الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مرسوم مرسي: -لا للحبس الاحتياطي بسبب النشر- خطوة هامة، ولكن مدنية الدولة هي الأصل الأهم.

إسماعيل محمود الفقعاوي

2012 / 8 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


يضيف سيادة الرئيس محمد مرسي بمرسومة بالأمس الخميس الثالث والعشرين من أغسطس 2012 بإلغاء قانون "الحبس الاحتياطي بسبب النشر"، صفحة مشرقة ناصعة في مجال تطبيق وتنفيذ أحد الأركان الصحيحة والأسياسية للديمقراطية إلا وهو حرية التعبير والكلام، والتي ناضل من أجله شعب مصر طوال أكثر من قرن من الزمان، يضيفها الرئيس مرسي إلى ما قام به من أعمال شجاعة وبطولية مثل إقالته لمجموعات من الفاسدين في قيادة الجيش والشرطة وبعض المحافظين، وبإلغائه الإعلان الدستوري المكمل، واستعادته لصلاحياته كرئيس لمصر التي حاولت قيادة المجلس العسكري سلبها منه لحماية طبقة مبارك ناهبة المال العام والتي لا زال رجالاتها يمسكون بمفاصل الدولة الهامة، وفي الإعلام المسموع والمقروء والمرئي.
لقد ألف الدكتور صادق جلال العظم ونشر في لبنان عام 1968 كتاباً جريئاً وخطيراً بعنوان "نقد الفكر الديني" وكان صريحاً في نقده لدرجة الإلحاد، وتضايق وانزعج منه تقريباً كل مؤمن بدين الإسلام أو بغيره من الأديان، ولربما أيضاً مؤسسات أهلية ورسمية دينية. فتقدموا برفع دعوى قضائية ضده في القضاء اللبناني. وبعد عدة جلسات من المداولات، أصدر القاضي قراره وحكمه الذي لو اتُبع في البلاد العربية لكان حالنا المزري هذا، إلى حد ما، غير ما نحن عليه الآن من حال. لقد صرح القاضي في حكمه، "هذا الرجل ألف كتاباً واحداً بعنوان "نقد الفكر الديني" سبب إحراجاً وجراحاً لكثير من الأمة. إنني لا أحكم بمصادرة الكتاب، ولكني أطالبكم بتأليف مليون كتاب في الرد عليه. انتهت القضية وعلى من رفعها دفع تكاليف الدعوى." لذا إن كنا نؤمن بالديمقراطية أو ننوي أن نوطنها في بلادنا كممارسة مجتمعية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من أبعاد، وليس استخدامها بشكل وصولي انتهازي إلى سدة الحكم ثم نبدأ برفضها على أنها كفر مستورد من بلاد كافرة، علينا ان نستوعب حكم ذاك القاضي الحكيم ويكون سلاحنا في مواجهة من يخالفنا الرأي حديثاً أو كتابة أو عملاً أدبياً أو سينيمائياً أو مسرحاً، أن نستخدم نفس الأدوات ذاتها لنرد عليه بكل ما نستطيع من قوة منطق وحجة ولو حتى استخدمنا نحن أو هم أسلوب ساخر ومتهكم بشأن الفكر وليس بشأن الكاتب نفسه كشخص. إن الكثير الكثير من رجالات تيار الإسلام السياسي ونتيجة الفهم الخاطيء لبعض التشريعات القرآنية ولطبيعة الواقع والمجتمع الإنسانيين في عصر العلم الطبيعي والفضاء والعصر الإمبريالي الرأسمالي مقارنة بالعصر العبودي، الذي لم يتخلص منه عملياً العالم العربي والإسلامي إلا من عقود قليلة فقط مع وجود بقايا فعلية له في بعضها، ولازال هو الذي يشكل الأطر القانونية والتشريعية والعقابية والفكرية والتأملية والتخيلية للعقلية العربية، لا يستطيعون استيعاب حكم ذاك القاضي، ولربما اتهموه في دينه، ولا زالوا يرون تطبيق القتل والرجم والقطع والسحل كأول أجراء عليهم القيام به ضد أي مخالف لهم في أي شيء معرفي، من فهم ماهية الدين والتراث الديني إلى الاختلاف في الرؤى السياسية، ومصداق ذلك الذي لازلنا نعيشه إلى الآن، قضية نصر حامد ابو زيد وفرج فودة والشاب السعودي الذي اغتر على رسول الله ومقتل مهندس السويس، وهذا أقوى الإيمان في وجهة نظرهم إن استطاعوا اليه سبيلاً، وأضعفه التكفير والتشهير والتشويه وما يوجه للبرادعي وحمدين صباحي ببعيد.
