرة، كأنها عروس خضبت شعرها بالحناء قبل ليلة الزفاف، كأنها تمرح في رقصة شعبية، تمايل رأسها كمن يثمل فرحا، على اليدين والركبتين اتكأت في آخر محاولة للصمود، الغبار يمر عبر فتحات الأنف، يشق طريقه في حلقها المخنوق بالدم المتجلط، حجر ثالث فاجأها و هي تسند جسدها اليائس بمرفق اليد، في الذراع هذه المرة، كُسرت أول عظام الجسد المُرهَفِ، سمعت الصوت وحدها، أما هم فكانوا مشغولين بأداء فريضتهم السادسة، تهافت الأطفال على الحجر، حجر يطير إليها على أجنحة الحقد، حتى الأجيال الصاعدة كانت تشرب من نهر الضغينة...سقط الجسد كاملا على الأرض وصار ينزف بشراهة، ينزف ينزف وهي لا تبكي، ينزف وهي لا تقول شيئا، لا تصرخ، لم تعد قادرة على التضرع، أرادت أن تتضرع لكن الكلمات انحسرت في حلقها المُجلط بالدم فبقيت صمتة في لحظة تمزقت أوتار المعصمين، حجر وراء الآخر، صخر وراء صخر وصار الثوب الأسود مُزقاً...
لا زالت الذاكرة قادرة على الغوص في تفاصيل الزمن القريب...
قبل عام عاد خبر وفاة زوجها، جاء رجل بارد الأعصاب، طويل القامة سلمها مظروفا ثم عاد أدراجه....
مات.
اشتروا لها ثوبها الأسود وقالوا أنت ثكلى، توجعي يا بنت الفلاح، توجعي واندبي جسدك المعطوب حتى يصير ذبالا لشرفنا وسمعتنا النظيفة، لم تكن تريد البكاء، كانت شبه مغتبطة، لم تنس الليلة الأولى حين اغتصبها كوحش متسخ، غرز أظفاره الطويلة في لحمها ونهشها كما تنهش الضباع جيفة في الشمس، صرخت وبكت لكنه آلمها بعنف، كان يرفس جسدها بأطرافه الخشنة وهي تنزف تحته، من يومها لم يعد لذلك الرجل سوى حيز أسود في قلبها المنكوب، تذكرته وهي تراقب ثوبها يتطاير مزقا مزقا في الهواء، تْفو، رائحة فمه الكريهة تشبه رائحة التراب المعجون بالدم، وهؤلاء لماذا لا يتوقفون؟ ألم أَمُت بعد؟...
اخترقت الحجر جسدها مثل الرصاص الثقيل، ليت الروح ترحل بسرعة عن الجسد المتشظي كيما يتوقف عذاب الإلهة المنسية، أشار الفقيه على الناس بالتوقف، اقترب منها يقلبها بعكازه المعقوف، لا زالت حية تتنفس: ارجموها، عجلوا كي لا تتعدب...
كي لا تتعدب؟ إلهي إني أحبك فكيف تركتني مضغة في أكُفِّ هؤلاء؟ إلهي إني منك وإليك، فهل كان من سبيل لأعود إليك غير هذا السبيل الشائك بالألم؟ أحبك ربّي أحبك...
يتناقص المغص المؤلم في لحظات، إلهي أيها الجبار أنا أكرهك لكنِي أحبك، من لي بعدك يا إلهي من لي و من سيكون لي؟ عبر الجسد الممتد حصيرا على الأرض كانت البرودة تصعد نحو الرأس الساخن، هناك كانت مارية المجذلية، العاهرة المقدسة، تقدموا على حميرهم القصيرة ورجموها، لكن رجلا من حديد وقف هناك: توقفوا، ابتعدوا هي أنظف منكم أيها المتسخون، هي أشرف منكم، الله غفور، الله كبير، توقفوا، كفى، كفى، كان المسيح هناك...
