الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في الأزهر

نافذ الشاعر

2012 / 7 / 11
سيرة ذاتية


دخلت الأزهر من بوابته الرئيسية التي تشبه مدخل قلعة من القلاع القديمة، وكان صف من الضباط يقفون على بوابته، وينظرون إلى الداخلين بإمعان، وبعد أن اجتزت المدخل بقليل كان على الصفين رجلان يقفان وراء الأرفف الخشبية التي توضع فيها الأحذية، ويوشك أحدهما أن ينادي على كل من يدخل ليضع حذاءه على الرف، ولكنه يبتلع كلمته في نهاية الأمر ويترك الأمر للمصلي.
واتجهت إلى المتوضأ رأسا، وحذائي في يدي، وبحثت عن شبشب نظيف للوضوء فلم أجد؛ سوى فردة قبقاب لبستها في القدم اليمنى وفردة شبشب بلاستك سوداء بالية لبستها في القدم اليسرى، وكنت أعجب من مكان الوضوء الذي لا يليق بالأزهر، فقد كانت دورات المياه فيه تشبه دورات مياه عامة في إحدى الأسواق، أو تشبه دورات مياه مدرسة حكومية بلونها الرمادي وأبوابها المخلوعة المليئة بالكتابات المشطوبة، وبأقفالها التي بالكاد تستطيع إغلاقها على نفسك حين تقضي حاجتك. أما المراحيض فهي ضيقة ونتنة الرائحة وغير مريحة. والمتوضأ مكان ضيق بحجم غرفتين ونصف تقريبا، وبسقف منخفض تشعر انه يجثم على أنفاسك. وكانت صنابير المياه بالية، يخر من بعضها قطرات الماء بالرغم من ربطها بقطعة من كيس نايلون حتى لا يتسرب منها الماء، وتزودها بالماء مواسير خارجية صدئة، مثبتة على طول الحائط.

أما الصابون فلم ألمح له وجود في المتوضأ طوال زياراتي للأزهر، اللهم إلا في هذا اليوم، فقد كانت هناك قطعة صابون واحدة بحجم شريحة البطاطس المحمرة، ملقاة في ركن ما لا يستخدمها احد. وإذا أردت أن تصلح هندامك بعد الوضوء فهناك على أحد الأعمدة في المتوضأ قطعة زجاج بحجم كتاب مفتوح يبدو أنها كانت بقايا مرآة مكسورة لدولاب قديم، قد تصدق بها أحد المصلين، ولصقها على عمود المتوضأ ببعض الاسمنت المعجون باليد، وما تزال أثار الأصابع بارزة على جوانب المرآة بعد اللصق.

وبعد الوضوء دخلت إلى ساحة الأزهر الفسيحة التي تحيط بها مماشي بعرض مترين أو ثلاثة وقد فرشت بالسجاد الأحمر، ويتخذ الناس من تلك المماشي مكانا للصلاة حين إقامة الصلاة، واتجهت إلى الحائط الغربي المطل على الساحة الرخامية، لأسند ظهري واصلي بهدوء، وكانت على مقربة مني فتاة تلبس جلبابا أسود لا يظهر سوى عيناها، تجلس في المكان الذي يجلس فيه الرجال، وكانت تدير ظهرها للقبلة وتتجه بوجهها إلى الحائط؛ وفي يدها مصحف تقرأ فيه من سورة البقرة، وقبل أن أتم صلاتي جلست امرأتان بجانب الفتاة راحت تتجادل إحداهما مع الفتاة لأنها تدير ظهرها للقبلة. وانتهى الجدال بأن أدارت الفتاة ظهرها وحولت جلستها ناحية القبلة.
ولم يكد الجدال ينتهي حتى بدأ جدال ثان بين الفتاة والمرأتين لأنهما تتكلمان بصوت عال يشوش عليها وهي تحفظ السورة، وانتهى الجدال بأن تركت الفتاة مكانها وانتقلت لتجلس على يساري في ركن الممشى وهي تحاول التركيز في قراءتها، ولم تكد تبدأ القراءة حتى جاءها الفراش بجلبابه الأصفر الكموني، يتجادل معها لأنها تجلس في المكان الذي يجلس فيه الرجال، وردت عليه بتوتر وعصبية بأن مصلى النساء تعلو فيها الثرثرة التي تشوش عليها وتمنعها من التركيز، ورفضت القيام. في محاولة لفض هذا الإشكال؛ قال الفراش للفتاة "يمكنك أن تذهبي للمسئول وتخبريه بذلك" فردت عليه الفتاة بسرعة بجواب كأنه معد من قبل "لن أذهب إلى المسئول وإنما المسئول هو الذي يأتي إلي" فانصرف الفراش يائسا ليحضر لها المسئول.!