الديمقراطية في العهد العبودي اليوناني، الشعب الذي طبقها، كانت تعني حكم الشعب لنفسه بنفسه، ولكن هذا المفهوم وهذه الممارسة انقطعت وتوقفت في عصور أوروبا الوسطى التي هيمنت فيها الكنيسة بفكرها وثقافتها ودينها الغيبيات جميعاً، والإقطاع باستبداده متحالفاً مع الكنيسة ضد الجماهير هناك لينتهي الأمر إلى محاكم التفتيش وما أدراك ما محاكم التفيش، وليس "ما أدراك ما الستينيات". وعادت الديمقراطية للظهور في زمن نشوء الدول القومية الأوروبية الحديثة. لقد كانت الطبقات الأوروبية التي تجشمت عناء المكافحة من أجل تكوين دولها القومية بحاجة ماسة لتبني النهج الديمقراطي كأحد الأدوات في بناء وتدعيم هذه الهوية القومية الناشئة بين جماهيرها. وقد أخذت الديمقراطية أشكالاً مختلفة عبر تطورها التاريخي من دولة إلى أخرى إلى الشكل الذي هي عليه في أوروبا الغربية وأمريكا. إن الديمقراطية في الغرب وأمريكا وحتى في بلدان في أمريكا اللاتينية تحررت حديثاً من هيمنة الحكومات الفاشية المتاجرة بالمخدرات والاحتلال الأمريكي والصهيوني، لم تعد فقط وسيلة ونهجاً يستخدم فقط للوصول عبر وسيلته الانتخابية إلى السلطة، بل إن الديمقراطية هناك أصبحت تقاليداً اجتماعية من يتجاوزها أو يخترق مبادئها يثير علامات التساؤل حول سلامته الأخلاقية والمعرفية وحتى صحته النفسية. إنها هناك مراسيم وطقوس وممارسات سليقية وبديهية من تربية الأطفال في البيت والمدرسة (حدثني صديقان في موقفان مختلفان كيف أن إدارة الإشراف النفسي في السويد زارت اثنين من بيوتات المهاجرين الفلسطينيين إلى هناك لدراسة حالة طفليهما اللذين لم يكن سلوكهما سوياً كما بقية أطفال الصف) والجامعة إلى التعاملات الاجتماعية اليومية من الشراء حتى المزاورة. إن الناس هناك لم تعد تستخدم عبارة مثل، "وكحق ديمقراطي لي أود القول.... كذا ...كذا." إنه حق تلقائي وبديهي له، لو قال تلك الجملة المدخلية بين دي تقديمه لرأيه، لكان مثار استهجان ولربما اعتقد سامعوه أنه هو لا يفهم ماهية الديمقراطية. إنها تقاليد راسخة في الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي، حتى عندما تقوم شبكات مثل CNN أو Fox News أو غيرهما من الإعلام الموالي للإدراة الأمريكية أو المحافظين الجدد أو الصهيونية المسيحية الموالية للصهيونية اليهودية، بمحاولة تمرير تشويهاتها ومغرضاتها وتجنياتها وأكاذيبها، فإنها تعرضها عبر الالتزام بالطقوس الديمقراطية، وليس بأسلوب فج، كريه وقبيح، وبذا قد يستسيغه الكثير من الشعب الأمريكي الذي، بسبب رضاه عن عدوان دولته على شعوب الأرض، غير معني بأي معرفة عن العالم خارج حدود أمريكا والحفاظ على إسرائيل. هناك مساحة حرية التعبير متقدمة نسبياً بشكل هائل مقارنة عما هي عنه في الشرق الأوسط أو العالم الإسلامي أو دول ما يسمى العالم الثالث ومعهم روسيا والصين. هناك الفردية والخصوصية الفردية لهما قدسية لا يمكن خرقهما إلا بقانون قضائي وليس من السلطة التنفيذية إلا ربما في حالة الحرب، أما هنا فالتقديس أولاً للجماعة والمجتمع على حساب الحرية الفردية. هناك مجال التعبير وأدواته مفتوحة ومتاحة لكل من يملك وسيلة للتعبير، وحول أي موضوع في المجتمع ومؤسساته وأفراده من الرئيس وإدراته إلى المؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية والفكرية والعلمية المختلفة، وعلى المتضرر من أي شيء مما جرى التعبير عنه اللجوء إلى القضاء وليس المخابرات وأمن الدولة والحزب المهيمن. حتى وإن ثبتت قضايا انتهاك ما، فإن عقوبتها الغرامة المالية لصالح المتضرر وربما تصل العقوبة إلى السجن.