و أنتِ من سيكون لكِ هنا؟ لا أحد، سيبقى سيل الحجر ممطرا على جسدك مثل قذائف النار حتى يهتز صدرك، حتى ينتفض انتفاضته الأخيرة ولن يتوقفوا لن يتوقفوا، تعرفينهم يا بنت الدهشة والقدر، مسعورون حين يرون الدم، يغلي في عروقهم دم يبتغي دما وكأنه غذاء تلك اليرقة التي لم تعد تقبل بالاقتيات على أرواحهم وأحشائهم المرنة، تريد تلك اليرقة دما، فموتي يا بنت الوجع واللحظات المخطوفة، موتي في سبيل ما عشقت، أتعترضين؟ أتندمين؟.
بقيت ندفة أخيرة من الروح، لم يعد هناك إحساس بالألم، تتساقط الأحجار على جسدها المفروم تحت ركام عال، لكن لا ألم، أأيدي الملائكة تصد الألم أم هي نهايات الأعصاب انمحت ولم تعد حساسة بما يكفي لتنقل الوجع؟، كان هناك يبكي وجع الرجولة فقط، رجولة العجول التي ورثها عن آلهته وأسلافه، يبكي لأنه ما استطاع إنقاذها كرجل وليس كإنسان...
شهق الجسد شهقته الأخيرة في انطفاءة آخر قنديل في القرية، وما رجموها، ما قتلوها ولكن شُبِّه لهم، كانت الروح الزكية هناك في مكان ما، حين صلبوا ابن مريم، أرعدت السماء وأبرقت وقف الأب الأكبر معه، أبوه كان هناك، زلزل الأرض تحت أقدام اليهود، أما هي فأبوها متكئ على شجرة زيتون، لا يقول شيئا، ينظر من بعيد إلى الأكف توقفت عن رمي الحجارة فتستفيق في جوفه حرارة الفقد الأولى، مثل أمها لم تكن لتخضع لشريعتهم، هي بنت الطبيعة والحب والصفاء الأول، أنّى لهم أن يسجنوا جسدا من اللازورد أنّى لهم؟
نجاته الصغيرة التي قبلها ألفا وألفين قبلة على الخدين، هي نجاته التي رافقته إلى الجنان، نفس الكفين الصغيرين التين عانقتاه بجنون و هو عائد من العمل مساء، نفس الوجه الصغير بعينيه المدورتين وأنفه القصير، الوجه نفسه مطمور تحت حقد هؤلاء الكلاب، إنه يكرههم، يكره نفسه أيضا، فقد تركها بين أيديهم، أما كان ليقتل قبل أن تموت تلك التي كانت آخر أمل له في الحياة؟، ذهبت نجاة إلى أرض أخرى أو سماء أو بحر من يدري، لكن ماذا يفعل هو هنا بين هؤلاء؟...
إلى السماء رفع كفين راعشتين، إلهي خذني إليك، أبن عدلك خذني، لم يعد لي هنا ما أعيش لأجله، إلهي خذني إليك دون أن ألوث يدي بدمي، يا واسع الرحمة ارحمني بالموت...
حملوا الجثمان إلى حفرة كبيرة قرب النهر، هناك كانت تنام تحت الشجرة الوارفة، تستند ذراعين وصدرا ما، الآن تستند النهر، تنام على التراب متوسدة جذور الشجرة التي حفروا بقربها حفرة كبيرة... أما ذلك الشاب الجبان فلم يستطع التغلب على هواجس الليل،طلقة واحدة في الرأس من بندقية أبيه، تمدّد قربها في الحفرة التي امتلأت بجسديهما وبماء النهر الغامر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان.. الفنانون الملتزمون يحاولون إحياء روح الثورة • فران


.. تفاعلكم الحلقة كاملة: خبير يكشف سبب زلزال تركيا وسوريا وهجوم




.. مليون مواطن في جنازة أم كلثوم يتقدمهم رئيس الوزراء وهدير الأ


.. تفاعلكم : هجوم عالمي على شارلي ايبدو لنشرها كاريكاتيرا يسخر




.. فنان مهاجر يضفي لمسة ملونة على جدران الأحياء الفقيرة في موري