وأدركت أن هذا المكان سيشهد بعد قليل جدال وصراخ وزعيق سوف يفسد علي السكينة والهدوء التي أنشدها في هذا المكان، فانتقلت بعد الانتهاء من صلاة تحية المسجد إلى داخل المسجد بالقرب من المنبر، طلبا للسكينة والهدوء والدعاء. وأول شيء يشغلك عند دخول المسجد البحث عن مكان تضع فيه حذاءك، فلا يوجد أرفف للأحذية.! فكان الناس يضعون أحذيتهم على سجاد الصلاة بجانب أعمدة الرخام، واغلب الظن أن عدم وجود أرفف للأحذية كان لإرغام المصلين على تسليم أحذيتهم عند البوابة لرجل مختص، يقوم بحفظها مقابل مبلغ من المال يدفعونه حسب ما تجود به نفوسهم، وتأخذ مقابل حذائك قطعة خشب صغيرة بحجم علبة الكبريت مكتوب عليها رقم الدرج الذي وضع فيه حذاؤك كي تستلمه عند الخروج.

وإذا نظرت إلى اليمين من محراب المسجد قبل كل صلاة جمعة، وجدت هناك على الكرسي القديم الذي يجلس عليه المقرئون، رجل ربعي قد تجاوز عمره السبعين عاما، بجلباب رمادي يدس أنفه ولحيته في صحيفة يقرأ فيها الأخبار، وتعجب لم لا يقرأ في المصحف في هذا الوقت المبارك الذي لا يفصله عن الخطبة سوى دقائق معدودات، وقلت ربما يقرأ في صحيفة دينية ركن الفتاوى مثلا، ولكني لم أكد أجلس وأعاود النظر إليه حتى جاءني الخبر اليقين بأنه يقرأ في الملحق الرياضي للصحيفة!

وتلفتت على حوائط المسجد أتلمس ساعة حائط لمعرفة الوقت فلم أجد للساعات أي أثر، وكان وجودها هنا أندر من وجود الصابون في المتوضأ، ربما ليبقى المصلى يعيش خارج الزمان والمكان على حد سواء. ومن أعجب التبريرات التي تلقيتها من أحد الشباب دفاعا عن هذا الإهمال، بأن هناك محظورات لابد منها، والمسئولون عن الأزهر يتعمدون عدم إدخال إصلاحات حديثة على الأزهر كي لا تطمس معالمه القديمة، فينسى الناس أن الأزهر يعود للماضي العريق.. وعلى ما يبدو أن الصابون وساعات الحائط ضمن قائمة المحظورات!.
وبعد قليل انتبهت لانتباه الناس الذين أخذوا يتلفتون إلى الناحية اليمنى، وبعضهم قد بدأ يعد تلفونه لالتقاط الصور، وكان القادم هو الشيخ محمد الطبلاوي بزيه الأزهري الأسود النظيف، وقد أخبرت بأن عمره قد تجاوز الثمانين عاما، لكن يبدو عليه أنه لا زال في الستين أو ربما أقل، لم ينل السن من رشاقة حركته إلا القليل، حليق اللحية له شارب أسود كث وحواجب سوداء لا يوجد بها شعرة شيب واحدة، ولو قابلته في مكان ما، دون أن يقول أحد هذا الشيخ الطبلاوي لقلت إنه عمدة لقرية من إحدى قرى الصعيد لا علاقة له بالقراءة ولا بالكتابة. وقام إليه بعض الناس وقبل يده ورأسه، وكان الرجل الذي يدس لحيته ورأسه في الجريدة قد أفسح الكرسي الذي يجلس عليه للشيخ الطبلاوي استعدادا للتلاوة. ثم بدا الشيخ الطبلاوي بالتلاوة من سورة الزخرف، وكلما أمعن في التلاوة كنت أشعر بالاندماج الروحي مع الآيات التي يتلوها، وكنت أجد فيها معاني لأول مرة تخطر في بالي، وكان هو يدركها جيدا ويقصد توصيلها إلى المستمعين.. وكان كثير من الناس يرددون "الله الله.. ربنا يعطيك الصحة، وينصرك على مين يعاديك"..
وصدمت من قطع الطبلاوي للتلاوة لينتهر رجلا وقف على مقربة منه، فانتهره قائلا: "اقعد يا أخينا، أنت كدة بتشوش على القرآن" ثم عاود الطبلاوي التلاوة من جديد..!