ومع ذلك، ستستمر هيمنة الجماعة والمجتمع على الفرد وحريته، برغم مرسوم مرسي التقدمي في سبيل حرية التعبير، إلى زمن تطبيق مدنية الدولة واعتبار الدين والعادات الاجتماعية هي مجرد أمور تخص الأفراد وليس من مسئولية الدولة رعايتها. التدين أو عدمه ولبس الحجاب أو النقاب أو الجلباب أو الجينز بشعر سافر أو المايوه على البحر هي أمور شخصية فرديه، ليس لأحد أن ينكرها أو يفرضها على آخر. مدنية الدولة بهذا المعنى الصريح والواضح وبلا مواربات هو واحد من مكونات الديمقراطية الجوهرية ومن حرية التعبير. إن هكذا مفهوم والتعبير عنه، هو لدى من لازالوا يعيشون في الزمن الجاهلي أو قبلاً منه، صدمة تثير الدوار والارتباك في رؤوسهم. هؤلاء الذين يتصورون أن الصواب والصح هما أمران مطلقان يقبعان في جعبتهم وجبهتهم وهم حملة لوائهما، والآخر هو حامل لواء الفساد والإفساد والخطأ ونشر الرذيلة في المجتمع، لذا عليه الجهاد ضد هذا الفريق المخالف بكل الوسائل والأساليب. إن صاحب الاعتقاد بصوابه وأخلاقيته المطلقين، يتجاهل عن وعي وإدراك أو بدونهما، أن مفاهيم الحق والصواب والأخلاق والخطأ والفساد هي مفاهيم نسبية ليس فقط تختلف من مجتمع إلى آخر، ولكنها تختلف في نفس المجتمع الواحد من زمن سابق عن الأزمنة اللاحقة له. وأن نسبية هذه المفاهيم متوقفة على قواعد مادية مجتمعية متعلقة بالطبقات الاجتماعية وأي منها في الحكم ومن هو المحكوم، وطبيعة الطبقة الحاكمة فيما كانت عادلة نسبياً لمجتمعها أم قاهرة مستبدة مضهدة له. وأن هذه النسبية متوقفة بطريقة أو أخرى على مستوى علاقة مجتمع ما بالحضارة الإنسانية المعاصرة ومنتجاتها، وبطيبعة علاقتها بتراثها وماضيها؛ هل تستند إلى الجانب المظلم والاستبدادي والغيبوي الرجعي من التراث أم تتبنى كل ما هو كان تقدمياً وإنسانياً وعلمياً وباعثاً ودافعاً كرافعة لتقدم المجتمع نحو التطور الإنساني. خذ مثالاً على ما نقول، ادعاء مكتب الإرشاد ومرشده وخطباء المساجد والرئيس مرسي وكل تيار الإسلام السياسي الذي وصل إلى الحكم في مصر بأن مصر ستلتزم بالدين الإسلامي كمصدر أساسي للتشريع في الدولة وتطبيق التعاليم الإسلامية في الشارع المصري، وأثناء حملته الانتخابية أول ما قاله مرسي، "جئنا لنشر الإسلام"، ومن قريب قال مرسي ان الدولة ستعتني ببناء الشخص المسلم، ثم طالبت حكومة مرسي الدينية أو دولة مرسي الدينية، لا خلاف، بأخذ قرض من البنك الدولي بفائدة ربوية 1.1% على ذمة وائل غنيم، فوقع جميع تيار الإسلام السياسي في الحيص بيص بشأن القرض الربوي، ناهيك عن استهزاء الكثير من مثقفي الشعب المصري بالتناقض الذي وقع فيه الإخوان بهجومهم على حكومة الجنزوري قبل الانتخابات لسعيها لنيل قرض من البنك الدولي وهو نفس القرض الذي يطالب الإخوان به الآن بعد استلامهم الحكم من البنك الدولي ويحلونه. نعم إنهم سيلجأون إلى القاعدة الفقهية من باب فقه الحيل (الموجود في كتب الفقة القديمة حقاً) ليأخذوا منه الحيلة الفقهية القائلة،"الضرورات تبيح المحظورات". إن هذه الحيلة وفقط هذه الحيلة ستكون هي التشريع الوحيد العملي الذي يستند اليه الإخوان والرئاسة في كل تعاملاتهم الدولية والداخلية إن بقيت الدولة دينية وليست مدنية. بغض النظر عن الحقيقة الجوهرية بأن هناك قطع نفيي بين معاملات وحضارة وثقافة القرن الحادي والعشرين، عصر الفضاء والعلم والتفكير العلمي والحرية والديمقراطية والرأسمالية المعولمة وحروبها المهلكة ضد الشعوب، عن العصور الوسطى الاقطاعية وما قبلها من عصور عبودية، الدول الفقيرة علمياً وانتاجياً ومالياً التي جرف ثروتها حكامها وطبقاتهم المستغِلة المجرمة لعقود ليس عليها في تعاملاتها مع إمبراطوريات الهيمنة العالمية، سواء أمريكا أو الصين أو روسيا أو الدول الأوروبية، إلا الانصياع لشروط هذه الدول في التعامل معها. إنها، أي الدول الفقيرة مثل مصر، لا تستطيع أن تساوم الإمبراطوريات الكبيرة هذه على تشارك وسطي في وضع قواعد وشروط التعامل فيما بينها. أمامكم الأمثلة كثيرة، يكفي أن تتذكروا اتفاقية كامب ديفيد، إنها الشروط الإسرائيلية تماماً، ففي الحين الذي خرج الجندي الإسرائيلي من سيناء قدموا لاحتلالها بالتكنولوجيا الأمريكية ومحطات الإنذار المبكر. إنهم حرموا مصر من فرض سيادتها على ترابها الوطني لدرجة عبث الإسرائيليون فيها وقتما وكيفما شاءوا عبر السماح بدخول الإسرائيليين بجواز السفر إلى سيناء عبر طابا، إلى أن وصلت الأمور لارتكاب المجزرة الإرهابية ضد الجنود المصريين في شمال سيناء ولازالت القوات المصرية تطارد تجمعات الإرهابيين التكفيريين في جبال سيناء الوعرة التي لم تكن تستطيع استقدام الأسلحة والمعدات الثقيلة مسبقاً للسيطرة عليها وقت الملمات كهذه، وبعض الوزراء الإسرائيليين وأعضاء الكنيست الإسرائيلي يطالبون مصر بسحب ما ادخلوه من أسلحة ودبابات ومدرعات واعداد جديدة من الجنود من سيناء قبل ان تنهي هذه القوات مهمتها في حماية الأمن المصري بدعوى مخالفتها لبنود اتفاقية كامب ديفيد. لم نسمع مطلقاً أن مصر منحت أمريكا أو أي دولة أخرى منحة مالية بمقدار مليون جنية مثلاً، بل العكس هو ما يجري ويحدث، ذلك باختصار لأن مصر ودول العالم الثالث والفقيرة ليست في معادلة القوة والثراء كالإمبراطوريات التي هي مجبرة على التعامل معها. وعلى ذلك، فعلى الفرحين بدينية الدولة المصرية الوليدة بوصول الإخوان والسلفيين للحكم، إداك أن هذا الشعار الذي ليس له أي تطبيق حقيقي في أرض الواقع سوى أنه بلاغة خالية من أي مضمون، هو ورطة لرئاسة الإخوان وحكومتهم وحزبهم في حكم مصر. سيكون من الواجب عليهم دائماً إعداد جيش من المبرراتيين والمسوغين والمتفيقهين الذين يلهثون وراء تمرير أي شيء تقوله الرئاسة