وقبيل الخطبة قمت فانتقلت للجلوس في المكان الذي طردت منه الفتاة المنكودة الحظ، ذات الجلباب الأسود الهاربة من ثرثرة النساء. وجلست في الممشى المطل على الساحة الرخامية الفسيحة التي تزيد أشعة الشمس من لمعانها وبياضها، وأسندت ظهري للحائط أستمع للخطبة عن النظافة للوقاية من الأوبئة التي بدأت تنتشر في العالم، وكنت أراقب أطفالا يجرون ويتسابقون ويتزحلقون على الساحة الرخامية، وهم يصدرون وقع أقدام خفيفة منعشة من الجري تشعرك بتفتح الأزهار في بداية الربيع، أو تشعرك بالحياة السعيدة التي لم تعكرها المنغصات. وبينما هم يهرولون في مرح وحبور تزحلق أحدهم فوقع على رأسه فأسرع إليه أبوه يحتضنه ويطبطب على ظهره ورأسه ويمسح دموعه.

وبعد الخطبة انتظرت قليلا أشاهد تلك الساحة وهي تغص بغير المصريين الذين يلتقطون الصور التذكارية، وكان أكثرهم من شرق آسيا الذين تبدو على وجوههم أنهم من ماليزيا واندونيسيا والفلبين.. أما الرجال الصفر والنساء الشقراوات فلم ألمح منهم سوى رجلا أو رجلين، وشاب آخر صغير وفتاة في مثل سنه، ترتدي برنسا أحمر مقلما يغطيها من الرأس حتى القدمين، جلسا سويا بجانب بعضهما البعض في إحدى مماشي الأزهر قبل الخطبة.
وخرجت بعد ذلك وأنا أتساءل لماذا لا يكون الأزهر في مكانة تليق به، كأكبر مرجع إسلامي في العصر الحديث.. ولكن بالرغم من كل هذا ما هي إلا صلاة أو صلاتين حتى أصبحت "مدمن أزهر" (!)، لابد أن أزوره للصلاة في أغلب أيام الجمع.

وبالرغم من ذلك فإن للأزهر سحرا لا تدركه، وتقع في حبه من أول زيارة، وترتبط به ارتباطا روحيا وتشعر بالحنين إليه كلما طالت عنه غيبتك، وأنا أرجع ذلك إلى كثرة من ركع فيه من الصالحين والصالحات على مر العصور، فما من موضع شبر فيه إلا ركع وسجد فيه رجل صالح انتقل إلى رحمة ربه، وإذا مات الرجل بكى عليه موضع صلاته، كما جاء في الحديث الشريف، ويبقى هذا الموضع كالمعراج بين السماء والأرض الذي تتنزل منه الرحمات على ذلك المكان السعيد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. روسيا والصين.. تحالف لإقامة -عدالة عالمية- والتصدي لهيمنة ال


.. مجلس النواب الأمريكي يصوت بالأغلبية على مشروع قانون يمنع تجم




.. وصول جندي إسرائيلي مصاب إلى أحد مستشفيات حيفا شمال إسرائيل


.. ماذا تعرف عن صاروخ -إس 5- الروسي الذي أطلقه حزب الله تجاه مس




.. إسرائيل تخطط لإرسال مزيد من الجنود إلى رفح