والحكومة والمرشد ومكتب الإرشاد، ما يقولونه اليوم وينقضونه غداً. إن الأمر لا يشكل أي أزمة ضمير لشخصيات مثل حسن البرنس وصفوت حجازي والعريان وغزلان وغيرهم، فهم كقيادين في الإخوان يعلمون أن عليهم استخدام الكذب للتبرير والتسويغ كي لا يخسر الحزب أنصاره وكي لا تنتصر عليه الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية والليبرالية والعلمانية المنادية بمدنية الدولة، ولكنه يشكل أزمة ضمير واحترام للذات عند شباب الإخوان ومنتسبيهم الشرفاء الذين يحاولون دائماً البحث عن الصدق واتباعه ومخاطبة الناس به. إن مدنية الدولة هي المنقذ للرئاسة من هذه الأزمة وهذه الورطة. على الرئاسة ان تنأى بنفسها عن جماعة الإخوان وإملاءات مكتب ارشادها ومرشدها. وعليها أن تنأى بنفسها عن الادعاء بأنها تهدف إلى بناء الإنسان المسلم، وإلا، القبطي من يبنيه؟ هكذا خطاب وادعاء هو وسيلة لتعميق الشروخ الاجتماعية في مصر ويعمق الرؤية العنصرية الإقصائية لدى أبناء الشعب المصري مسلميين وأقباط، وحتى تجمعات وطنية وقومية ويسارية وليبرالية وعلمانية. يجب وقف الوعظ الديني الكاذب القائل بأن الله بدأ يحكم مصر عبر وصول مرسي لكرسي الرئاسة، فالله لا يحكم مصر بـ 52% في الانتخابات، ولا يقبل الربى ولا يقبل شرب الخمر في المنتجعات والشواطئ السياحية التي يشكل مدخولها نسبة لا يمكن الاستغناء عنها لخزينة الدولة المصرية.
في هذا السياق، لازلنا سنرى رجال إعلام في التفلزيون ومشايخ في الفتاوي أو الوعظ على منابر رسول الله ومؤلفوا كتب يعلنون ويعظون وينشرون ما يضاد مضمون هذا المرسوم، بل ربما بعضٌ منه قد يلومه أو يجرمه أو حتى يكفره ويطالب بإلغائه. أن يعيش امرؤ ما عقوداً من عمره في بيئة ثقافتها عدم الاعتراف بحرية الآخر والعمل على إقصائه ولو بالقتل والاغتيال، وبنت هذه الشخصيات وتبني مجدها الشخصي في هكذا بلاغيات وخطاب سائدين على جموع الشعب البسيط والأمي والمسلوب والمقموع، من الصعب تخيل تحولها إلى الديمقراطية وحرية التعبير. سيستمر خالد عبد الله في هتك أعراض حرائر مصر إن شاركن في المظاهرات الرافضة لحكم المرشد أو مرسي مثلاً، وسيستمر في استخدام كليشيته الأثيرة لديه، "يا واد يا مؤمن"، مكفراً من يخالف الإخوان. وسيستمر وجدي غنيم في لعن وشتم وتكفير واستتفاه من يخالفه ويخالف الإخوان. سيستمر مفتى الموت المدعو إسلام كذا في دعوته في تطبيق حد "الحرابة" أي الذبح والقتل ضد المتظاهرين ضد الرئيس مرسي. سيستمر البرهامي في تطوير فتاواه بقتل المتظاهرين بدعوى أنهم "خوارج". وسيستمر المحلاوي بنشر فكرته بأن الله يحكم مصر الآن عبر مرسي في الرئاسة... ستستمر رجالات هذه الجوقة من الإخوان والسلفيين والجهاديين والتكفيريين في ممارسة هواياتهم البلاغية في كون وهمي ماضوي الفهم والأمل ليس له علاقة بواقع مصر الحالي والحديث.
وسيخرج علينا أشخاص أمثال من يلقب بالخبير الإعلامي (وقد عودتنا الجزيرة القطرية على الشعور بالرهبة وتغييب العقل عند تلقيبها لمن يطابق هوى السياسة القطرية على شاشتها بـ "الخبير") صفوت العالم والصحفي قطب العربي القيادي بحزب الحرية والعدالة ليرحبا من جانب بمرسوم مرسي بألغاء الحبس الاحتياطي بسبب النشر، وليلحسانه في جانب آخر باسم "تقنين الممارسة الإعلامية" أو "تجاوز قواعد المهنة".
صفوت العالم وفي مقالة لموقع ياهو بتاريخ 23 أغسطس 2012، يقولفي لقاء مع الجزيرة نت، "إن مصر بحاجة حقيقية ماسة لتقنين الممارسة الإعلامية سواء في الصحف أو القنوات الفضائية بحيث تلتزم التزاما تاما بقواعد المهنة." ماذا يعني السيد صفوت بكلماته "تقنين الممارسة الإعلامية"؟ أي أن تقوم جهة إما إعلامية أو قضائية أو من المفكرين بأعداد لائحة قوانين تحدد ما يجوز كتابته ونشره في الصحف أو قوله على شاشات التلفاز أو ربما حتى على شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والتويتر أو حتى في حق التظاهر وما يجب قوله فيها. وعلى هذه اللجنة أن تحدد العقوبات التي يجب إيقاعها على كل من يتجاوز "قواعد المهنة"، كي تكون لائحتها عادلة في إنذار أي منتهك حسب معاييرها فتثير فيه الحذر والخوف ويضع قيداً على تفكيرة وتحليله واستنتاجاته وتوقعاته وتخيلاته. هكذا يكون الالتفاف على مرسوم مرسي، وهكذا يستمر الإرهاب الفكري ولكن باسم "تقنين الممارسة الإعلامية" والالتزام التام بها. هكذا يتمكن أيديولوجيو النظام أياً كان من استخدام القمع والإرهاب أداة تنصر أفكارهم هم بين الجماهير، ولا يستطيع المعارض أن يعبر عما لديه بوضوح وإفصاح، وإلا فقد يصبح متجاوزاً للائحة تقنين العمل الإعلامي. ومن سيضع هذه اللائحة في الحساب الأخير؟ إذا كان الإخوان والسلفيون وللمرة الثانية يشكلون تأسيسة الدستور حسب رغباتهم وهواهم وسط رفض شعبي جاد وملموس، أوليس من الصواب الاستنتاج بأن لجنة وضع لائحة "تقنين العمل الإعلامي" ستكون في أغلبيتها من طبقة الحكم الإخواني والسلفي مع إضافات ديكورية فقط. المعيار المهني للإعلام هو ضمير رجل الإعلام وأخلاقياته، ولو كان يدرك بأنه سيرد عليه من قبل آخر له حرية الرد والتعبير، فأنه غالباً سيلتزم بضمير وأخلاقيات مهنة من وازعه هو وليس خوفاً من عقاب لائحة ما. إن إدارك إعلامي ما أن لكل امرئ الحق في مقاضاته لو أحس باعتداء هذا الإعلامي عليه في شرفه وفي شخصه وفي عرضه أو اختلق عليه الأكاذيب وقد تكون النتيجة غرامة أو حبس بموجب حكم قضائي، سيحكِّم هذا الإعلامي غالباً ضميره وأخلاقياته فيما سيكتب.
أما السيد القيادي في حزب الحرية والعدالة قطب العربي فيقول على الجزيرة نت بنفس التاريخ 23 أغسطس 2012، "إن إسقاط الحبس الاحتياطي في جرائم النشر لا يعني إطلاق العنان لمن يتجاوزون قواعد المهنة، مؤكدا ضرورة الالتزام بالحرية المسؤولة التي تحترم القوانين فضلا عن قيم المجتمع وأعرافه وكذلك مواثيق الشرف الإعلامية." إن عبارة العربي هذه تتضمن النقاط التالية: أ. عدم تجاوز قواعد المهنة، وتحدثنا عنها أعلاه، ب. الالتزام بالحرية المسئولة التي تحترم القوانين، وأظنه يقصد بالقوانين، قوانين النشر والإعلام، وكذلك تحدثنا عن ذلك، ج. ثم، الالتزام بقيم المجتمع وأعرافه. وهذه النقطة الأخيرة تحتاج إلى مزيد من القول حولها. إنها توجيه يعني ويقصد بالضبط المثل القائل، "وكأنك يا مرسي ما غزيت." فالألفاظ "قيم المجتمع وأعرافه" تعني كل تركيبة المجتمع المعرفية الدينية والموروث التراثي وأساليب الحكم والتعامل المجتمعي التقليدي القائم في الوضع الراهن. وهذه الدعوة ترمي وتهدف إلى الحفاظ على كل ما هو موجود في الواقع الحالي والوضع الراهن القائم على ما هو عليه، والدفاع بل ومحاربة أي محاولة لنقد هذا الواقع الراهن من أجل تغييره إلى الأفضل. إن المهمة الأساسية والأولى للإعلام الجاد والصادق في التزامه بالجماهير وثورتها، وليس بنظام الحكم أيما كان، هو تقديم الوضع الراهن مصحوباً بنقده نقداً بناءً، يرحب ويثمن كل خطوة وإجراء وقرار يتم اتخاذها من جانب سلطات الحكم الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية أو من أي مؤسسة مسؤولة عن خدمة الجماهير، ويفضح وبلا رحمه أي خطوة أو إجراء أو قرار يخدم الحاكم وطبقته على حساب الجماهير أو يؤخر تطبيق وتنفيذ الأهداف التي قامت الثورة من أجلها من حرية ومساواة وعدالة اجتماعية وتعليم وصحة وكرامة وحياة إنسانية. وهكذا دور الإنتاج الأدبي والفني، إنه غير ملزم وليس من مهامة التصفيق للحاكم وإدراته ومؤسساتهما فيما يقدمون من أعمال إيجابية للشعب، فهذا مضمون العمل الذي كلفهم به الشعب حين انتخابه لهم، ففي الأصل لا أجر على ما هو واجب عمله غير الأجر المادي المقرر للقائم بالوظيفة سواء رئيس أو وزير أو غفير، مهمة الأدب والفن هو البحث عن نواقص وأمراض الواقع والإشارة إليها عبر النقد الجاد المبين للنتائج الهدامة والتخريبية التي يسببها إخفاء هذه النواقص والعيوب والصمت عليها. ماذا سيكون دور حرية التعبير إن لم يكن نقد قيم المجتمع وأعرافه بما تعنيه كما أوضحناه أعلاة؟ هل سيكون دور حرية التعبير نقد مكونات وقيم وثراثيات وعادات وأعراف المجتمع الأمريكي أو البريطاني أو الصيني أو الروسي أو الألماني أو ... أو .... وإظهار السعادة الغامرة الوهمية التي نعيشها في مجتمعاتنا المريضة بالفقر والأمية والحشيش الفكري والتخديري الفعلي في مقابل تلك المجتمعات؟
إن التوقع باستمرار هذه العقلية الرجعية التحريضية على حرية التعبير وحرية الكلمة وعلى إكمال توطيد النهج الديمقراطي صحيح كمحاولة التفافية على أهداف الثورة لصالح طبقة رأس المال الجديدة التي تحاول مشاركة طبقة مبارك الثابتة الوجود مسبقاً في حكم البلاد وتضخيم استثماراتها ومصالحها الاقتصادية عبر امتصاص مزيد من دماء الشعب المصري. إنهم لا يتخيلون أن يأتي أحد باسم حرية التعبير، "بعدما وصلت اللقمة للتم"، ليجردها منها. إنهم يعلمون أن استمرار الجو الثوري في العمل سيمنح الجماهير مزيد من الوعي والمعرفة. والمعرفة كما يقول فوكو سلطة وقوة. ومن أين ستأتي هذه السلطة والقوة للجماهير؟ أنه سينالها وسيقتطعها من سلطة وقوة الطبقة الحاكمة. إن حرية التعبير وحرية الكلمة يعنيان في جوهرهما مشاركة الجماهير، صاحبة المصلحة في الثورة، مشاركة فاعلة في الحكم وإدارة البلاد، وليس فقط الإدلاء بالصوت يوم الانتخاب ثم العودة إلى قبور التجاهل والترك واللامبالاة والسكينة والخنوع والاستسلام لمن تم تفويضه باستلام وظيفة رئيس أو وزير أو موظف عمومي. ترى كم من الوقت يحتاج قطب والعالم وأضرابهما حتى يدركوا المضمون الحقيقي لحرية التعبير وحرية الكلمة والديمقراطية، الله والثورة المستمرة يعلمان.
اسماعيل محمود الفقعاوي
24 أغسطس 2012








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الدولة المدنية قادمة والديمقراطية ايضا
حياة العبدالله ( 2012 / 8 / 24 - 22:21 )
ولا يعطيك العافية أستاذ اسماعيل على المقال . ثانيا وحسب علمي أن السيد الرئيس محمد مرسي قد استقال من حزب الحرية والعدالة إذن المفروض محاسبته على أفعاله وأقواله بصفته رئيسا للدولة المصرية وليس كفرد من جماعة الإخوان المسلمين وما قد يقوله أو يفعله الإخوان يجب محاسبتهم وحدهم عليه ويجب محاسبة الرئيس لو فعل كما يقولون دون النظر بمصلحة الشعب المصري أولا . ثالثا بالنسبة لنشر الديمقراطية ومفهوم الديمقراطية بين الشعب بكل ما يحتويه من مثقفين وسياسيين ومواطنين عاديين متعلمين وغير متعلمين سيستغرق بعض الوقت لكن محاولة العمل فيه والتي بدأت بشكل ملموس أحيانا وفيي بعض الأحيان قد لا نشعر بها تحتاج ألى المزيدمن القوانين والتي لن يستطيع الرئس مرسي اصدارها وحده بل بالتعاون مع مجلس الشعب القادم والحكومة ولن تكتمل دائرة الديمقراطية المنشودة بكل معانيها ومقاصدها بأربع سنوات يحكمها هو وبرلمانه وحكومته فالصبر مع العمل وعدم الاستسلام بالمطالبة سيؤدي بالنهاية الى المنشود مهما طال الوقت.


2 - الحل في الأرض وليس السماء
وسام ( 2012 / 8 / 26 - 22:45 )
اعتبر هذا المقال الدسم يفتح الشهية لتناول الموضوع من زاوية أن مدنية الدولة والديمقراطية مدخلهما الأساسي هو علمانية الدولة، بمعنى فصل مؤسسات الدولة عن الدين، مع احترام حرية الاعتقاد لكل افراد المجتمع، الذين هم مواطنين احرار وليسوا رعايا، فأي حركة تستند في فكرها لمرجعية دينية ومنها بالطبع حركة الإخوان المسلمين، لن تنتج دولة مواطنين أحرار بل ستبقى تعيد انتاج الرعايا من بوابة إعادة انتاج التخلف، الذي سيبقي ركائز التبعية الاقتصادية والسياسية والعسكرية للغرب الرأسمالي قائمة، وما يعنيه ذلك من التحالف مغ الأمبريالية الأمريكية والصهيونية، في إطار البحث عن الشرعية، والحفاظ على المصالح الاقتصادية والامتيازات والمكاسب السلطوية، حينها سنجد أنفسنا نقف ام ذات النظام القديم الذي لم يسقط سوى رأسه حتى اللحظة كون بنيته ومؤسساته ورؤيته وسياساته وقياداته رغم كل الإجراءات والتغييرات الشكلية التي جرت والتي لا تعدو ان تكون أكثر من تجميلية كونها من ذات البنية القائمة أصلاً، وهنا لي الحق أن أطرح سؤالي الذي سيبدو بسيط، بماذا يفسر اتصال -وزير دفاع الإخوان الجديد- بوزير الدفاع الصهيوني منذ يومين سابقين؟.

اخر الافلام

.. رانغر رابتور: ما سبب الإقبال على البيك أب العملاق من فورد| ع


.. في اليوم العالمي للقضاء على ختان الإناث: الكفاح ضده مستمر في




.. أردوغان: 9057 قتيلا من جراء الزلزال في تركيا وإصابة 53000 آخ


.. السلطات التركية تعلن السيطرة على حريق ميناء إسكندرون في هاتا




.. أهالي المفقودين اللبنانيين في تركيا: لوعة الفقدان ووجع الانت